طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > عليم خبير قادر قدير مقتدر

ملتقى الخطباء

(6٬002)
93

عليم خبير قادر قدير مقتدر

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” اعتقاد العبد في قدرة الله على جميع الموجودات ، وإيمانه بخلقه وتكوينة لجميع الكائنات ، وينزه الله عز وجل أن يكون في ملكه شيء لا يقدر عليه ، ويثبت التقدير السابق على الخلق ، وأن العباد يعملون على ما وفق ما قدره الحق ، وأن ما جف ..”

 

 

 

 

محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله 🙁 يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلقَ مِنْهَا زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَتَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيبًا ) ( النساء:1) ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( الحشر:18) ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلمُون ) (آل عمران:102)

أما بعد:

 

فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ..

الاسم التاسع عشر من الأسماء الحسنى هو اسم الله العليم : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه ، كقوله : ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (البقرة:137) فمرة يرد الاسم مقترنا باسم الله السميع : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (العنكبوت:60) ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيم ) (فصلت:36) .

وفي مرات أخري يرد الاسم مقترنا باسم الله الحكيم كقوله : ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ) (الزخرف:84) ( قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ) (الذريات:30) ، ومرة يرد الاسم مقترنا باسم الله القدير كقوله : ( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ) (الروم:54) ، ومرة يرد الاسم مقترنا باسم الله العزيز كقوله : ( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ) (الأنعام:96) (وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ) (الزخرف:9) ، ومرة يرد الاسم مقترنا باسم الله الخبير كقوله : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ) (التحريم:3) ، ومرة يرد الاسم مقترنا باسم الله الخلاق كقوله : ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ ) (الحجر:86) ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ ) (يّس:81) ومقترنا باسم الله الفتاح كقوله : ( قُل يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ ) (سبأ:26) .

وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ .

وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِي رضي الله عنه أنه قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ ، ثُمَّ يَقُولُ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، ثَلاَثًا ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، ثَلاَثًا : أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ ، ثُمَّ يَقْرَأُ .

وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أبان بن عُثْمَان بنَ عَفَّانَ عن أبيه أنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاَءٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاَءٍ حَتَّى يُمْسِىَ ، قَالَ راوي الحديث : ( فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الفَالِجُ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَىَّ ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلاَ كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم ، وَلَكِنَّ اليَوْمَ الَّذِي أَصَابَني فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا ) .

واسم الله العليم يدل على ذات الله وصفة العلم بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة العلم وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلو القوة ، والقدرة والعزة ، وكل ما يلزم لقيام صفة العلم وما تؤدي إليه .

وعلم الله عز وجل له مراتب ، منها علمه بالشيء قبل كونه وهو سر الله في خلقة ، ضن به ربنا سبحانه وتعالى ، لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وهو علم مفاتح الغيب وتقدير الأمور ، كما قال تعالى : ( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ ) ( قُل لا يَعْلمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) ، ومن مراتب العلم علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ مشيئته ، فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة ، فالمخلوقات في اللوح عبارة عن كلمات ، وتنفيذ ما في اللوح من معلومات تضمنتها الكلمات ، مرهون بمشيئته في تحديد الأوقات المناسبة لأنواع الابتلاءات التي يحدثها لخلقه ، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حسابات وتقديرات ، يقول تعالى : ( أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ) (الحج:70) ، وقال تعالى : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ ، لكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُل مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (الحديد:23) ، ومن مراتب العلم علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ، وخلقه وتصنيعه ، كما قال تعالى : ( اللهُ يَعْلمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار ٍعَالمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَال ) ( يَعْلمُ مَا يَلجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ ) (سبأ:2) ومن مراتب العلم علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته الكاملة بعد تمامه وفنائه ، فالله عز وجل لما قال : ( وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِالليْل وَيَعْلمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (الأنعام:60) ( قَدْ عَلمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) (قّ:4) ( أَلمْ يَعْلمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ ) (التوبة:78) ، فالله عز وجل عالم بما كان وما هو كائن وما سيكون وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة .

كيف ندعو الله باسمه العليم دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ العَلِيمُ الحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ .
أما دعاء العبادة فهو اعتقاد يدفع إلى الإيمان بأنه مهما بلغ عمله فهو إلى علم الله أحوج ، فيتواضع إلى علمه ويلين إلى خلقه بزيادة التقوى التي هي باب العلم ومفتاحها : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (البقرة:282) ، ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيمٌ ) (يوسف:76) كما أنه يسعد بتعليم الناس ابتغاء وجه الله الذي منحه وأعطاه من علمه ، ورد في سنن الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ أنه قَالَ : ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ .

الاسم العشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الخبير : فقد سمي الله نفسه به في كتابه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، وقد ورد المعني في النصوص محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه ، فمن القرآن قوله تعالى : ( وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ) (الأنعام:18) ، وأغلب المواضع التي ورد فيها يرد مقترنا باسم الله الحكيم ، كقوله : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ) (الأنعام:73) ويقول : ( الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ) (سبأ:1) وورد مقترنا باسم الله اللطيف كقوله : ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) (الأنعام:103) ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) (الملك:14) وورد مقترنا باسم الله العليم كقوله : ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ) (التحريم:3) .
وفي صحيح مسلم من حديث قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ .

الخبير هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، ولا تتحرك حركة إلا وهو يعلم مستقرها ومستودعها فهو العالم بدقائق الأشياء وحقائقها ، أو الخبير العالم بالأشياء عن طريق الخبر والسماع ، فالله خبير يعلم الأشياء قبل الإخبار عنها وبعد الإخبار عنها ، فله جنود السماوات والأرض يخبرونه بالوقائع على سبيل تحقيق الحكمة في الخلق ، فعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ) ، وهو خبير أيضا من حيث علمه الكامل بأحوال المخلوقات وحقائقها ودقائقها ، وفي ذلك ترغيب وترهيب للمكلفين فمن علم أن الله خبير بأحواله كان محترزا في أقواله وأفعاله واثقا أن ما قسم له سوف يدركه ، فيرى جميع أنواع التدبير واقعة بإذن الله من الله فتهون عليه الأمور ويركن إلي اللطيف الخبير .

واسم الله الخبير يدل على ذات الله وصفة العلم المطلق بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة العلم المطلق بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلو القوة ، والقدرة والعزة ، وكل ما يلزم لقيام صفة العلم والخبرة وما تؤدي إليه .

كيف ندعو الله باسمه الخبير دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ ، دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه يتقرب إلى ربه بذكره كأن يقول المسلم في دعائه : اللهم إني أسألك بأنك أنت اللطيف الخبير أن تعافيني مما أنا فيه ، أما دعاء العبادة فيظهر من خلال اعتماد العبد على ربه في كل صغيرة وكبيرة من أمره ، فيجعل حول وقوته بربه ، وعند البخاري من حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِى صلى الله عليه وسلم قَالَ له : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وجهي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أمري إِلَيْكَ ، وَأَلجَأْتُ ظهري إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لاَ مَلجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنْزَلتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الذي أَرْسَلتَ ، فَإِنْ متَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ ، وَاجْعَلهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ ) .

الاسم الحادي والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله القادر : فقد سمي الله نفسه به في القرآن وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه ، فمن القرآن قوله تعالى : ( قُل هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) (الأنعام:65) ( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُل إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (الأنعام:37) ( وَأَنْزَلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) (المؤمنون:18) ( وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ) (المؤمنون:95) ( فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ ) (المرسلات:23) ( فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (المعارج:40) ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الخَلاقُ العَلِيمُ ) (يّس:81) ( إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ) (الطارق:8) .

وفي صحيح البخاري من حديث جَابِر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ( قُل هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، قَالَ : ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) ، قَالَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، ( أَوْ يَلبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : هَذَا أَهْوَنُ ، أَوْ هَذَا أَيْسَرُ .

واسم الله القادر يدل على ذات الله وصفة التقدير المطلق بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة التقدير المطلق وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلم الأحدية ، والعدل والقدرة والعظمة والحكمة وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بالتقدير المطلق .

والقادر هو الذي يرتب المقادير من كونها معلومة في علم التقدير وحساب المقادير ، حيث تقدير كل شيء قبل تصنيعة وتكوينه ، وينظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده ، ثم يكتب في اللوح هذه المعلومات ، ويدونها بالقلم في كلمات ، وكل مخلوق مهما عظم شأنه أو دق حجمه ، كتب الله ما يخصه في اللوح المحفوظ ، كتب تفصيل خلقه وإيجاده ، وما يلزم لنشأته وإعداده وإمداده ، وجميع ما يتعلق بتكوينه وترتيب حياته ، ثم يشاء بحكمته أن يكون الأمر على تقديره وقدرته ، ولذلك فإن القدر عند السلف مبنى على أمرين اثنين : التقدير والقدرة ، فبدايته في التقدير ، وهو العلم السابق علم التقدير وحساب المقادير ، تقدير كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه ، وتنظيم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده ، فهذا العلم هو التقدير الجامع التام ، وهو حساب النظام العام ، الذي يسير عليه الكون بمنتهى الإتقان من بدايته إلى نهايته وفي صحيح مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أن رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال : ( كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ ، وَعَرْشُهُ عَلى المَاءِ ) وفي رواية الترمذي ( قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ ) ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (الحجر:21) ( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) (الأحزاب:38) ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) (الطلاق:3) .

كيف ندعو الله باسمه القادر دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دع اء المسألة أن يذكر الاسم أو الصفة التي دل عليها في دعائه ، كما ورد عند البخاري من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ : إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَليَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارِكْ لي فِيهِ ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لي في ديني وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ في عَاجِلِ أمري وَآجِلِهِ ، فَاصْرِفْهُ عَنِّى وَاصْرِفْنِي عَنْهُ ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي ، وَيُسَمِّى حَاجَتَهُ ) .

أما دعاء العبادة فيظهر من خلال عمل العبد بشرع الله وإيمانه بتقدير الله ، يعلم أن تقسيم المقادير بيديه وأن المبتدا منه والمنتهى إليه ، وكل ميسر لما سيصير إليه ، وفي سنن روى الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: (كُنْتُ خَلفَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَوْمًا فَقَال يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلمُكَ كَلمَاتٍ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَاعْلمْ أَنَّ الأُمَّةَ لوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لكَ وَلوِ اجْتَمَعُوا عَلى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَليْكَ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) .

الاسم الثاني والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله القدير : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في القرآن والسنة ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه ، فمن القرآن : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العَلِيمُ القَدِيرُ ) (الروم:54) وقال أيضا : ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤْتِي المُلكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:26) ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلماً ) (الطلاق:12) .

وفي صحيح البخارى من حديث مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ المُلكُ ، وَلَهُ الحَمْدُ ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلاَ مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ ، وفي صحيح البخارى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ المُلكُ ، وَلَهُ الحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ . فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِىَ ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ ، إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .

واسم الله القدير يدل على ذات الله وصفة القدرة المطلقة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفة القدرة المطلقة وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والغني الأحدية ، والعلم
السمع والقوة والعظمة والحكمة وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بالقدرة .

والقدير مبالغة للموصوف بالقدرة ، فبداية القدر كما علمنا في التقدير ونهايته في القدرة وتحقيق المقدر ، قدرة الله تعالى على تحقيق ما قدره بعلمه ، وكتبه ، وما شاء خلقه وتكوينه ، فلا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بتقديره وبعد كتابته ومشيئته وقدرته ، فبداية القدر العلم والتقدير ، والنهاية في القدرة وتنفيذ المقدر ، ولذلك يقول : ( وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب:38) .

ويذكر العلامة ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين أن القضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته ، ولهذا قال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من الإمام أحمد غاية الاستحسان ، ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين ، فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته ، وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة ، وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العبادة مقدورة لله تعالى ، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها ، فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وأنكرت الأخرى كمال علمه .

كيف ندعو الله باسمه القدير دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة أن يذكر الاسم أو الصفة التي دل عليها في دعائه ، كما ورد عند الإمام البخاري من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه في الاستخارة : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ ) . وفي سنن أبي داود وصححه الشيخ الألباني من أَبِى عَيَّاشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِىَ وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ ) ، أما دعاء العبادة فشأنه كما ورد في اسم الله القادر .

الاسم الثالث والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله المقتدر : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في القرآن ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه ، فمن القرآن : ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) (الكهف:45) ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) (الزخرف:42) ( وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ) (القمر:42) ( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (القمر:55) .

والمقتدر اسم فاعل من اقتدر ، والأصل قدَّر يقدر ، وقدَر يقدر قدرة ، والقدرة على الشيء هو تسليط القوة والتمكن من الفعل ، وتقدير الله وقدرته من أوصاف ذاته ، ومن لوازم كماله وقوته ، ومن ثم فإن كل شيء يجري بتقديره ومشيئته ، وخلقه وقدرته .

واسم الله المقتدر يدل على ذات الله وصفة التقدير والقدرة معا بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفة التقدير والقدرة بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والغني الأحدية ، والعلم السمع والقوة والحكمة والعدل والهيمنة والعظمة والكبرياء والعزة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بالتقدير والقدرة .

كيف ندعو الله باسمه المقتدر دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة أن يذكر الاسم أو الصفة التي دل عليها في دعائه ، كما في القادر والقدير ، وأما دعاء العبادة فاعتقاد وعمل اعتقاد العبد في قدرة الله على جميع الموجودات ، وإيمانه بخلقه وتكوينة لجميع الكائنات ، وينزه الله عز وجل أن يكون في ملكه شيء لا يقدر عليه ، ويثبت التقدير السابق على الخلق ، وأن العباد يعملون على ما وفق ما قدره الحق ، وأن ما جف به القلم في اللوح عند الله واقع محتوم وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله ، ولا يفعلون إلا من بعد علمه وكتابته ، ومشيئته وقدرته ، وأن هذا عام في كل ما خلق وما يخلق وما سيخلق ، وأن الله عز وجل خلق الدنيا بأسباب تؤدي إلى نتائج ، وعلل تؤدي إلى معلولات ، وأن السبب والنتيجة ، أو العلة والمعلول مخلوقان بمراتب القدر بين التقدير والقدرة ، سواء ارتبط المعلول بعلته أو انفصل عن علته ، فالعلل والأسباب سواء ترابطت أو انفصلت لا يؤثر ذلك في تعلقها بمراتب القدرة ، ولكن العلل والأسباب ترابطها أو انفصالها ظاهر عن كمال الحكمة في ابتلاء العباد ، فأهل اليقين ينظرون إلى الأسباب ويعلمون أن الله خلقها بمراتب القدر ، فيجدون أن الله عز وجل تارة ينسب الفعل إليه لأنه الخالق بتقدير وقدرة ، وتارة ينسب الفعل إليهم عند دعوتهم إلي العمل بمقتضى الشريعة والعقل والحكمة ، فلا يتغافل العبد عن قدرته بدعوى الانشغال في النظر إلى حكمته ، فالله عز وجل يخلق بأسباب وبغير أسباب إن خلق بأسباب فهي العادات ، وإن خلق بغير أسباب فهي خوارق العادات أو الكرامات والمعجزات ، وهذا مقتضي التوحيد في اسم الله القادر والقدير والمقتدر .
( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (الأحزاب:56) سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .