طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > كيف ندعو الله بأسمائه ؟

ملتقى الخطباء

(5٬617)
94

كيف ندعو الله بأسمائه ؟

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” ومعلوم أن الطلب يستدعى تقديم ما يدعو إلى القرب من المدعو، ويكون ذلك أولا بزوال القطيعة وثانيا بالمبالغة في المدح، تتخذ ذلك وسيلة إليه ، فالتوسل إلى الله أعلاه أن تتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهذا هو دعاء المسألة، ثم التوسل إليه بفعل …”

 

 

 

 

محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

الحمد لله وكفى وسلام على نبيه المصطفى المجتبى سيدنا محمد ، خير خلق الله ، وصاحب الشفاعة عند الله ، خصه الله بالمقام المحمود ، وشرفه بالحوض المورود ، أرسله إلى خلقه بالنور الساطع ، والسراج اللامع ، والحجج الظاهرة ، والآيات الباهرة ، والأعاجيب القاهرة ، فبلّغ رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وجاهد في الله حق جهاده ، حتى تمت كلمة الله عز وجل ، وظهر أمره ، وانقاد الناس إلى الحق خاضعين ، جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، لا وانيا ولا مقصرا ، فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين ، وعلى آل بيته الطيبين ، وعلى أصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين ، عرَّفنا الله به الشرائع والأحكام ، والحلال والحرام ، وبيَّن لنا به شريعة الإسلام ، حتى انجلت عنا الشبهات ، وانكشفت عنا الظلمات ، وظهرت لنا به البينات ، فالسعيد من شرب من حوضه ، وكان من أنصاره وحزبه ، صلى الله عليه كما أمرنا في ذكره فقال : ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) .

 

أما بعد:

 

يقول الله عز وجل : ( وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف:180) ، أصل الدعاء النداء والطلب والاستغاثة وتعظيم المدعو ومحبته وذكره والرغبة إليه ، قال الله تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة:23) وقال الفراء : وادعوا شهداءكم من دون الله يعني آلهتكم يقول : استغيثوا بهم ، وهو كقولك للرجل إذا لقيت العدو فادع المسلمين ، ومعناه استغث بالمسلمين فالدعاء بمعنى الاستغاثة ، وقد يكون الدعاء بمعني العبادة ، على اعتبار أن من تعظمه عن حب تكثر من ذكر أسمائه ، وتعود إليه في أمورك كلها ، فتتوكل عليه وتستعين به حتى يصبح شغلك الشاغل الذي تطلب منه العون والنصرة ، والمولاة في أي وقت ، روى الترمذي وقال : حديث حَسَنٌ صحيحٌ من حديث النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قَال َ: ( الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ ) .
وروى مسلم عَنْ عَبْدِ اللّهِ بن مسعود ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَل : ( أُولئِكَ الذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) (الإسراء :75) قَالَ : كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا ، وَكَانُوا يُعْبَدُونَ ، فَبَقِيَ الذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِم وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ .

وأي داع عاقل يراعي في طلبه الدقة في اختيار المدعو ، فلا بد من أن تتوفر فيه الأوصاف اللازمة لتحقيق مطلوبه ، فلو كان فقيرا ما دعاه ، ولو كان وضيعا ما دعاه ، ولو كان كاذبا ناقصا ما دعاه ، وإنما يدعوا ويطلب من كان لديه كمال في الذات والصفات ، واستغناء عن الآخرين ، فانظر إلى من تربطك به صلة نسب أو قرابة ، أو زمالة أو صداقة ، في حال ضيقك واضرارك ولجوئك إلى أحدهم ، تتخير منهم الأغنى ، فتقدم صاحب المليون على صاحب الآلاف ، وتقدم منهم من اتصف بأعلى الأوصاف ، فالأكثر حكمة هو يقدم للإدارة والأكثر خبرة يقدم في النصح والاستشارة ، يقدم الأعلم في الفتوي ، فالفقيه العالم ، ليس كطالب العلم ، وكذلك الأعلم في الطب ، حتى لو كان من غير قرابتك ، أو من غير جماعتك ، أو على غير ملتك ، فبسبب الصفات تتعلق النداءات والدعوات ، ومعدوم الصفات كالأموات لا يتوجه إليهم إلا أغبى الخلق عقلا ، وأردؤهم فهما ، ولذلك فإن الشرك ظلم عظيم ، وإفك مبين ، لأن المشرك يشبه المخلوق الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بمن كانت أزمة الأمور بيديه ومرجعها إليه ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .

 

يشبه المخلوق بالخالق والمملوك بالمالك ، فيعظمه كتعظيم الله ، ويحبه كمحبة الله ، كما قال جل في علاه : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهمْ كَحُبِّ اللهِ وَالذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ ) ، ولما عذبوا في جهنم قالوا : ( وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِنْ كُنَّا لفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالمِينَ ) فسوا بين الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وبين آلهتهم التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، سوا بين الله وبين آلهتهم في المحبة التعظيم والذكر والدعاء والخوف والرجاء ، ووصفوهم بالمدح وترديد الأسماء ، فمن قائل :

شيخي الرفاعي له بين الورى همم *** نصالها ماضيات تشبه القدر
دخلت في ظلها أبتغي التفيؤ من *** رمضاء دهري فجاء الدهر معتذر

نسب إليه كمال العلم والقدرة والإرادة والقوة ، والعزة والهيمنة ، والملك والسلطنة ، وهو مخلوق ميت من أحوج الخلق إلى دعاء أهل لحق ، والله أعلم بحاله وأين يكون في مآله ؟ واسمع إلى آخر يصف معبودة بأنه يتوب على من يشاء ويغفر لمن يشاء ، فقبحا وبؤسا لهؤلاء ، يقول هذا الجاهل :

وقفت بالذل في أبواب عزمكموا *** مستشفعا من ذنوبي عندكم بكموا
– أعفر الخد ذلا في التراب عسي *** أن ترحموني وترضوني عبيدكموا
– فإن رضيتم فيا عزي ويا شرفي *** وإن أبيتم فمن أرجوه غيركموا

يمدحونهم بالكمال وهم أولى بالنقائص ويتركون رب العزة والجلال وهو أولى بالكمال ، فإذا قال أحدهم في الرفاعي أو البدوي :

غوث وغيث في الوري فيمينه : يرتاح من راحاتها مسكينه

تسدي العدو من العدو تصونه
هذا رجائي عنده وأظنه
قبل الرجاء من المقل المجهد

ذو الفقر والفاقات يسعي زائرا
ولظهر بحر النيل يركب سائرا
أفلا يكون لي القبول بلا مرا
لاسيما ولقد أتيت مبادرا
أسعي إليه من الرحاب الأحمدي

إذا قال ذلك في الرفاعي أو البدوي ، فماذا ترك لله عز وجل ؟ ، انظروا إلي تعظيمهم لشيخ العرب في هذه الأبيات الشعرية ، ووصفهم له بأوصاف الربوبية :

يا من هو البحر الخضم إذا جري *** جاءت لك الزوار من أقصي القرى
كل ينادي يستغيث لما جري *** فلقد حويت الفضل يا غوث الورى .

والله عز وجل لما ذكر معبوداتهم وصفهم بالنقص في مقابل وصفه بالكمال فقال : (إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ) (الأعراف:195) (قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً) (الإسراء:56)

فالذي يدعو الميت يثبت له بصورة حتمية أوصاف الربوبية ، فالذي يقول مدد : يثبت الداعي صفة الحياة للمقبور لأنه لو اعتقد أنه ميت ما توجه إليه بالنداء والدعاء ، أبالله عليكم أيها العقلاء ، ما تقولون في رجل توفي أبوه ، فذهب إلي قبره ودعاه ، وناداه أبتاه أجبني أغثني ؟ تقولون عن هذا مجنون ، ولا تقولونه لمليون أو سبعة مليون ممن يشدون الرحال ويذهبون يتراقصون في الموالد ، يقبلون الأعتاب ، ويستغيثون بسكان الأضرحة والقباب ؟

فالذي يستغثت بالضريح يثبت أنه يسمع ويبصر ، ويعلم ويقدر ، أثبت أنه غني فالفقير لا يدعي ولا يقصد ، فهذه قدرة الله في مقابل قدرتهم : ( يُولِجُ الليْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الليْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلكُونَ مِنْ قِطْمِير ٍإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطر:14:13) . (قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) (سبأ:23) .

انظر إلى مدي تعجيزهم : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج:73) . وانظر إلى كمال قدرته ودلالة أسمائه وصفاته على حياته : (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (غافر:65) (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (الزمر:38) ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (الأحقاف:4) .

فإذا كان الدعاء مرتبطا بالأسماء والصفات ، فإن العاقل سيتوجه تلقائيا إلى ربه ليدعوه بأسمائه الحسني وصفاته العليا ( وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف:180).

 

وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة ، فدعاء المسألة : هو أن تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا لحالك ، كأن تقول في حال ذنبك يا غفور اغفر لي ويا رحيم ارحمني وفي حال فقرك يا رزاق ارزقني ويا غني اغننى بفضلك عمن سواك ، وفي حال ضعفك يا قوى قوني وفي حال جهلك تقول يا عليم علمني إلى غير ذلك مما يتطلب فقها في الدعاء ، وأما دعاء العبادة فهو أن تتعبد الله تعالى بمقتضى هذه الأسماء ، فتظهر بمظهر الفقر لعلمك أن الغني هو الله ، وتظهر بمظهر الضعف لعلمك أن القوى هو الله ، وتظهر بمظهر الافتقار والتواضع لعلمك أن العظيم العزيز هو الله ، فهذا هو دعاء العبادة ، يقول تعالى : ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً) (مريم:48) وتذكره بلسانك لأنه السميع وتتعبد له بجوارحك لأنه البصير وتخشاه في السر لأنه اللطيف الخبير وهكذا ، وقال مجاهد في قوله عز وجل : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) (الكهف:28) قال : يصلون الصلوات الخمس ، وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله عز وجل :
( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ) (الكهف:14) أي لن نعبد إلها دونه ، وقال الله عز وجل : ( أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) (الصافات:125) أي تعبدون ربا سوى الله ، وقال : ( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص:88) أي لا تعبد مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ .
ومعلوم أن الطلب يستدعى تقديم ما يدعو إلى القرب من المدعو ، ويكون ذلك أولا بزوال القطيعة وثانيا بالمبالغة في المدح ، تتخذ ذلك وسيلة إليه ، فالتوسل إلى الله أعلاه أن تتوسل إليه بأسمائه وصفاته ، وهذا هو دعاء المسألة ، ثم التوسل إليه بفعل العمل الصالح ، وهذا هو دعاء العبادة ، فزوال القطيعة يدفعك إلى أن تتوب إليه وتدعوه باسمه الغفور ، تدعوه دعاء مسألة ، تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا لحالك ، والله عز وجل إذا ذكر التوبة والمغفرة أو الرحمة لعباده ، نبه على أن قبولها بسبب أنه التواب الغفور الرحيم : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:37) ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54) ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:128) ، كما أن العبد يتوسل إلى الله بفعل العمل الصالح ودعاء العبادة ، ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (التوبة:118) .
وفي حديث البخاري يقول أبي بن كعب : ( فَلمَّا صَليْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ ليْلةً ، وَأَنَا على ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا ، فَبَيْنَا أَنَا جَالسٌ على الحَال التِي ذَكَرَ اللهُ ، قَدْ ضَاقَتْ على نَفْسِي وَضَاقَتْ على الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ ، أَوْفي على جَبَلِ سَلعٍ بِأَعلى صَوْتِهِ ، يَا كَعْبُ بْنَ مَالكٍ أَبْشِرْ ، قَال فَخَرَرْتُ سَاجِدًا ، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ ، وَآذَنَ رسول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَليْنَا حِينَ صَلي صَلاةَ الفَجْرِ ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا ، وَذَهَبَ قِبَل صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ .. وَانْطَلقْتُ إِلي رسول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ ، فَيَتَلقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ ، يَقُولُونَ لتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَليْكَ .
قَال كَعْبٌ : حتى دَخَلتُ المَسْجِدَ ، فَإِذَا رسول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ جَالسٌ حَوْلهُ النَّاسُ .. قَال وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ ، أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَليْكَ مُنْذُ وَلدَتْكَ أُمُّكَ ، قَال قُلتُ : أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رسول الله أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، قَال : لا بَل مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟ ) ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم ُ) (التوبة:104) ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ) (الكهف:58) .

وفي صحيح البخاري عن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( انطَلَقَ ثلاثةُ رَهطٍ ممن كان قبلَكم حتّى أوَوُا المَبيتَ إِلى غارِ فدَخَلوه ، فانحدَرَتْ صَخرةٌ منَ الجبَلِ فسدَّتْ عليهمُ الغارَ ، فقالوا : إنه لا يُنْجيكم من هذهِ الصَّخرةِ إِلاّ أن تدعوا اللهَ بصالحِ أعمالِكم ، فقال رجُلٌ منهم : اللّهمَّ كانَ لي أبَوَانِ شيخانِ كبيرانِ ، وكنتُ لا أغبِقُ قبلَهما أهلاً ولا مالاً ، – الغبوقة هي الناقة التي تحلب بعد المغرب ، واغتبقها يعني حلبها في ذلك الوقت ، ومعنى لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا ، أي ما كنت أقدم عليهما أحدا في شرب نصيبهما من اللبن الذي يشربانه ، فالغبوق شرب آخر النهار – يقول : فناءَ بي في طلَب شيءٍ يوماً فلم أُرِح عليهما حتّى ناما ، فحلبْتُ لهما غبوقَهما فوجَدْتُهما نائمينِ ، فكرِهتُ أن أغبِقَ قبلهما أهلاً أو مالاً ، فلبثتُ والقَدَحُ على يَدَيَّ أنتظِرُ استِيقاظَهما حتّى بَرَقَ الفجرُ ، فاستيقظا ، فشربا غبوقَهما : اللّهمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلكَ ابتِغاءَ وَجهِكَ ، ففَرِّجْ عنّا ما نَحنُ فيه من هذهِ الصخرةِ ، فانفَرَجَتْ شيئاً لا يَستطيعونَ الخروجَ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الآخرَ : اللّهمَّ كانت لي بنتُ عمٍّ كانت أحبَّ الناسِ إِليَّ ، فأردتُها عن نَفسِها فامتنعَتْ مني ، حتّى ألمَّتْ بها سِنةٌ منَ السنينَ فجاءتْني فأعطيتُها عشرينَ ومائةَ دَينارِ على أن تُخَلّي بيني وبينَ نفسِها ، ففعلَتْ ، حتّى إِذا قدَرْتُ عليها قالت : لا أُحِلُّ لكَ أن تَفُضَّ الخاتمَ إِلاّ بحقِّهِ ، فتحرَّجتُ منَ الوُقوع عليها ، فانصَرَفتُ عنها وهيَ أحبُّ الناس إِليَّ ، وتَرَكتُ الذهب الذي أعطيتُها ، اللّهمَّ إن كنتُ فعلتُ ذلكَ ابتِغاءَ وجهِكَ فافرُجْ عنّا ما نحنُ فيهِ ، فانفرَجتِ الصَّخرةُ ، غيرَ أنهم لا يَستطيعون الخروجَ منها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : وقال الثالث : اللّهمَّ إني استأجَرْتُ أُجراءَ فأعطيتُهم أجرَهم ، غيرَ رَجُلٍ واحدٍ تركَ الذي له وذهبَ فثمَّرْتُ أجرَهُ حتّى كثُرَتْ منهُ الأموالُ ، فجاءني بعدَ حِينٍ فقال : يا عبدَ اللهِ أدِّ إِليَّ أجري ، فقلت له : كلُّ ما تَرَى مِن أجْرِكَ منَ الإِبلِ والبقرِ والغنمِ والرقيق ، فقال : يا عبدَ اللهِ لا تَستهزىءْ بي ، فقلت : إني لا أستهزِىءُ بكَ ، فأخَذَهُ كلَّهُ فاسْتاقَهُ فلم يَترُكْ منه شيئاً ، اللّهمَّ فإِن كنتُ فعلتُ ذلكَ ابتِغاءَ وَجهِكَ فافرُجْ عنّا ما نحنُ فيه ، فانفَرَجتِ الصخرةُ ، فخرجوا يمشون ) ، ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53) .

فالتوسل إلى الله بدعاء العبادة وبفعل العمل الصالح مراعاة لأسماء الله وصفاته من دلائل التوحيد ومن فقه الموحدين ، ونحن إذا نظر في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا كمال الفقه في الدعاء بأسماء الله وصفاته ، ففي صحيح بن حبان من حديث عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ : اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ بَصَرِي ، وَجِلاَءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحاً ، قَالُوا : يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلمَ هذِهِ الْكَلِمَات ِ؟ قَالَ : أَجَلْ ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلمَهنَّ ) .

وفي صحيح مسلم من حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ : ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلاهَ إِلاَّ أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً ، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ ، لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ، وَإِذَا رَكَعَ قَال َ: اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي ، وَإِذَا رَفَعَ قَالَ : اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ : اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي لِلذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، تَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ : اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، وَمَا أَسْرَفْتُ ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، لاَ إِلاهَ إِلاَّ أَنْتَ .
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ ، فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ ، فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ ، وَلْيُسَمِّ اللّهَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ، وَلْيَقُلْ : سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي ، وَبِكَ أَرْفَعُهُ ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي ، فَاغْفِرْ لَهَا ، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا ، فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ .

وروي البخاري عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللَّه عنهما قال : ( كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا تهجَّد مِنَ الليل قال : اللهم ربنا لك الحمدُ أنتَ قيِّم السماواتِ والأرضِ ولك الحمد ، أنت ربُّ السماواتِ والأرض ومَن فِيهنَّ ولك الحمد ، أنتَ نُورُ السماوات والأرض ومن فيهنَّ ، أنت الحقُّ وقولكَ الحقُّ ، ووعدُك الحقُّ ، ولقاؤكَ الحقُّ ، والجنةُ حق ٌّ، والنار حقٌّ ، والساعةُ حقٌّ ، اللهمَّ لك أسلمتُ ، وبك آمنت ُ، وعليك توكلتُ ، وإليك خاصمتُ ، وبك حاكمتُ فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ ، وأسررتُ وأعلنت وما أنت أعلم به مني لا إله إلا أنتَ ) .

فقول الله عز وجل : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (الأعراف:56) تشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة ، يقول ابن القيم ( فهاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما وهما متلازمان ، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه ، وكل من يملك الضر والنفع ، فإنه هو المعبود حقا ، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه مالا يملك ضرا ولا نفعا ، وذلك كثير في القرآن ، فالمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة ويدعي خوفا ورجاء دعاء العبادة ، فعلم أن النوعين متلازمان فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة ، وعلى هذا فقوله تعالى : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة:186) يتناول نوعي الدعاء وبكل منهما فسرت الآية قيل أعطيه إذا سألني وقيل أثيبه إذا عبدني ) .

إلهي … أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان – أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن – أنت الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب كان في الحسبان – وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان – أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .