طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > المالك الملك المليك الحق المبين

ملتقى الخطباء

(5٬264)
90

المالك الملك المليك الحق المبين

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” واسم الله الحق يدل علي ذات الله وعلى صفة الحقية المطلقة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الحقية المطلقة بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والحكمة والحاكمية ، والكبرياء والأحدية والعلم والقدرة والمشيئة والقوة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بإظهار الحقيقة والعدل…”

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين ، أحمده وأستعينه وأستغفره ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأستهدي الله بالهدى ، وأعوذ به من الضلالة والردى ، من يهد الله فهو المهتدى ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من أقر بربوبيته ، وشهد بوحدانيته ، وانقاد لمحبته وأذعن بطاعته ، واعترف بنعمته ، وفر إليه من ذنبه وخطيئته ، وبريء إلي الله من حوله وقوته.

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله ، وخيرته من خلقه ، وأمينه على وحيه ، أرسله للإيمان مناديا ، وإلى الجنة داعيا ، وإلى صراطه المستقيم هاديا ، وفي مرضاته ومحبته ساعيا ، وبكل معروف آمرا ، وعن كل منكر ناهيا ، رفع ذكره ، وشرح صدره ، ووضع وزره ، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره ، فصلي الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين ، أما بعد.

نواصل الحديث حول حصر الأسماء الحسنى وفهم معناها ، وكيف ندعو الله بها دعاء مسألة ودعاء عبادة ، وقد تحدثنا عن ثمانية أسماء هي اسم الله الرب واسمه الإله ، ثم الواحد والأحد والصمد والسيد والحي القيوم ، واليوم نتحدث عن مجموعة أخرى من الأسماء وهي اسم الله المالك الملك المليك الحق المبين.

الاسم التاسع هو اسم الله المالك ، فقد ورد في القرآن على سبيل الإضافة والتقييد مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، وإن كانت الإضافة تحمل معنى الإطلاق في الملكية ، لكنه ورد في السنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا أيضا على الوصفية ، ففي القرآن ورد مضافا في قوله تعالى : ( قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤْتِي المُلكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:26) ومالك الملك هو مالك عالم الشهادة ، أي يملك ما في عالم الشهادة ، ( قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ َكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158) ( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (التوبة:116) ، فالمالك هو المنفرد بملكية الملك والملكوت ، والحمد لله أنه المالك الوحيد ، فلو كان له شريك لشق ذلك على سائر الخلق ، ولما انصلح الحال في الملك : ( وَقُلِ الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) (الإسراء:111) ( الذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان:2) ( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) (النساء:53) ( قُل لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الأِنْفَاقِ وَكَانَ الإنسان قَتُوراً) (الإسراء:100) ، (أَمْ لَهُمْ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَليَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ) (صّ:10) فتوحيد الله في اسمه المالك يعني أن المنفرد بالملك هو الله ، (لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) (الحديد:5) (وَلِلهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ) (النور:42) ودائما ما يأتي قبل ذكر انفراد الله بالملك أو بعد انفراده بالحمد ( يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التغابن:1) ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الإسراء:111) ( تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ المُلكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1).

هذا عن ملكية الله لعالم الملك ، أما ملكيته عن عالم الملكوت أو عالم الغيب ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) فمالك يوم الدين هو الذي له الملك في عالم الملكوت أو عالم الغيب ( المُلكُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) (الحج:56) ( قُل مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:88) (فَسُبْحَانَ الذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (يّس:83) (وَتَبَارَكَ الذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (الزخرف:85) (وَلِلهِ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ ) (الجاثية:27).

وإذا كان هو سبحانه وتعالى مالك لكل شيء في عالم الغيب وعالم الشهادة ، فهو المالك على سبيل الإطلاق والمالك على الدوام أزلا وأبدا ، وإن كان نصوص القرآن لا تكفي وحدها لحصره أو عده ضمن الأسماء نظرا لعدم الإطلاق ، فالذي ورد في القرآن يعد وصفا أكثر من كونه اسما ، لكن الذي يجعله اسما لا وصفا هو ما سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت من السنة ، فقد ثبت عند الإمام مسلم رواية أَبُي بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِنَّ أَخْنَع اسْمٍ عِنْدَ اللّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ ، لاَ مَالِكَ إِلاَّ اللّهُ عَزَّ وَجَل ) ، فالرسول صلى الله عليه وسلم سماه مالكا على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، كما أنه ورد في القرآن علميا مقيدا ، والقاعدة التي نسير عليها في حصر الأسماء أن يفيد الثناء بنفسه من غير إضافة ، وأن يرد نص صريح صحيح في ذلك.
ومعنى مالك الملك أي الذي كان ملكه عن استحقاك ، فعلة استحقاق الملك أمران : الأول صناعة الشيء وإنشائه وإيجاده واختراعه ، فالمخترع يأخذ براءة الاختراع ، والمؤلف يأخذ حق التأليف والطبع ، وفي صحيح البخاري أن عُمَر بن الخطاب قال : ( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لهُ ) وَيُرْوَى ذلك أيضا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ.

وإذا كان ملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه ويصنعه بمفرده ، فلا بد له من ظهير معين سواء من أهله وقرابته ، أو حزبه وجماعته ، أو عشيرته وقبيلته ، فمن الذي ساعد الحق في إنشاء الملك ؟ ومن الذي عاونه علي إنشاء الخلق ، ومن الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض ؟ من الذي كان مع الحق عند إنشاء الخلق ؟ ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلينَ عَضُداً) (الكهف :51).
وعند البخاري من حديث عَمرانَ بن حُصينٍ أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : كان اللهَ ولم يكن شيء قبلهُ ، وكان عرشه على الماء ، ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ ، وكتب في الذكر كل شيء).

وما أحسن التعبير عن الملكية المطلقة بالتفصيل الذي ورد في قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( طه مَا أَنزَلنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى ).

أما العلة الثانية لاستحقاق الملك : فهي دوام الحياة فدوام الحياة يوجب انتقال الملكية وثبوت التملك ، ومعلوم أن كل من علي الأرض زائل فان ، كما قال تعالى : (كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام ) (الرحمن :27) (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِليْنَا تُرْجَعُون َ) (العنكبوت :57) ، وإذا كانت الحياة وصف ذاته والإحياء وصف فعله ، فإن الملك بالضرورة لمالكه : (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفي عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) (غافر :16) (وَلا يَحْسَبَنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلهِ هُوَ خَيْراً لهُمْ بَل هُوَ شَرٌّ لهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران :180) ، فالملك لله في المبتدا عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد سواه ؟ والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الملوك سواه ؟ فلا خالق إلا الله ولا مدبر للكون سواه ، ومن ثم فإنه المنفرد بالملك هو الله ، فالمَلك هو المتصرف بالأمر والنهي في مملكته وهو القائم بسياسة خلقه إلي غايتهم ، وملكه هو الحق الدائم له بحق دوام الحياة ، ولما كان الحق سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير ، فإنه إلزاما ينفرد بالملك والتقدير ، وينفرد بأنه المالك المستحق للملك.

واسم الله المالك يدل علي ذات الله وعلى صفة الملكية المطلقة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفه بالملكية المطلقة للأشياء بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والعلم والأحدية والمشيئة والقدرة والرزق والقوة ، والقبض والبسط وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لبقاء اتصافه بملكية الملك.

كيف ندعو الله باسمه المالك دعاء مسألة ودعاء عبادة ، دعاء المسألة كما ورد عند رواه الطبراني في الصغير وحسنه الشيخ الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك قل يا معاذ : اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك.

أما دعاء العبادة فعمل واعتقاد يوجه المسلم في حياته على أنه عبد في ملك سيده مستخلف في أرضه أمين على ملكه ، قد ابتلاه فيما أعطاه ، وامتحنه فيما خوله واسترعاه ، أيرد الملك إلي المالك ؟ أم ينسب لنفسه أوصاف الخالق ؟ يتكبر على الخلق بنعم الله ، ويتعالي على العباد بما منحه وأعطاه ، يفهم أن المال مال الله ، وأن الحياة ابتلاء من الله فالصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه المالك ، لا يتوكل إلا عليه لعمله أن الأرزاق بيديه ، وأنه سبحانه وتعالي هو الخالق الرازق وأنه هو المالك.

الاسم العاشر هو اسم الله الملك ، فقد ورد في القرآن والسنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في قوله تعالى : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ ) (طه:114) وقوله : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) (المؤمنون:116) وقوله : ( هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر:23) ( يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) (الجمعة:1).

وفي صحيح مسلم عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ : وَجَّهْتُ وجهي للذي فَطَرَ السماوات وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نفسي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ).

وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السماوات عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ، وَسَائِرَ الخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ ، فَيَقُولُ أَنَا المَلِكُ ، فَضَحِكَ النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ( وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ، وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ ، وَيَطْوِى السماوات بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا المَلِكُ ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ ، وفي صحيح مسلم عن عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : يَأْخُذُ اللهُ عَزَّ وَجَل سماواته وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ أَنَا اللهُ وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا أَنَا المَلِكُ ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى المِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شيء مِنْهُ حَتَّى إني لأَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُل لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِى ثُلُثُ الليْلِ الأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ مَنْ ذَا الذِى يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الذِى يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الذِى يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِىءَ الفَجْرُ.

وفي صحيح البخارى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا المَلِكُ ، أَنَا الدَّيَّانُ.

والملك هو الذي يكون له الأمر والنهي في ملكه فيتصرف في خلقه بأمره وفعله ، يقول ابن القيم في بدائع الفوائد : ( الفرق بين الملك والمالك أن المالك هو المتصرف بفعله والملك هو المتصرف بفعله وأمره والرب تعالى مالك الملك فهو المتصرف بفعله وأمره ) ، واسم الله الملك يدل علي ذات الله وعلى صفة الملك المطلق بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفه بالملك المطلق بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والأحدية والصمدية ، والعلم والمشيئة والقدرة والحكم والعدل والقوة ، والقبض والبسط والعزة ، والكبرياء والهيمنة العظمة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه وتسميته بالملك الحق.

وهنا قضية هامة تتعلق بدلالة اللزوم في اسمه الملك ، وذلك أن كل ملك في الدنيا لا بد من استواؤه علي عرشه كلازم من لوازم الكمال في ملكه ، فلما كان هذا وصف كمال للمخلوق فالملك الخالق أولى من الملك المخلوق لا سيما أنه أثبت ذلك لنفسه فقال : ( الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى ) فإثبات استواء الله على عرشه من لوازم توحيده في اسمه الملك من باب أولي ، فمن لوازم توحيد الله في اسمه الملك إثبات الاستواء علي العرش وعلو الذات والفوقية ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالي : ( طه مَا أَنْزَلنَا عَليْكَ القُرْآنَ لتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لمَنْ يَخْشَى تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلا الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالقَوْل فَإِنَّهُ يَعْلمُ السِّرَّ وَأَخْفي اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ لهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) (طه 5:1) (فَتَعَالى اللهُ المَلكُ الحَقُّ لا إِلهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) (المؤمنون :116) ، فشتان بين عرش وعرش ، فطالما أن وحدت في اسمه الملك فوحده باللزوم في صفة الاستواء علي العرش ولا تسأل كيف استوى ؟ فالملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود سواه ، ويحتاج إليه كل موجود سواه ، لأن كل شيء سواه وجوده استمده من الله ، ومالك الملك هو الذي ينفذ مشيئته في مملكته كيف شاء وكما شاء.

الاسم الحادي عشر هو اسم الله المليك ، فقد ورد في القرآن والسنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِر ٍ) (القمر:55) ، وفي سنن أبي داود وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد من حديث ابنِ بُرَيْدَةَ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ : الحَمْدُ لله الذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي ، وَالذِي مَنَّ عَلَىَّ فأَفْضَلَ ، وَالذِي أَعْطَانِي فأَجْزَلَ ، الحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ ، اللهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءِ وَمَلِيكَهُ وَإِلاهَ كُلِّ شَيْء ِ ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ، وروى الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن أبا بَكْرٍ قال : يَا رَسُولَ الله مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إذَا أَصْبَحْتُ وَإذَا أَمْسَيْتُ ، قَالَ : قُل: اللهُمَّ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشّهَادَةِ ، فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ أشْهَدُ أَن لاَ إِله إِلاّ أنْتَ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وشِرْكِهِ ، قَالَ : قُلهُ إذَا أَصْبَحْتَ وَإذَا أَمْسَيْتَ وإِذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ.

وكذلك رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْد الله بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رضى الله عنه قالَ يا رَسُولَ الله عَلِّمْنِي مَا أقُولُ إِذَا أَصْبَحْتُ وإذَا أمْسَيْتُ ، فقال َ: يا أبَا بَكْرٍ قُل: اللهُمَّ فَاطِرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ لاَ إلَهَ إلاّ أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ومِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أوْ أَجُرَّهُ إِلى مُسْلِمٍ.

واسم الله المليك يدل علي ذات الله وعلى صفة الملك المطلق بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفه بالملك المطلق بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والأحدية والصمدية ، والعلم والمشيئة والقدرة والحكم العدل والقوة ، والقبض والبسط والعزة ، والكبرياء والهيمنة العظمة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه وتسميته بالمليك الحق.

كيف ندعو الله باسمه الملك المليك دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ ، دعاء المسألة كما ورد في صحيح مسلم في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نفسي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ ) (اللهُمَّ فَاطِرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ لاَ إلَهَ إلاّ أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي ومِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ ).

أما دعاء العبادة فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : ( يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُل لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِى ثُلُثُ الليْلِ الأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ مَنْ ذَا الذي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يضيء الفَجْرُ ).

الاسم الثاني عشر من الأسماء الحسنى اسم الله الحق ، فقد ورد في القرآن والسنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في قوله تعالى : ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ ) (الأنعام:62) وقوله : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلا تَعْجَل بِالقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلماً) (طه:114) ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج:6) ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (الحج:62) ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) (المؤمنون:116) ( فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس:32) ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ ) (النور:25).

وفي صحيح مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ مِنْ جَوْفِ الليْلِ : ( اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السماوات وَالأَرْضِ وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السماوات وَالأَرْضِ وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السماوات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ الحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إلهي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْت َ.

والحق في اللغة اسم للموصوف بالحقية وإظهار الحقيقة ، والحق يأتي على عدة معان ، فهو بمعنى المطابقة والموافقة ، وبمعنى الثبات دون الزوال ، والمتوحد عمن سواه خلاف الشرك والظلم ، والله سبحانه وتعالى في حق ذاته باق لا يزول ، وسنته ثابتة جارية لا تحول ، ودينه ثابت في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وكل صفاته حق فهي كاملة جامعة للصدق ، فيها الكمال والجمال والجلال ، ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ).

واسم الله الحق يدل علي ذات الله وعلى صفة الحقية المطلقة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الحقية المطلقة بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والحكمة والحاكمية ، والكبرياء والأحدية والعلم والقدرة والمشيئة والقوة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لاتصافه بإظهار الحقيقة والعدل.

كيف ندعو الله باسمه الحق دعاء مسألة ودعاء عبادة ، دعاء المسألة كما ورد في صحيح مسلم في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : (أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَقَوْلُكَ الحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إلهي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْت َ.

أما دعاء العبادة فيعلم العبد أن الحق هو الباقي دون الظلم وأن الله هو الحق المطلع على سائر الخلق ، وأن مرد الأمور إلى الله هو الذي يفصل بين عباده : ( قُل إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الحُكْمُ إِلا لِلهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ ) (الأنعام:57) ، فوجب على العبد أن يدين لله بدين الحق مراعاة لاسمه الحق : ( قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) ( هُنَالِكَ الوَلايَةُ لِلهِ الحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً) (الكهف:44) وألا يكذب أبدا لعلمه أن الله هو الحق ( وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب:4) ، وأن يصبر على الحق ويتواصى به ( والعصر إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3).

الاسم الثالث عشر اسم الله المبين ، فقد ورد في القرآن على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، في قوله تعالى : ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ ) (النور:25) ولم يذكر إلا في هذا المرة ، ولم يرد في حديث ثابت صحيح ، لكن الآية دليل صريح على أن الله سمي نفس به ، وقد ورد هذا الاسم في أعقاب اتهام المنافقين لأم المؤمنين في حادثة الإفك : ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ ) (النور:25).

والمبين اسم فاعل للموصوف بالإبانة من الفعل أبان ، وبيان الشيء ظهوره ووضوحه ، فالبيان في الكلام فصاحته والبينة في القضاء هي الدليل والحجة ، أما الإبانة فهي الإظهار والإيضاح ، وقد تكون أيضا بمعنى إظهار ما خفي من الحقيقة ، والمبين اسم من أسماء الله يدل علي ذات الله وعلى صفة البيان والإبانة المطلقة لكل معان الحق والحقيقة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة البيان والإبانة بالتضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية والعلم والصمدية والمشيئة والقدرة والقوة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الفعل لبيان الحق والفصل بين الخلق في جميع الأمور.

والله عز وجل بين لعباده آياته بكل أنواع البيان ، ويقيم حجته على خلقه بكل أنواع البرهان ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) (الحج:5) ( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:138) ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء:26) ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم:4).

كيف ندعو الله باسمه المبين دعاء مسألة ودعاء عبادة ، دعاء المسألة أن يذكر الاسم في دعائه لاسيما إن كان مظلوما ولا يجد حجة لبراءته أو منصفا أو دليلا ، كأن يقول : اللهم أنت الحق المبين فرج كربي وارفع الظلم عني ، أما دعاء العبادة فهو مظهر يتجلى في بيان الحق لأن الله هو المبين ، فلا يفعل فعل أهل الكتاب ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (آل عمران:187).

وروى البيهقي بسنده عن الأوزاعى أنه قال : دخلت على الخليفة المنصور فقال لي ما الذي بطأ بك عنى قلت يا أمير المؤمنين وما الذي تريده منى ؟ فقال : الاقتباس منك ، قلت : انظر ماذا تقول ؟ فإن مكحولا حدثنى عن عطية بن بشير أن رسول الله قال : من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهى رحمة من الله سيقت إليه ، فإن قبلها من الله بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد إثما وليزداد عليه غضبا ، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا وإن سخط فله السخط ومن كرهه فقد كره الله لأن الله هو الحق المبين ، فلا تجهلن قال : وكيف أجهل ؟ قال تسمع ولا تعمل بما تسمع ، قال الأوزاعي فسل على الربيع السيف وقال : تقول لأمير المؤمنين هذا ، فانتهره المنصور وقال أمسك ثم واصل الأوزاعى فقال : إنك قد أصبحت من هذه الخلافة بالذي أصبحت به والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها ولقد حدثني عروة بن رويم أن رسول الله قال : ما من راع يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا وبالقسط قائما ولما استطاع من عوراتهم ساترا.
قال الإمام الشافعي : ما ناظرت أحدا وأحببت أن يخطىء بل أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه من الله رعاية وحفظ ، وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يظهر الحق على لساني أو لسانه.

فاللهم اجعلنا ممن قلت فيهم : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:18) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.