طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > حصر الأسماء الحسني

ملتقى الخطباء

(3٬451)
91

حصر الأسماء الحسني

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” ..تدعو الله بالأسماء دعاء مسألة , بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك ، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك ، تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا لحالك ، كأن تقول في حال ذنبك يا غفور اغفر لي ويا رحيم ارحمني وفي حال فقرك يا رزاق ارزقني ويا غني اغننى بفضلك عمن سواك ، وفي حال ضعفك يا قوى قوني .. وأن تدعوه دعاء عبادة وهو أن تتعبد الله تعالى..”

 

 

 


الشيخ محمود الرضواني

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلقَ مِنْهَا زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَتَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيبًا ) .

حديثنا اليوم يتناول موضوعا من أهم الموضوعات في حصر الأسماء الحسنى وكيفية جمعها من القرآن والسنة ، لأن هذا الموضوع الناس فيه بين طرفين ووسط .

فريق تساهل وتوسع في عد الأسماء الحسنى حتى سمي الله بما لم يسم به نفسه ، وفريق ضيق على نفسه وجعل الأسماء فارغة عن الأوصاف كالمعتزلة ، بل هناك من لم يثبت لله اسما ولا صفة .

مع أن المتفق عليه بين السلف أن أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها ، ويجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص ، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه سبحانه وتعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسئولا ) (الإسراء:36) فتسمية الله بما لم يسم به نفسه قول عليه بلا علم فيكون محرما.

وقوله : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (الأعراف:33) ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه أو إنكار ما سمي به نفسه جناية في حقه تعالى ، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص .

فأسماء الله توقيفية وليست اصطلاحية ، يجوز أن يقال : يا عليم ولا يجوز أن يقال : يا عاقل ، ويجوز أن يقال : يا حكيم ولا يجوز أن يقال يا مهندس ، وقد جاء في الأسماء الرحيم ولا يقاس عليه الرقيق ، والحليم والصبور لا يجوز أن يقاس عليها الوقور والرزين ، وفي أسمائه العليم ومن صفته العلم ، فلا يجوز قياسه أن يسمى عارفا .

وأهل العلم متفقون على إطلاق الأسماء والصفات على الله بإذن شرعي ودليل نصي ، فأسماء الله توقيفية وهذا هو مذهب أهل السنة كما سبق ، وقد ثبت في السنة من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أن رَسُولَ اللّهِ قال : ( لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك ) ، والتسمية من الثناء فدل على أن العقل لا مجال له في باب الأسماء إلا التصديق والوقوف عند النصوص ، ومن الأدلة أيضا أنه لا يجوز تسمية النبي صلى الله وسلم بما ليس من أسمائه فالخالق أولى .

وتقول المعتزلة إن أسماء الله ليست توقيفية أي يجوز أن يسمى الله بكل اسم إذا كان متصفا بمعناه ولم يوهم نقصا وإن لم يرد دليل من الكتاب والسنة ، وقد جرت مناظرة بين أبي الحسن الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي في دخل رجل على الجبائي ، فقال له : هل يجوز أن يسمى الله تعالي عاقلا ، فقال الجبائي : لا لأن العقل مشتق من العقال ، وهو المانع ، والمنع في حق الله محال ، فامتنع الإطلاق ، فقال أبو الحسن الأشعري : فقلت له : فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : فنحكم بالقوافي من هجانا : ونضربُ حين تختلط الدماء ، وقول الآخر : أبني حنفية حكموا سفهاءكم ، إني أخاف عليكمو أن أغضبا ، أي نمنع بالقوافي من هجانا ، وامنعوا سفهاءكم .

فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع ، والمنع على الله محال ، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم على الله سبحانه وتعالى ، قال : فلم يجب الجبائي إلا أنه قال لي : فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما ؟ قال : فقلت له : لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته .

قال ابن حزم : ( ولا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا أن يخبر عنه إلا بما سمى به نفسه أو أخبر به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أو صح به إجماع جميع أهل الإسلام المتيقن ولا مزيد ، وحتى وإن كان المعنى صحيحا فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى اللفظ ، وقد علمنا يقينا أن الله عز وجل بنى السماء قال تعالى : (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذريات:47) ولا يجوز أن يسمى بناء وأنه تعالى خلق أصباغ النبات والحيوان وأنه تعالى قال : (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة:138) ولا يجوز أن يسمى صباغا وهكذا كل شيء لم يسم به نفسه ) .

وقد ذكر ه ابن القيم في ملخص ذلك أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي وما يطلق عليه من الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا كالشيء الموجود والقائم بنفسه ، فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية أو يجوز أن يطلق عليه بعض ما لم يرد به السمع .

وينبغي أن يعلم أيضا أن أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين ، لأنه ثبت من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ ، إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْن ٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ ، سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ بَصَرِي ، وَجِلاَءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحاً . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ ؟ قَالَ : أَجَلْ ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهنَّ ) وهو حديث صحيح رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك .

والشاهد قوله أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن أحدا حصره ولا الإحاطة به ، وهذا هو الحق وهو مذهب الجمهور بل حكى النووي الاتفاق عليه ، قال الخطابي عند ذكره لهذا الحديث : ( فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم ، وقال الإمام ابن القيم في شفاء العليل : ( الحديث دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين ، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره ) .

وأما الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ للهِ تِسعةً وتِسْعينَ اسماً ، مائةً إلا واحدة ، مَن أحصاها دَخَلَ الجنَّة ) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد ، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة : إن أسماء الله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك ، فمعنى الحديث إذا أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة ، ونظير هذا أن تقول : عندي مئة درهم أعددتها للصدقة فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة .

وقال النووي في شرح مسلم ( اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى ، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين ، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة ، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ) .

أما معنى إحصاء الأسماء أو المراد بقوله من أحصاها فقد اختلف الأئمة فيه على أقوال منها أن المراد بالإحصاء هو حفظها وعدها كقوله تعالى ( لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) (الجن:28) ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المجادلة:6) وهذا القول عليه أغلب العلماء ، وقال ابن حجر : ظاهر كلام البخاري والأكثرين حصول الجزاء المذكور في الخبر بمجرد حفظها ، وفضل الله أوسع من ذلك ، وقيل المراد بالإحصاء الإطاقة كقوله تعالى : ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ) (المزمل:20) والمعنى : من أطاق القيام بحق هذه الأسماء ، والعمل بمقتضاها ، وهو أن يعتبر معانيها ، فيلزم نفسه بواجباتها ، فإذا قال : الرزاق ، وثق بالرزق ، وكذا سائر الأسماء ، وقيل المراد بالإحصاء الإحاطة بمعانيها ، من قول العرب : فلان ذو حصاة ، أي ذو عقل أو معرفة ، وقال ابن عطية في تفسيره : معنى أحصاها : عدها وحفظها ، ويتضمن ذلك الإيمان بها ، والتعظيم لها ، والرغبة فيها ، والاعتبار بمعانيها .

وقد ذكر ابن القيم أن الإحصاء على ثلاث مراتب هي : أولها احصاء ألفاظها وعددها ، وثانيها فهم معانيها ومدلولها دعاؤه ، وثالثها التعبد لله بمقتضاها ولذلك وجهان :
الوجه الأول : أن تدعو الله بها دعاء مسألة لقوله تعالى ( فادعوه بها ) بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك ، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك ، تقدم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسبا لحالك ، كأن تقول في حال ذنبك يا غفور اغفر لي ويا رحيم ارحمني وفي حال فقرك يا رزاق ارزقني ويا غني اغننى بفضلك عمن سواك ، وفي حال ضعفك يا قوى قوني وفي حال جهلك تقول يا عليم علمني إلى غير ذلك مما يتطلب فقها في الدعاء .
والوجه الثاني : أن تدعوه دعاء عبادة وهو أن تتعبد الله تعالى بمقتضى هذه الأسماء ، فتظهر بمظهر الفقر لعلمك أن الغني هو الله ، وتظهر بمظهر الضعف لعلمك أن القوى هو الله ، وتظهر بمظهر الافتقار والتواضع لعلمك أن العظيم العزيز هو الله ، هذا هو معنى أحصاها ، فإذا كان كذلك فهو جدير لأن يكون إحصاؤها ثمنا لدخول الجنة .

واعلموا أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين الأسماء الحسني ، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى : ( فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه ) ولما لم يصح تعيينها عن النبي صلى الله عليه وسلم اختلف السلف فيه ، فمن حاول تصحيح هذا الحديث : قال إن هذا أمر عظيم لأنها توصل إلى الجنة فلا يفوت على الصحابة أن يسألوه صلى الله عليه وسلم عن تعيينها ، فدل هذا على أنها قد عينت من قبله صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكر الحافظ بن حجر في الفتح أنه لم يقع سرد الأسماء إلا في ثلاثة طرق ، الأول من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، وعدد تسعة وتسعين اسما .

والطريق الثاني وهو طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عن أبي المنذر زهير التميمي عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة وعدد تسعة وتسعين اسما .

والطريق الثالث هو طريق الوليد بن مسلم قال : أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة غير واحدة ، من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو ، الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، وعدد تسعة وتسعين اسما .

قال ابن كثير في تفسيره : ( والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه ) .

لو كان كذلك لكانت هذه الأسماء التسعة والتسعين معلومة أشد من علم الشمس ولنقلت في الصحيحين وغيرهما ، لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه ، وتتعلق النفوس بحفظه ، فكيف لا يأتي إلا عن طرق واهية وعلى صور مختلفة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبينها لحكمة بالغة وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتبين الحريص من غير الحريص .

والرواية التي أوردها الحاكم في المستدرك قال عنها : حديث قد خرجاه في الصحيحين دون ذكر الأسامي فيه ، والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقته وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن العلة ليست تفرد الوليد فقط .

أما الرواية التي أوردها الترمذي فقال عنها : هذا حديث غريب وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث .

والناس في معرفة ضابط الأسماء الحسنى لهم عدة مناهج : المنهج الأول : الاعتماد على العد الوارد في روايات حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وبالأخص طريق الوليد بن مسلم ، عند الترمذي وغيره ، وذلك لاعتقادهم بصحة حديث الأسماء وتعدادها ، المنهج الثاني : الاقتصار على ما ورد من الأسماء بصورة الاسم فقط وهذا منهج ابن حزم في عد الأسماء ، قال عنه ابن حجر ( فإنه – أي ابن حزم – اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يؤخذ من الاشتقاق كالباقي من قوله : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) (الرحمن:27) .

المنهج الثالث : منهج المتوسعين الذين اشتقوا من كل صفة وفعل اسما ولم يفرقوا بين البابين أي باب الأسماء وباب الصفات بل إنهم يدخلون ما يتعلق بباب الإخبار أحيانا ، أما المنهج الرابع فهو منهج المتوسطين الذين يتوسطون بين أصحاب المنهج الثاني والمنهج الثالث فلا هم الذين حجروا تحجير ابن حزم ولا هم الذين توسعوا حسب رؤيتهم .

وهذا المنهج هو الأشهر والأكثر تطبيقا عند أهل العلم ، فهم حافظوا على خاصية هذا الباب وبالتالي جعلوا شروطا لاشتقاق الاسم من الصفة وهذه الشروط دلت عليها النصوص .

ولعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها : ( الأسماء الحسنى المعروفة : هي التي يدعى الله بها ، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة ، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها ) وهذا التعريف هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك لموافقته للنص الشرعي ، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ، فقوله في التعريف : ( هي التي يدعى بها ) مأخوذ من قوله تعالى : ( فادعوه بها ) [ الأعراف : 180] وقوله : ( هي التي وردت في الكتاب والسنة ) مأخوذ من قوله : ( الأسماء ) ( فالألف واللام هنا للعهد ، فالأسماء بذلك تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقوله ( وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها ) مأخوذ من قوله تعالى : ( الحسنى ) فالحسنى تأنيث الأحسن ، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء وأكملها ، ( فما كان مسماه منقسما إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى ) وبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز .

والاسم يتميز عن الفعل والحرف بخمس علامات جمعها بن مالك في قوله : بالجر والتنوين والندا وأل – ومسند للاسم تمييز حصل ، فالعلامة الأولي الجر كقوله : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) ( تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (فصلت:2) (الفرقان:58) ، والعلامة الثانية التنوين كقوله : ( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) (:15) ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:42) ، العلامة الثالثة النداء كما ثبت عن النبي بإسناد صحيح أنه كان يقول في دعائه يا حي يا قيوم ، العلامة الرابعة : أل المعرفة كقوله تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى:1) ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) (يس:5) العلامة الخامسة : الإسناد إليه بأن يسند إليهما تتم به الفائدة سواء أكان المسند فعلا أم اسما أم جملة ، وهذه من أبرز العلامات في التمييز بين الاسم والصفة ، ( وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ) ومع العلامات السابقة للإسم أن يكون الاسم في إطلاقه مقتضيا للمدح والثناء بنفسه ، فان من شرط إطلاق الاسم من الصفة أن تكون الصفة في حال إطلاقها غير منقسمة إلى كمال ونقص أو جامدة .

هل الدهر من أسماء الله ؟ الدهر ليس من أسماء الله سبحانه وتعالى ، ومن زعم ذلك فقد أخطأ وذلك لسببين :

السبب الأول : أن أسماءه سبحانه وتعالى حسنى ، أي بالغة في الحسن أكمله ، فلابد أن تشتمل على وصف ومعنى هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة ، ولهذا لا تجد في أسماء الله تعالى اسما جامدا والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات

السبب الثاني : أن سياق الحديث يأبى ذلك ، لأنه قال: " أقلب الليل والنهار " والليل والنهار هما الدهر فكيف يمكن أن يكون المقلب بفتح اللام – هو المقلب – بكسر اللام – ؟!
قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:180) والإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع :

الأول : أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم .

و الثاني : أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص بل هي دالة على بطلانه فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها .

الثالث : أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه كتسمية النصارى له : ( الأب ) وتسمية الفلاسفة إياه : ( العلة الفاعلة ) وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها .

الرابع : أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز واشتقاق اللات من الإله فسموا بها أصنامهم وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به لقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (لأعراف:180) وقوله : ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (طـه:8) ، فكما اختص بالعبادة وبالألوهية فهو مختص بالأسماء الحسنى فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله عز وجل ميل بها عما يجب فيها ، ومنه ما يكون شركا أو كفرا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية .

يقول تعالى : ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) .

نلتقي معكم بإذن الله في ذكر أسماء الله والحديث عنها مفصلة وإسما إسما ، عصمنا الله وإياكم من الزلل ، وجمعنا وإياكم على خير الملل ، ملة التوحيد والإسلام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .