طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > آفاق من الإعجاز العلمي في الصيام

ملتقى الخطباء

(4٬175)
100

آفاق من الإعجاز العلمي في الصيام

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” لقد تبين أن في الصوم فوائد جمة للإنسان، منها ما هو متصل بسموه النفسي والخلقي والروحي، ومنها ما هو متصل بإضفاء الصحة والعافية على جسمه وتخليصه من السمنة وما يتصل بها من أمراض، وتنقية جسمه من السموم والآفات، كما يعيد بناء أنسجته وخلاياه ويجددها فيطلق … “

 

 

 

 

بقلم الكاتب: أ.د.عبد القادر الحبيطي

 

فرض الله سبحانه وتعالى صيام شهر رمضان، كما شرع الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الصيام تطوعا في بعض الأيام من السنة، وقد اجتهد العلماء في بيان الحكمة من الصيام، علما بأنها واردة بنص الآية الكريمة التي فرض فيها الصوم في قوله تعالى:(يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183). ففرضية الصيام معللة في هذه الآية الكريمة بأنه يرجى عن طريقه التوصل إلى منزلة التقوى، وللعلماء كلام مستفيض في بيان منطويات كلمة (التقوى).

وقد ثبت حديثا أن للصيام فوائد صحية متعددة لجهاز المناعة وللجهاز الدوري والقلب وللجهاز الهضمي وللجهاز البولي، كما أن فيه الوقاية من أمراض اخرى يعاني منها الكثير من الناس، وقد سجلت هذه التأثيرات المفيدة للصيام على المستوى الوظيفي للخلايا والأنسجة، وقد تأكدت بالدراسات الكيميائية والعملية.

كيمياء جسم الإنسان

للتعرف على بعض الفوائد الصحية للصيام لا بد من ذكر العمليتين الكيميائيتين اللتين تحدثان داخل أجسامنها وهما:
عملية الهدم Catabolism
عملية البناء Anabolism
وتجري كلتا العمليتين باستمرار في أجسامنا تحت مظلة ما يعرف بالاستقلاب (Metabolism)، وفي أثناء فترة الصيام تنشط عملية الهدم حيث يقوم الجسم باستهلاك وتدمير الخلايا القديمة (الهرمة والمريضة) في الأعضاء المختلفة، واستهلاك الدهون المختزنة في أنسجة الجسم وأعضائه التي ثبتت أضرارها وأخطارها الصحية، ثم تنشط بعدها عملية البناء بعد الإفطار، ولهذا فإن نظام الصوم في الإسلام المتمثل في الامتناع عن الطعام والشراب لمدة تقارب الأربع عشرة ساعة أو أكثر ثم تتبعه بضع ساعات من السماح بتناول الطعام إنما هو نظام مثالي لتنشيط عمليتي الهدم والبناء لصالح ازدهار صحة الإنسان في أعماق خلاياه وأنسجته وأعضائه، والموقف الإيجابي لدى المسلم تنجم عنه فوائد نفسية وروحية للصائم كالزيادة في هرمونات الجسم الداخلية مثل مجموعة الأندروفينات، والتي يعزى إليها تحسن قدرة الصائم على بذل الجهد البدني، وكذلك قلة الشعور بالإعياء والتعب خلافا لما يعتقده بعض الناس من أن الصيام يسبب الوهن الجسدي والإعياء، واعتقادهم هذا مجرد فرضية لا أساس لها من الصحة وبالتالي فإن كثيرا من الصائمين يخفض ساعات العمل أثناء صيام النهار ويخلد للراحة والنوم، وقد ثبت علميا أن الصيام ليس له أي تأثير سلبي على الأداء العضلي أو تحمل الجهد البدني كما أنه لا يؤدي إلى أي من مظاهر الإرهاق والإجهاد، بل العكس هو الصحيح، لأن نتائج البحوث أظهرت تحسنا في القدرة على تحمل الجهد البدني وفي كفاءة الأداء العضلي أثناء الصيام، كما ظهر تحسن في درجة الشعور بالإرهاق.

فما هو التفسير الحيوي لذلك؟

لقد أظهرت دراسات عديدة أن الصوم يسبب زيادة في الأحماض الدهنية الحرة Free Fatty Acids في الدم، إذ ينجم عن الحركة والنشاط البدني أثناء الصوم في البداية زيادة في تصنيع جلوكوز جديد في الكبد (بتحويل الجلايكوجين فيه إلى جلوكوز) ويزداد إنتاج الجلوكوز بازياد الجهد العضلي، وبعد استهلاك الجلوكوز القادم من الكبد يتجه الجسم إلى الدهون (المخزون الشحمي) في النسج المختلفة للحصول على الطاقة، فيقوم بتحرير الأحماض الدهنية من هذه النسج مثل منطقة البطن والأرداف والأحشاء ثم بأكسدة وحرق هذه الدهون لتوليد الطاقة، ولهذا فإن الحركة والنشاط أثناء الصيام إنما هي عمل إيجابي وحيوي يزيد من نشاط عمل الكبد والعضلات، ويخلص الجسم من تراكم الشحوم (السمنة) ومن السموم المختزنة في هذه الشحوم والتي تشكل عبئا على القلب وتسبب أضراراً صحية عديدة وخاصة على الجهاز الدوري والقلب وعلى البنكرياس، مما قد يسبب ظهور مرض السكري لدى البدناء أكثر من غيرهم.

وبشكل عام فإن الحركة والنشاط أثناء الصيام يقومان بدور تنشيط الكبد خلال النهار، فتتحرك كمية الطاقة المختزنة فيه مما يؤدي بعد ذلك إلى تحرير الأحماض الدهنية في مجرى الدم حيث يجري حرقها والاستفادة منها في توليد الطاقة، وكذلك فإنها تنظف الأعضاء من السموم المتراكمة في الأنسجة وخصوصا الأنسجة المختزنة للدهون، وهذه الوظيفة هي أساسا من وظائف الكبد، أما كثرة النوم والكسل والخمول أثناء النهار فتعطل هذه الفوائد كما تعطل عمليات الهدم الإيجابي المفيد للتخلص من الخلايا الهرمة ومن الشحوم والسموم فيبقى المخزون الدهني والسموم الكامنة فيه كما هي في الجسم، وهكذا يتضح أن الصوم يسبب زيادة الأحماض الدهنية الحرة في الدم فتصبح المصدر الرئيسي للطاقة بدلا من الجلوكوز، وهذا يساعد أيضا في حماية مستوى الجلوكوز في الدم، أي أن الصيام يجعل الجسم يتجه إلى استخدام المصادر الداخلية للطاقة بدلا من المصادر الخارجية التي تستخدم في الظروف الاعتيادية في الأيام التي لا صيام فيها.

أدلة تاريخية

ولعلنا في هذا السياق نتذكر أن معركة بدر الكبرى كانت في السابع عشر من رمضان والمسلمون صائمون، وقد كان أداؤهم أثناء القتال متميزا، ونصرهم الله تعالى نصرا عزيزا، مما يؤكد بالدليل الواقعي العملي قوة تحمل الأشخاص للجهد البدني والنفسي أثناء الصوم، وأمثال ذلك كثير.

اضطرابات الساعة البيولوجية

وثمة خطأ يقع فيه كثير من الناس، إذ ينامون كثيرا أثناء النهار ويسهرون طوال الليل أثناء رمضان، ما يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للحركة والنشاط المرتبطة بإفراز هرمونات معينة تساعد على النشاط نهارا (مثل الكورتيزون) والنوم ليلاً (مثل هرمون الميلاتونين)، وليس هذا من أهداف الصوم وينبغي تجنبه.

الصوم أفضل وسيلة لمعالجة السمنة

تبين مما سبق ومن دراسات كثيرة أن الصيام الذي يتبعه إفطار معتدل متوازن يساعد على خفض الوزن لدى المصابين بالسمنة، ولكنه لا يؤثر في الأشخاص ذوي الوزن المعتدل، والدراسات العلمية تؤكد أن السمنة ذات آثار ضارة على الصحة فهي تسبب أمراضا كثيرة كارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الكوليسترول والإصابة بمرض السكري (النوع الثاني)، وتشجع على الإصابة بأمراض القلب والأوعية.

فنسبة الإصابة بارتفاع ضغط الدم عند البدينين ثلاثة أضعاف نظرائهم من ذوي الوزن المثالي، علما بأن الضغط يؤدي إلى الاصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين وفشل عضلة القلب، والخثرات في الدماغ (الذي يتبعه الشلل) وغير ذلك، كما أن ارتفاع نسبة الكوليسترول تؤدي إلى تصلب الشرايين والذبحة الصدرية، وكذلك فإن زيادة الوزن تؤدي إلى الاصابة بمرض السكري بمقدار ضعفين إلى عشرة أضعاف مقارنة بذوي الوزن المثالي، وتتوقف نسبة هذه الزيادة على مقدار الزيادة في الوزن.
ولمرض السكري تأثيرات خطرة تتمثل في أمراض القلب والأوعية واعتلال شبكية العين والفشل الكلوي واعتلال الأعصاب.

الصوم يؤخر الشيخوخة ويقي من الأمراض

تبين من دراسات أجراها معهد الصحة العالمي (IHI) في أميركا أن تخفيض نسبة السعرات الحرارية المتناولة يوميا يؤخر ظهور أعراض الشيخوخة ويقوي جهاز المناعة وفقا لأبحاث أجريت في جامعة ويسكنس (Wisconsin University)، شريطة أن يكون الغذاء صحيا ومتوازنا، كما أجريت أبحاث اخرى في جامعة ميرلاند الأميركية تبين فيها أن الإقلال من الطعام أدى إلى انخفاض نسبة الإصابة بأمراض السكري والقلب والسرطان.

الصوم والهدوء النفسي

من توجيهات الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) للصائم أن يلتزم بالسكينة والهدوء، وأن يبتعد بنفسه عن انفعالات الغضب والتوتر والشدة النفسية، وذلك لما لها من آثار ضارة على مستوى حياة الإنسان وسلامته، وعلى مستوى استفادته من صيامه أيضا.
أما وقد انتصر الصائم على نفسه بالإمساك عن الطعام والشراب وغيره من الشهوات ولو كان مبذولا وحلالا، فعليه أن ينتصر على نفسه ويملك زمامها في مجال العلاقات الإنسانية، فيتصف بالحلم والسكينة والهدوء والحكمة في معالجة المواقف المثيرة للغضب والشدة النفسية، قال (صلى الله عليه وسلم) «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم» (متفق عليه).

ويجب التعلم من مواقف بعض العلماء الأعلام الذين أعطونا دروسا سامية في كيفية معالجة مثل هذه المواقف بالحكمة، والترفع عن النزول إلى مستوى السفهاء من الناس، فأحد هؤلاء العلماء الأفاضل أغلظ أحدهم له بالقول فما كان منه إلا أن واجهه بهدوء قائلاً: إنما هي صحيفتك فاملأها بما تشاء، فأسقط في يد المهاجم وانصرف.

مسك الختام

لقد تبين من هذا البحث الوجيز أن في الصوم فوائد جمة للإنسان، منها ما هو متصل بسموه النفسي والخلقي والروحي، ومنها ما هو متصل بإضفاء الصحة والعافية على جسمه وتخليصه من السمنة وما يتصل بها من أمراض، وتنقية جسمه من السموم والآفات، كما يعيد بناء أنسجته وخلاياه ويجددها فيطلق طاقاته وحيويته بما يعود عليه بأفضل النتائج في صحته وسلامته ووقايته من الأمراض الوبيلة، وصدق ربنا عز وجل اذ يقول (وأن تصوموا خير لكم) (البقرة:184) وكما قيل «صوموا تصحوا» (ضعيف الجامع) والحمد لله على ما هدانا إليه وأحاطنا به من الرعاية والعناية (إن ربكم لرؤوف رحيم) (النحل:7).

مجلة الوعي:(العدد : 529)