طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > التوازن البيئي ضرورة كونية ( د. بركات محمد واد)

ملتقى الخطباء

(12٬606)
99

التوازن البيئي ضرورة كونية ( د. بركات محمد واد)

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” وقد شاءت إرادة الخالق جل وعلا ان يكون لمخلوقاته ترتيب في أفضليتها، فجعل الإنسان أفضلها على الأرض، كما فضله على كثير ممن خلق، ولم يكن استحقاق إبليس للطرد من رحمة الله بسبب إنكاره الإلوهية ولكن لرفضه الإقرار بأفضلية آدم التي أرادها الله له.ومن أهم مظاهر التكريم تسخير الكون لخدمته.. “

 

 

 

 

بقلم الكاتب: د. بركات محمد واد

 

يقول الحق عز وجل: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) (الفرقان: 2). ويقول: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر: 49). وتعني هاتان الآيتان الكريمتان ان البيئة الطبيعية في حالتها العادية دون تدخل مدمر ومخرب من جانب الإنسان تكون متوازنة ..

يؤكد ذلك قوله تعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون) (الحجر: 19). وتعني هذه الآية الكريمة ان الجبال الرواسي تحافظ على توازن الأرض، كما ان الله خلق من الأرض كل شيء بقدر معلوم، فالنبات يخرج ليسد احتياجات الكائنات الحية التي تتغذى عليه، واعداد أنواع النباتات بالكم الذي لا يخل بالتوازن البيئي.

ومن ثم يمكننا ان نقول: ان مفهوم التوازن البيئي ­ ذلك المفهوم الذي يكتشف في العلم الحديث ­ يعني بقاء عناصر او مكونات البيئة الطبيعية على حالتها، كما خلقها الله تعالى، دون تغيير جوهري يذكر، فإذا حدث اي نقص او تغيير جوهري ­ بسبب سلوك الإنسان وسوء استخدامه ـ في اي عنصر من عناصر البيئة اضطرب توازنها بحيث تصبح غير قادرة على إعالة الحياة بشكل عادي.

ولعل اكبر مؤثر في البيئة هو الإنسان، وقد بدأ الإنسان يغير في البيئة تغييرا كبيرا ويخل بالتوازن البيئي إخلالا شديدا منذ ان بدأ ثورته الزراعية، وكان لسوء استعمال الأرض أيضا نتائج عديدة اقلها تطاير غطاء التربة الناعم بالرياح وتعرية ما تحت الغطاء من تربة، ومع تزايد عدد السكان ونتيجة لاستعمال الناس للآلات والأجهزة التكنولوجية المختلفة تزايد تدخل الإنسان في توازن البيئة، واخذت التغييرات التي نتجت عن تدخله تتوإلى وتتضخم.

وكانت هذه الآثار نوعين رئيسيين: الأول يتمثل في اختلال توازن البيئة نتيجة إنقاص مكون او أكثر من مكونات عناصر البيئة، والثاني يتمثل في إحداث هذا الخلل نتيجة تلويث البيئة بمواد غريبة عنها او مغايرة في تركيزها لما اعتادت الحياة في تلك البيئة، بحيث يؤدي هذا التلويث إلى اضرار بها وافساد لتفاعل مقوماتها وعناصرها الحية والطبيعية، وقد اخذت المشكلة تبرز بشكل حاد في العصر الحاضر، كما زاد في حدتها تزايدها المستمر المتفاقم مما هدد بإيصالها إلى حجم الكارثة اذا لم يقم الإنسان بعمل جماعي لإيجاد حلول لها، والشريعة الإسلامية تمنع المسلم ان يكون مصدر ضرر للبيئة، بأن يكون سلوكه خاليا من عناصر الضرر للناس «اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (سنن أبي داود) ويقول الله سبحانه وتعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد اصلاحها) (الأعراف: 56).

حماته من الفساد

وحماية الحضارة من الإفساد، في الإسلام، لها مظاهر ثلاثة يتدرج فيها كل فرد حسب همته: المظهر الأول: يتحقق بشعور الارتباط النفسي بالجماعة، فمن خصائص الإسلام ادخال الدين في حياة المجتمع لصياغة الإنسان المسلم صياغة تمتزج فيها الدنيا بالدين، والمظهر العلمي لهذه الصياغة هو انتقاله من الشعور الفردي إلى الارتباط العضوي بالمسلمين ليبادلهم الشعور بالحقوق والواجبات، فشعور المسلم بالجماعة واهتمامه بأمورها، شرط لانتمائه إلى جماعة المسلمين، ففي الحديث الشريف «لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه البخاري).

وهذا التمني وان كان امرا نفسيا لا يتجاوز مرحلة الشعور إلى مرحلة العمل، الا انه يحول دون ان يكون المسلم سببا في ايذاء غيره بعمله او لسانه، «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (رواه البخاري).

المظهر الثاني: هو الامتناع عن الإضرار بالمجتمع، وهذا نتيجة طبيعية لشعوره بالارتباط بالجماعة، الذي يعتبر تطبيقا عمليا لإسلامه، والا كان مسلما بلسانه، ولم يصل الايمان إلى قلبه.

اما المظهر الثالث: يتخطى الموقف السلبي إلى موقف ايجابي، فالمسلم هنا لا يكتفي بأن يتمنى الخير وزوال الشر، وان يمتنع عن الإفساد والاذى، بل يتقدم خطوة اسمى، وفي ذلك تخلص من الانانية، وشعور بالمسؤولية نحو المجتمع، وهذه المسؤولية تنبع عن اقتناعه بارتباطه العضوي بالمجتمع وتأثره بما يصيبه خيرا او شرا.

ومثل هذا المسلم وصفه الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنه القائم على حدود الله «مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في اسفلها اذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو انا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما ارادوا، هلكوا جميعا، وان اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» (رواه البخاري).

ويعتبر هذا الحديث افضل مثل يمكن ان يضرب على تضامن الإنسان مع اخيه ضد كل الاخطار التي يمكن ان تحدق بهم جميعا، خاصة ان الجميع في سفينة واحدة، وفي غرق هذه غرق السفينة لكل راكبيها، وفي هذا الحديث دعوة لكل مسلم الا يقف موقفا سلبيا من اي خطر يهدد المجتمع الإسلامي، وقد رأينا كيف يهدد التلوث الكيميائي والاشعاعي والذري كل صور الحياة على هذه الأرض والماء والهواء، وكيف ينبغي ان تتضافر كل جهود البشرية لدرء هذه الاخطار التي تهدد الإنسانية ليس في حاضرها فحسب بل في غدها ومستقبلها القريب والبعيد.

وقد شاءت ارادة الخالق جل وعلا ان يكون لمخلوقاته ترتيب في افضليتها، فجعل الإنسان افضلها على الأرض، كما فضله على كثير ممن خلق، ولم يكن استحقاق ابليس للطرد من رحمة الله بسبب انكاره الالوهية ولكن لرفضه الاقرار بأفضلية آدم التي ارادها الله له.
ومن اهم مظاهر التكريم تسخير الكون لخدمته (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه) (الجاثية: 13) وقد حدد الحق تعالى مهمة الإنسان الحضارية في هذا الكون بقوله: (هو أنشأكم واستعمركم فيها) (هود: 61) وهذا يعني ان الله قد فوض الإنسان لعمارة الأرض، والعمارة نقيض الخراب، وتعني تمهيد الأرض وتحويلها إلى حال يجعلها صالحة للانتفاع بها وبخيراتها.
واذا كان الاستعمار هو طلب العمارة، فالإنسان مطلوب منه ­ طبقا للمشيئة الالهية ­ ان يجعل الأرض عامرة تصلح للانتفاع بها، وان يبحث عن افضل السبل لتيسير الحياة فيها، وكشف ما في الأرض من قوى وطاقات وكنوز من اجل خير البشرية جميعا، وقد اعطى الله الإنسان من الاستعدادات والامكانات ما يتناسب مع ما في هذه الأرض من قوى وطاقات فهناك تناسق بين القوانين الالهية التي تحكم الأرض وتحكم الكون كله، والقوانين التي تحكم الإنسان وما حباه الله من قوى وطاقات.

هذا التسخير للكون يلقي على الإنسان تبعات ومسؤوليات جسام، حيث متعه الله تعالى بالحرية التي هي مناط المسؤولية، والمسؤولية عن هذا الكون هي مهمة الإنسان الكبرى في هذا الوجود، خاصة انه متعه وشرفه بالعقل، ومن هنا فالجسد والمال والعلم والوقت هي مؤهلات الإنسان، ووسائله للقيام بعمارة الأرض، ولذلك على الإنسان المكلف بعمارة الأرض الاقبال على الدنيا لا الانعزال عنها، وتوظيفها لعبادة الله، وتسخيرها لإظهار مشيئة الله وحكمته «ان قامت الساعة وبيد احدكم فسيلة فإن استطاع الا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه البخاري في الادب المفرد).

ومن هنا تكون مهمة العمارة مهمة مجردة لا يشترط لها ان يستفيد منها من يقوم بها، وهي مهمة ربانية كلف الله بها الإنسان، مما يعطي للعمل والاعمار في الإسلام مفهوما يتعدى ذات الافراد ويتجاوز مصالحهم الآنية الشخصية العاجلة، لأن المحصلة النهائية للنشاط الفردي المتعاون على الخير، هي اقامة مجتمع متحضر، لأن في التحضر والتمدن ازدهار للإنسانية.

الا ان العلم والتكنولوجيا الحديثة هزت اركان سلم القيم في الغرب، فأصيب العالم الغربي بدوار الاستهلاك وتجميع السلع وطلب اللهو والمتعة، وهذا شيء طبيعي بعد ان شعر الإنسان في الغرب انه اصبح يتيما بعد ان اعلن نيتشه موت الإله، واعلنت البنيوية موت الإنسان، فتحول الإنسان الغربي المغترب عن ذاته الحقيقية إلى مستهلك فتأتي البيئة المادية كفيل الامن، من خلال الوفرة والمال، في الوقت المناسب للحلول محل البيئة الروحية التي خذلته على يد مفكريه وفلاسفته الغربيين فأنكرها، ومن ثم غدا رفع مستوى المعيشة هدف الحياة والتقدم الاقتصادي كبير اصنام العصور الحديثة، لذلك نحن نرى ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا التي يمكن ان تنشأ عنها بعض المشاكل العرضية، وانما تكمن في الفهم الإنساني لنفسه ولواقعه البيئي، وترتبط كثير من مشكلاته بسلوكياته ونهجه إلى مزيد من الرفاهية غير المسؤولة، هذا فضلا عن اتساع دائرة الطموح الإنساني الذي لا يحسب كل نتائجه وجميع آثاره.

حصاد مر

وعلى الإنسان ان يعي بعد ذلك ان اهتزاز سلم القيم في المنظومة العالمية الراهنة، يمكن ان يرد اليه كثير من اسباب هذه المشكلات، على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، وهو ما تؤكده كثير من الوقائع ويتضح لنا بتقصي هذه الوقائع ان المسألة ليست منحصرة في نضوب موارد الأرض، ولا ما تصوره آلة الإعلام الشمالي متمثلا في انفجار سكاني في الجنوب، وانما هي ببساطة حاجة العالم إلى عدل اكثر واستغلال اقل، فلا يقتصر هذا البيان على اشارة للتوازن الدقيق للكون، وفي الكون توازن بين المجرات، والكواكب المختلفة وتوازن بين ما على سطح الأرض وما في جوفها، وتوازن بين اليابسة والماء، وتوازن بين الكائنات المختلفة، وانما يتعداه إلى توازن بين الحياة والموت، وتوازن بين الارادة البشرية والغرائز، توازن بين استخراج الموارد واستهلاكها وتوازن بين الحاجة والانتاج.

فإذا ما عمل بعض البشر افسادا في الأرض واخلالا في العلاقات طمعا وجشعا واسرافا وتفريطا (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) (الروم: 41)، فالعلاج يبدأ قبل كل شيء في نفوس البشر وسلوكهم، ان الإنسان هو نقطة البداية مثلما هو الهدف، وبغير الانطلاق من النقطة الصحيحة لا جدوى لحديث عن حلول للاختلال البيئي وسواه، وفي كل الاحوال (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (يونس ـ 44) فسيطرة الإنسان على قوى الطبيعة لا تكفي وحدها لبناء الحضارة، بل لابد ان ينضم إلى ذلك سيطرة الإنسان على نوازعه الداخلية واهوائه وشهواته منضبطة بالقيم الدينية والعقلية والاخلاقية والجمالية. وبذلك تتم عمارة الأرض كما اراد الله ويكون الإنسان بحق خليفة لله في الأرض.

تلوث الهواء

وهناك حالات من التلوث كثيرة عالجها الفقهاء مثل تلك التي تروى في كتاب «الاعلان بأحكام البنيان» لابن الرامي، ومنها يتضح مدى الوعي البيئي عند فقهاء المسلمين، ومدى حرصهم على حماية سكان المدن من اضرار التلوث بالدخان، وكانت توكل إلى المحتسب مهمة مراقبة التلوث بالادخنة ومنع حدوثها بجانب مهامه الاخري، كمراقبة الاسعار والمكاييل بالاسواق.

كما يذكر الشيرازي في كتابه «نهاية الرتبة في طلب الحسبة» ان المحتسب كان يهتم بأن ترفع اسقف حوانيت الخبازين، وان تفتح ابوابها ويجعل في سوق الافران منافس واسعة يخرج منها الدخان لئلا يتضرر بذلك السكان، كما كان المحتسب يمنع الصباغين من وضع افرانهم في الشوارع لما تبثه من ادخنة تضايق المارة والسكان.

 

وفيما يتعلق بحماية الهواء من التلوث بالروائح الكريهة، فقد نهى الإسلام عن احداث هذا النوع من التلوث، وذلك استنادا إلى حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): «من اكل ثوما او بصلا فليعتزلنا او ليعتزل مسجدنا» (البخاري)، فإن كان على آكل البصل الابتعاد عن المسجد كي لا يضايق اخوانه برائحة فمه، فإنه من الاجدى عدم السماح للروائح الكريهة من الانتشار في ارجاء المدينة وايذاء سكانها، كما امر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالاهتمام بنظافة المسكن فقال: «ان الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا افنيتكم، ولا تشبهوا اليهود» (رواه الترمذي).

تلوث الماء

اما تلوث الماء، فهو تدنس مجاري الماء والآبار والانهار والبحيرات والمحيطات والمياه الجوفية، مما يجعلها غير صالحة للانسان او الحيوانات او النباتات او الكائنات التي تعيش في المسطحات المائية، وتحفل الشريعة الإسلامية بكثير من النصوص التي تحث على حماية الماء من التلوث قال تعالى: (كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (البقرة ـ 60)، فالإنسان مطالب بعدم الفساد في الأرض، لأن ذلك يؤثر في رزقه من المأكل والمشرب ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «غطوا الاناء واوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، او سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء» (رواه مسلم)، وذلك لحماية الماء من الملوثات التي قد تنتقل اليه من الهواء او من الحشرات الناقلة للجراثيم والطفيليات، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): «لا يبولن احدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» (رواه مسلم).
ولا يخفى على القارئ ان هناك امراضا كثيرة تنتج من الاستحمام في الماء الراكد الذي سبق التبول فيه، كما نهى (صلى الله عليه وسلم) ان يبال في الماء الجاري، وذلك النهي هدفه المحافظة على نظافة الماء من التلوث بالطفيليات التي قد تكون مع التبول.
وقد نهى الإسلام عن كل صور الإفساد في الأرض خاصة قطع الاشجار، وتغوير الانهار، كما نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الاضرار بالنفس او بالغير، فقال: «لا ضرر ولا ضرار» (سنن ابن ماجه).

لقد سبق الدين الإسلامي الحنيف إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من آفات التلوث والفساد، ورسم المنهج الإسلامي حدود هذه التشريعات على اسس الالتزام بمبدأين اساسيين يحددان مسؤولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها، الاول هو درء المفاسد حتى لا تقع بالبلاد وبالعباد وتسبب الاذى للفرد والمجتمع والبيئة حيث لا ضرر بالنفس ولا ضرار بالغير.

واما المبدأ الثاني فهو جلب المصالح وبذل كل الجهود التي من شأنها ان تحقق الخير والمنفعة للجماعة البشرية ابتغاء مرضاة الله ورحمته في الدنيا والآخرة.

واهم ما يميز المنهج الإسلامي في الحفاظ على البيئة هو الامر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان، واقام الإسلام بناءه كله على الوسطية والتوازن والاعتدال والقصد، كما نهى عن الاسراف في كثير من آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة.

البعد الجمالي

وهناك بعد مهم يغيب عن كثير من الباحثين والمهتمين بشؤون البيئة، ولكنه لا يغيب عن الرؤية الإسلامية ذلك هو البعد الجمالي، فهناك في القرآن الكريم دعوة إلى تأمل الجمال الكوني، وهي دعوة إلى الارتفاع بعلاقات الإنسان بالكون والبيئة إلى مستويات من السلوك والرؤية الإنسانية النبيلة، ففي مستويات الاصلاح والاعمار لا تقتصر على الاصلاح المادي، بل تتعداه إلى الجمال المعنوي البادي في الكون، والذي يسعى الإنسان إلى تأمله والمساعدة على الاحتفاظ به وصيانته، وهي دعوة في حقيقتها إلى التفوق في مجال العلوم الكونية المهتمة بدراسة ظواهر الكون والحياة للافادة منها في تطوير حياة البشر وفهم اسرار الوجود، فالمتأمل في السماء وما يدور فيها من كواكب وما ينتشر فيها من افلاك، يجب الا يغفل عن زينتها التي نبه اليها الحق في قوله سبحانه وتعالى: (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) (الحجر: 16).

فإذا تطرقنا إلى المسائل الجزئية من الاهتمام بالبيئة فسنجد اهتماما كبيرا من الإسلام بنظافة البيئة تبدأ من نظافة الإنسان الشخصية وتمتد إلى كل مظاهر البيئة المتعددة (وثيابك فطهر) (المدثر: 4)، حيث امر الإسلام المسلم بالاستحمام «اذا جاء احدكم الجمعة فليغتسل» (البخاري) وفرض الاغتسال من الجنابة وحيض النساء، وامر بالاستحداد اي حلق شعر العانة ونتف الابط والختان للذكور وقص الشارب، «خمس من الفطرة: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الابط وتقليم الاظافر» (الترمذي).

ودقق الإسلام بشدة علي نظافة الايدي، وغسلها قبل الطعام وبعده، وامر بتخليل الاصابع عند الوضوء الذي لا تصلح صلاة دون القيام به.
كما اهتم الإسلام بنظافة ثوب المسلم واناقته، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يستاء اذا رأى مسلما لا ينظف ثوبه ويقول لأصحابه «اما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه» (ابن حبان).

كما اهتم الإسلام بنظافة الطعام والشراب … وأوكوا قربكم واذكروا اسم الله وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله.. » (رواه مسلم).

اما نظافة مصادر المياه، فقد حرم التبرز او التبول في الماء واعتبر ذلك مجلبة للعنة الله تعالى: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل» (سنن أبي داود)، «لا يبولن أحدكم مستحمه فإن عامة الوسواس منه» (سنن النسائي)، كما امر النبي بنظافة المسكن «ان الله طيب يحب الطيب، جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم، نظيف يحب النظافة، فنظفوا افنيتكم، ولا تشبهوا اليهود» (الترمذي)، كما يحث المسلمين على نظافة الشارع والطريق، ان تميط الاذى عن طريق الناس لك صدقة، كما اهتم الإسلام بالصحة العامة، من حيث ان الصحة والعافية مؤهل اساسي للقيام بوظيفة الخلافة، وعلي المسلم ان يحرص عليهما ويسعد بهما، والنظرية الطبية الإسلامية التي يمكن ان نستمدها من تعاليم الإسلام وتوجيهاته تقوم على:

أولا: بناء الجسم وتحسين الصحة Heallhth Promotion يستلزم ان يكون نظام الحياة الشخصية والظروف البيئية وتركيبة المجتمع كلها عوامل بناءة تساعد على تحسين الصحة، وقد حاول الإسلام توفير كل الشروط السابقة بتوجيه الانتباه إلى كل عنصر منها سواء المتصل بالنواحي الجسمية او المتعلق بالامور النفسية والروحية، فضلا عن تهيئة الاجواء الاجتماعية التي تساعد على اكتمال شروط المفهوم الصحي بالمعنى الكامل للمسلم، بدءاً من اختيار الزوجة الصالحة «تخيروا لنطفكم… » (سنن ابن ماجه)، وتشجيع الرضاعة الطبيعية، والحث على الرياضة الجسمية قال عمر رضي الله عنه «علموا أولادكم الرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا».

كما اهتم الإسلام بالحياة الصحية في بيئة صحية، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحب الصلاة في البساتين وينهى عن الصلاة في سبعة مواطن: «في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، ومعاطن الابل، وفوق ظهر بيت الله» (سنن الترمذي).

الغذاء

وفي مجال التغذية كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يفضل الغذاء النافع مثل اللبن وعسل النحل والبلح واللحم واهتم الإسلام بتكامل طعام الإنسان المسلم، ودعا إلى التنعم بنعم الله تعالى من الطعام والشراب في ضوء النص القرآني (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) (الأعراف ـ 31) كما دعا الإسلام إلى صيانة الحياة الشخصية وتوفير الراحة النفسية.

ثانيا: حماية الصحة والحفاظ عليها: (الطب الوقائي) Prevention وفي الإسلام أسباب الوقاية من الأمراض المعدية وغير المعدية «لا يوردن ممرض على مصح» (البخاري)، «اذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها واذا وقع بأرض وانتم بها فلا تخرجوا منها» (البخاري)، وبذلك عرف الإسلام الحجر الصحي قبل ان يعرف في العصر الحديث.

ثالثا: اصلاح البدن من الامراض (الطب الوقائي) Treatment فقد نهى الاسلم عن الرقى والتمائم والتعاويذ وامر بالعلاج عند المرض «تداووا فإن الله لم يضع داء الا وضع له دواء» (صحيح ابن حبان)، «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله» (رواه مسلم).

وكما اهتم الإسلام بالتغذية للمحافظة على الصحة فقد حرم بعض الأغذية لضررها الشديد على الصحة مثل الميتة ولحم الخنزير والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع، كما امر بالصوم وجعله فريضة، وتأتي اهميته من كون الجسم الإنساني تحدث فيه عمليتان كيميائيتان ضروريتان هما عملية الهدم Catablism وعملية البناء Hnabolism في الأولى يدمر الجسم Destrog الخلايا القديمة في كل عضو من أعضائه، وفي الوقت نفسه يقوم الجسم بعملية بناء وتكوين خلايا جديدة، وفي الصوم تكون عملية الهدم اكثر سرعة ونشاطا من عملية البناء، مما يؤدي إلى تخلص الجسم من كل العناصر الفاسدة فيه، وفي الافطار تنشط عملية البناء اكثر مما في الظروف العادية.

 

مجلة الوعي
(العدد : 519)