طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > سميع بصير أول آخر ظاهر باطن

ملتقى الخطباء

(3٬502)
92

سميع بصير أول آخر ظاهر باطن

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” والبصير هو الذي يبصر خائنة الأعين وما تخفى الصدور، الذي يرى الأشياء كلها ظهرت أو خفيت، دقت أو عظمت، هو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، واسم الله البصير يدل على ذات الله وصفة الإبصار والرؤية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الإبصار وحدها بدلالة التضمن، ويدل “

 

 

 

 

الشيخ: محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق ووعدك حق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

تحدثا في المحاضرات الماضية عن أسماء الله الحسنى التي تدل على أوصاف الذات، وهي الصفات القائمة بذات الله والتي لا تتعلق بمشيئته، فالله عز وجل هو الرب وهو الإله وهو الواحد الأحد وهو السيد الصمد وهو الحي القيوم وهو المالك الملك المليك وهو الحق المبين، وهو العلى الأعلى المتعال وهو العظيم المجيد، وهو العليم الخبير وهو القادر القدير المقتدر، هذه الأسماء وردت في كتاب الله وكذلك في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كأعلام وأوصاف، سمي الله نفسه بها وسماه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، واليوم نواصل الحديث حول بعض الأسماء الأخرى التي تدل على أوصاف ذاته الله سبحانه وتعالى، فحديثنا اليوم عن اسم الله السميع واسمه البصير واسمه الأول واسمه الآخر واسمه الظاهر واسمه الباطن .

الاسم الرابع والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله السميع : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في كثير من النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه، فمن القرآن قوله تعالى : ( قُل أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَمْلِكُ لكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (المائدة:76) وغالبا ما يقترن السميع بالعليم ( وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العِزَّةَ لِلهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (يونس:65)، وقال تعالى : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّل لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم ُ) (الأنعام:115)، ويقترن اسمه السميع أيضا باسمه البصير كقوله تعالى : ( ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى:11) .

وفي السنة ما رواه البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : ( كنّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فكنا إذا عَلونا كبَّرنا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : أيها الناس أربَعوا على أنفُسِكم، فإنكم لا تَدْعونَ أصمَّ ولا غائبا ً، ولكنْ تدعون سميعاً بصيراً، ثمَّ أتى عليَّ وأنا أقولُ في نفسي : لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال : يا عبدَ الله بن قيْس، قل لا حول ولا قوةَ إلا بالله، فإنها كنزٌ مِنْ كنوز الجنة، أو قال : ألا أدلك على كلمةٍ هي كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلاّ بالله ) .وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِي رضي الله عنه أن النبي كان يستفتح في صلاته قبل القراءة بقوله : ( أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ )، وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أبان بن عُثْمَان بنَ عَفَّانَ عن أبيه أنه قال : سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ قَال بِسْمِ اللهِ الذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاَءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ لمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلاَءٍ حَتَّى يُمْسِىَ .

واسم الله السميع يدل على ذات الله وعلى صفة السمع بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة السمع وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم والقوة، والعزة والعظمة، وكل ما يلزم لقيام صفة السمع وما يترتب عليها، واسم الله السميع دل على صفة من صفات الذات ثابتة لله عز وجل نؤمن بها ولا ندري كيفيتها لأننا ما رأيناه وما رأينا له مثيلا، وليس إثبات الصفة الله تشبيها كما يظن البعض، أو كما حاول أن ينفيها لأن إثباتها عنده تشبيه وتجسيم، كما حدث من المعتزلة حين أشار أحمد بن أبي دؤاد على الخليفة المأمون أن يكتب على ستر الكعبة ( ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم )، بدلا من قول الله تعالى : ( ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )، فحرف كلام الله لينفي وصفه تعالى بأنه السميع البصير، حيث اعتقد أن السمع في حق الله تشبيه ولا بد أن يكون بأذن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فالله يسمع بالكيفية التي تناسب عظمته وهو الذي يعلم كيف هو ؟ .

كيف ندعو الله باسمه السميع دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (البقرة:127) وعند البخاري من حديث ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام قَال يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَال فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَال وَتُعِينُنِي قَال وَأُعِينُكَ، قَال فَإِنَّ اللهَ أمرني أَنْ أَبْنِىَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلى مَا حَوْلهَا، قَال فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَل إِسْمَاعِيلُ يَأْتِى بِالحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِى، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لهُ، فَقَامَ عَليْهِ وَهْوَ يَبْنِى، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ : ( رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ )، قَال فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْل البَيْتِ، وَهُمَا يَقُولاَنِ ( رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ )، ومثال دعاء المسألة دعاء زوجة عمران : ( إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّل مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) (آل عمران:35)، وكذلك دعاء زكريا عليه السلام : ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (آل عمران:38) .

أما دعاء العبادة باسم الله السميع فهو اعتقاد يدفع المسلم إلى مراقبة ربه الله في كل صغيرة وكبيرة من حياته، ويعلم أن الله يسمعه، وهو عليم بسره ونجواه، فيتقيه العبد ويخشاه، ولا يخاف من أحد سواه : ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلى وَرُسُلُنَا لدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) (الزخرف:80)، وفي الحديث الذي تقدم عند البخاري من حديث أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضى الله عنه، نذكره هنا برواية أخري : ( قَال كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلى وَادٍ هَللنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَال النبي صلى الله عليه وسلم : يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالى جَدُّهُ ) .

الاسم الخامس والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله البصير : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في كثير من النصوص النبوية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع وجود علامات الاسمية فيه، فمن القرآن قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى المَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الإسراء:1) ( وَاللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ وَالذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (غافر:20) ( إِنَّ الذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (غافر:56) ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَل لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى:11)، وعند البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال : ( كنّا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فكنا إذا عَلونا كبَّرنا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : أيها الناس اربَعوا على أنفُسِكم، فإنكم لا تَدْعونَ أصمَّ ولا غائبا ً، ولكنْ تدعون سميعاً بصيراً ) .

والبصير هو الذي يبصر خائنة الأعين وما تخفى الصدور، الذي يرى الأشياء كلها ظهرت أو خفيت، دقت أو عظمت، هو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، واسم الله البصير يدل على ذات الله وصفة الإبصار والرؤية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الإبصار وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعلم والهيمنة، والإحاطة والقوة، والعظمة والعزة، وكل ما يلزم لقيام صفة الإبصار ودوامها وما يترتب عليها .

واسم الله البصير دل على صفة من صفات الذات، صفة الإبصار وهي صفة ثابتة لله عز وجل نؤمن بها ولا ندري كيفيتها لأننا ما رأيناه وما رأينا له مثيلا، والله بصير بعين دل على ذلك ما رواه البخاري من حديث عَبْد اللهِ بن مسعود قال : ذَكَرَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَىِ النَّاسِ المَسِيحَ الدَّجَّال، فَقَال : ( إِنَّ اللهَ ليْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّال أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ )، وليس إثبات الصفات الله تشبيها كما يظن البعض، قَال الإمام الترمذي : هَكَذَا رُوِىَ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا في هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَمِرُّوهَا بِلاَ كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيهٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَل في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ فَتَأَوَّلتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلمِ وَقَالُوا إِنَّ اللهَ لمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِه، وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَا هُنَا القُوَّة، وَقَال إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَال يَدٌ كَيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَال سَمْعٌ كَسَمْعٍ أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ فَهَذَا التَّشْبِيهُ وَأَمَّا إِذَا قَال كَمَا قَال اللهُ تَعَالى يَدٌ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلاَ يَقُولُ كَيْفَ وَلاَ يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ وَلاَ كَسَمْعٍ فَهَذَا لاَ يَكُونُ تَشْبِيهًا وَهُوَ كَمَا قَال اللهُ تَعَالى في كِتَابِهِ ( ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) .

كيف ندعو الله باسمه البصير دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في قول إبراهيم يطلب من ربه في دعائه أن يبصره بمناسك الحج إلى البيت الحرام : ( رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلِمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:128)، وكذلك طلب الحق من سيد الخلق أن يتوكل على الله الذي يراه : ( وَتَوَكَّل عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ الذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) .

أما دعاء العبادة فهو عمل الموحدين في مرتبة الإحسان التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في حديث عُمَر بْن الخَطَّابِ حيث قَال له جبريل : ( فأخبرني عَنِ الإِحْسَان ؟ قَال أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ )، فوجب على العبد أن يراقب ربه في طاعته وعبادته، ويعلم أنه معه من فوق عرشه، بصير بأمره عليم بشأنه، ( أَلمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة:7)، ( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْل التِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة:1)، فإذا علم العبد أن الله يراه احترز في عمله من معصية الله ومن كل ما يغضبه ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (التوبة:105)، وكما قال العبد الصالح مؤمن آل فرعون : ( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا ليْسَ لِي بِهِ عِلمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلى العَزِيزِ الغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِليْهِ ليْسَ لهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلى اللهِ وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ ) (غافر:44)، كما أن دعاء الله باسمه البصير دعاء عبادة يوجب علينا أن ننظر ونتفكر، ونعتبر ونتذكر، ننظر في خلق الله : ( أَفَلا يَنظُرُونَ إِلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ) (الغاشية:20)، وكما أمرنا أن ننظر في خلق الله أمرنا أن نعتبر بفعل الله فيما مضى من الأمم الغابرة، فقال تعالى : ( قُل سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ) (الأنعام:11)، ( قَدْ خَلتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ) (آل عمران:137) .

الاسم السادس والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الأول : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى في سورة الحديد : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قال لفَاطِمَة لما جاءت إليه تَسْأَلُهُ خَادِمًا لها، فَقَال لهَا قولي : ( اللهُمَّ رَبَّ السَّماَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى وَمُنْزِل التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالفُرْقَانِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شيء أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ )، ورواه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الشيخ الألباني .

والأول دل على وصف الأولية، والأولية في اللغة أخص من الوحدانية لأنها مقيدة بوحدانية مقدمة من حيث الزمان، فهي بمعنى القَبلية خلاف البعدية أو التقدم خلاف التأخر، وهذه أولية زمانية، وهناك أولية عامة تتعلق بالمكان والمكانة من حيث تقدم الشيء على أفراد نوعه وجنسه بفضيلة ما، وأولية الله تقدمه على كل من سواه في الزمان، ومن الأولية أيضا تقدمه سبحانه على غيره في كل صفة كمال، وهذا معنى الكمال في الذات والصفات في مقابل العجز والقصور لغيره فلا يدانيه ولا يساويه أحد من خلقه، فهو تعالى منفرد بما استأثر به وهو الأول فيما اشترك فيه من الصفات المجردة عن الإضافة أي أنه الأعظم الأكبر .

واسم الله الأول يدل على ذات الله وصفة الأولية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة الأولية وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغني والعلم والقدرة، والقوة والعزة والعظمة، وكل ما يلزم لكونه الأول الذي ليس قبله شيء .

وينبغي أن نعلم أن الأولية وصف لله وليس لأحد سواه، وربما يستشكل البعض وصف الله بالأولية مع وصفه بدوام الخالقية والقدرة والفاعلية، فإذا كان الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، فهل يعني ذلك أنه كان معطلا عن الفعل ثم أصبح خالقا فاعلا قادرا بعد أن لم يكن ؟ والجواب عن ذلك أن يقال إن الله موصوف بأنه فعال لما يريد كما قال ( ذُو العَرْشِ المَجِيد ُفَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) (البروج:16) وقد بين الله عز وجل أنه قبل وجود السماوات والأرض لم يكن سوى العرش والماء، كما جاء في قوله تعالى : ( وَهُوَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ) (هود:7)، ومن حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قَال : ( كَانَ اللهُ وَلمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ، ثُمَّ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ )، وربما يسأل سائل ويقول : وماذا قبل العرش والماء ؟ والجواب : أن الله قد شاء أن يوقف علمنا عن بداية المخلوقات عند العرش والماء، فقال تعالى : ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ?) فالله أعلم هل توجد مخلوقات قبل العرش والماء أم لا ؟ لكننا نعتقد أن وجودها أمر ممكن متعلق بمشيئة الله وقدرته، فالله أخبرنا أنه يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء وهو على ما يشاء قدير : ( فَعَّالٌ لمَا يُرِيدُ )، فالله عز وجل متصف بصفات الأفعال، ومن لوازم الكمال أنه فعال لما يريد على الدوام، أزلا وأبدا، سواء كان ذلك قبل العرش والماء، أو بعد وجودهما، لكن الله أوقف علمنا عند هذا الحد، كما أن جهلنا بذلك لا يؤثر فيما يخصنا، أو يتعلق بحياتنا من معلومات ضرورية، لتحقيق الكمال في حياة الإنسان، قال سليمان التيمي رحمه الله : ( لو سئلت أين الله ؟ لقلت : في السماء، فإن قال السائل : فأين كان عرشه قبل السماء ؟ لقلت : على الماء، فإن قال : فأين كان عرشه قبل الماء ؟ لقلت : لا أعلم )، ويعقب الإمام البخاري رحمه الله بقوله : " وذلك لقول الله تعالى : ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ? )، يعني إلا بما بين "، وهذه المسألة تسمي في باب العقيدة بالتسلسل، والتسلسل هو ترتيب وجود المخلوقات في متوالية مستمرة غير متناهية من الأزل والأبد ومعتقد السلف الصالح أن التسلسل في الأزل جائز ممكن، ولا يلزم من ذلك أن الخلق يشاركون الله في الأولية، والشيطان يأتي يلبس على الإنسان في هذه القضية ليجعل الله مشابها لخلقه في الأحكام العقلية، والله وحد نفسه بنفي الشبيه المثلية، وثبت عند البخاري ومسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال : ( يَأْتِى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلقَ كَذَا مَنْ خَلقَ كَذَا حَتَّى يَقُول مَنْ خَلقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلغَهُ فَليَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَليَنْتَهِ ) وروى أبو داود وحسن إسناده الألباني أن أَبا زُمَيْلٍ قَال سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلتُ مَا شيء أَجِدُهُ في صدري ؟ قَال : مَا هُوَ ؟ قُلتُ وَاللهِ مَا أَتَكَلمُ بِه، قَال فَقَال لي أشيء مِنْ شَكٍّ ؟ قَال وَضَحِكَ، قَال مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، قَال : حَتَّى أَنْزَل اللهُ عَزَّ وَجَل : ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلنَا إِليْكَ فَاسْأَلِ الذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (يونس:94) قَال : فَقَال لي إِذَا وَجَدْتَ في نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُل : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ ) .

كيف ندعو الله باسمه الأول دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في الحديث : ( اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ )، أما دعاء العبادة فهو عمل مبني على اعتقاد المرء بأن أصله من طين، له بداية ونهاية في الدنيا وسينتقل إلى أرحم الراحمين : ( إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ وَالذِينَ كَفَرُوا لهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ) (يونس:4) ( قُل هَل مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) (يونس:34) ( وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) .

الاسم السابع والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الآخر : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم : ( وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء ) .

واسم الله الآخر يدل على ذات الله وصفة البقاء بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة البقاء وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغني والعلم والقدرة، والقوة والعزة والعظمة، والملك والعلو وكل ما يلزم لكونه الآخر الذي ليس بعده شيء .

وينبغي أن نعلم أن الآخرية والبقاء وصف الله عز وجل، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وبقاء أهل الجنة والنار خالدين فيها أبدا لا يتعارض مع إفراد الله عز وجل بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شي، فالسلف الصالح فرقوا بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، فرقوا بين بقاء الذات الإلهية بصفاتها، وبقاء المخلوقات التي أوجدتها تلك الصفات، فالجنة مثلا باقية بإبقائه، وصفاته باقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقائه، وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله عز وجل وكائنة بأمره ورهن مشيئة وحكمه، فمشيئة الله حاكمة علي ما يبقى وما لا يبقى، والله قد شاء أن يبقيها، فوجود المخلوقات في الأبد والمستقبل متوال غير منقطع أبد الآبدين، لكنه مرهون بمشيئة رب العالمين، فكلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نقاد له، ( وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) (الطور :22) ( لهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلدَيْنَا مَزِيدٌ ) (قّ:35)، فتحقيق المراد لأهل الجنة علقه الله بمشيئتهم إكراما لهم وإظهار لمحبتهم، بعكس الوضع في الدنيا فتحقيق المراد لأهل الدنيا علقه الله بمشيئته لا بمشيئتهم، ابتلاء لهم وإظهار لإيمانهم، ولذلك يقول : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلةَ عَجَّلنَا لهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلنَا لهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوما مَدْحُورا) (الإسراء :18) .

ومن ثم فإن السلف يعتبرون خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية، إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا كمخلوقات خلقها الله الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تعالى، وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله عز وجل ومنها وجهه ويده وعينه وعلوه، ورحمته وعزته وقوته وملكه، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، باقية ببقاء ذاته سبحانه وتعالى، حيث البقاء صفة ذاتية له، كما أن الأزلية صفة ذاتية لله تعالى، فلا بد أن نفرق بين صفات الله وأبديتها، وبين مخلوقات الله الأبدية وطبيعتها، والقرآن الكريم فرق بين نوعين من البقاء، الأول : في قوله تعالى : (كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال وَالإِكْرَامِ ) فدلت على صفة من صفات الذات وهى صفة الوجه ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه، إذ أن الله هو الأول والآخر وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء، وكما جاء في الحديث : (اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ)، أما النوع الثاني من البقاء ففي قوله تعالى : ( وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى للذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى :36) ( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (الأعلى :17) فبقاء المخلوقات في الآخرة لا لذاته ولكن بعطاء من الله، لإكرام أهل طاعته وإنفاذ عدله في أهل معصيته، ولذلك يقول سبحانه : ( إِنَّ للمُتَّقِينَ مَفَازا حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغْواً وَلا كِذَّاباً جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً ) (النبأ :31)، كيف ندعو الله باسمه الأخر دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء مسألة كما في الحديث : ( اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ ) أما دعاء العبادة فطلب الجنة والبقاء فيها في الرفيق الأعلى، يعبد الله طمعا في جنته وخوفا من ناره

الاسم الثامن والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الظاهر : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء ).

واسم الله الظاهر يدل على ذات الله وصفة العلو بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة العلو المطلق وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والغني والعلم والقدرة، والقوة والعزة والعظمة، وكل ما يلزم لكونه الآخر الذي ليس بعده شيء .

ومعنى الظاهر أي الذي ظهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وشواهده الدالة على صحة وحدانيته وكذلك الظاهر فوق كل شيء بذاته وشأنه وقهره وقدرته، وقد يكون الظهور بمعنى العلو ويكون بمعنى الغلبة، والواجب الإيمان بصفة الظهور الذاتي ورؤيته في الآخرة وتَجَلِّيه للجبل وظهور آيات العظيمة في المخلوقات وكذا آيات تنزيله المحكمة من كتب وصحف وألواح .

كيف ندعو الله باسمه الظاهر دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء مسألة كما في الحديث : ( اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ ) أما دعاء العبادة فيحسن العبد فيه التوكل على ربه وذلك أنه إذا نظر إلي قدرة اللّه في الأشياء، وأنه منفرد بالخلق والتدبير، وقائم بالملك والتقدير، نظر أيضا إلي وجوه الحكمة في إظهار الأسباب وتصريفها، وابتلاء العباد بتقليبها، والأخذ بها على وجه الضرورة واللزوم، وإيقاع الأحكام على المحكوم، فمن وافق الشرائع والسنن استحق من الله الثواب، ومن خالف وابتدع استحق من الله العقاب، ليصل الكل في النهاية إلى ما دون في أم الكتاب، هكذا كان ابتلاء العباد من خلال إيمانهم بتوحيد الربوبية من جهة وتوحيد العبودية من جهة أخرى : ( فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ بَل هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلمُونَ ) (الزمر:49) فتنة لأنه نظر إلى الأسباب الظاهرة في تقلبها وتغافل عن مصرفها ومقلبها، الذي أظهرها باسمه الظاهر تحقيقا للحكمة في اسمه الحكيم، الحكمة التي أراد الله عز وجل أن يخلقهم من أجلها، وإظهارا للقدرة التي كلفهم بتوحيد الربوبية من خلالها، فالمتوكل على الله قائم بأحكام الشريعة ملتزم بتوحيد العبودية، يعمل بشرع الله ويؤمن بقدر الله، وإنما أظهر اللّه تعالى الأسباب لأن الأسماء تتعلق بها وأحكام الشرع عائدة عليها بالثواب والعقاب .

الاسم التاسع والعشرون من الأسماء الحسنى هو اسم الله الباطن : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في نص واحد من النصوص القرآنية، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في نص واحد من النصوص النبوية، قال تعالى : ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ٌ) (الحديد:3) وفي صحيح مسلم، قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء ) .

واسم الله الباطن يدل على ذات الله وصفة القرب والإحاطة واحتجاب الحق عن الخلق بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى صفة القرب واحتجاب الحق وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية، والعظمة والقدسية، وكل ما يلزم لكونه محيط بكل شيء .

والباطن هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يدركه الخلق بتصور الكيفية لعجزهم لا لعدم وجودها، فمعنى الباطن أي الذي احتجب عن أبصار الناظرين مع تجليه لبصائر المؤمنين، والباطن يكون أيضا بمعنى العالم لما ظهر من الأمور في عالم الشهادة والمطلع على ما بطن من الأمور في عالم الغيب، والله عز وجل احتجب لعظمته وعزته وكمال حكمته، فعند البخاري ومسلم من حديث أَبِى مُوسَى أنه قَال قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَال : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِليْهِ عَمَلُ الليْلِ قَبْل عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْل عَمَلِ الليْلِ حِجَابُهُ النُّورُ، وَفِى رِوَايَةِ، لوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِليْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلقِهِ )، والله عز وجل باطن قريب أقرب إلينا من حبل الوريد ( وَلقَدْ خَلقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) (قّ:16) .

كيف ندعو الله باسمه الباطن دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء مسألة كما في الحديث : ( اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شيء وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شيء وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَليْسَ فَوْقَكَ شيء وَأَنْتَ البَاطِنُ فَليْسَ دُونَكَ شيء اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الفَقْرِ )، أما دعاء العبادة فالإقرار العبد أن اللّه هو المقدر المدبر، وأن الأسباب التي أظهرها الله بحكمته هي كالآلة بيد صانعها، واللّه من ورائهم محيط هو القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، قال اللّه تعالى : ( أَفرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخَالقُونَ ) (الواقعة:5859، وكذلك قال تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أأَنْتُمْ تَزْرَعُوَنهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ )، فنسب الزراعة لنفسه مرة لأنه الباطن الذي استتر عن خلقه بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ونسبها إلينا فقال : ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) (يوسف:47) فنسب الزراعة إلينا لأنه الظاهر الذي أظهر الأسباب في خلقه، لتكليفنا بالعمل، وأحكام العمل والاجتهاد عائدة علينا، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ قَال: (أَصْدَقُ بَيْتٍ قَالهُ الشَّاعِرُ أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ ) فنفي ما سوى اللّه على اعتبار أنه المتوحد في القدرة الباطن في حجاب، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الحياة التي ابتلانا الله بها هي أسباب حق تؤدي إلي نتائج صدق، ثم لم يمنعه ذلك أن قال أصدق بيت قاله الشاعر: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ، إيثاراً منه للتوحيد وتوحيدا للمتوحد، نلتقي معلم في محاضرة جديدة لشرح ما تيسر من أسماء الله الحسنى، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .