طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الصمد السيد الحي القيوم

ملتقى الخطباء

(4٬361)
89

الصمد السيد الحي القيوم

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” والصمد اسم يدل علي ذات الله وعلى صفة الصمدية المطلقة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى وصفة الصمدية وحدها بالتضمن، وعلى الحياة والقيومية والأحدية باللزوم، وكذلك يدل باللزوم على كمال والعلم القدرة والعزة والقوة والحكمة والعظمة وكمال العدل الحكم وكل ما يلزم لكمال الذات والصفات التي تحقق السؤدد في كل شيء “

 

 

 

 

الحمد لله الواحد الأحد، المتفرد بالتوحيد، والمنفرد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثيل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد، فعال لما يريد، لم يزل بصفاته أولا قديرا، ولا يزال عالما خبيرا، استوفي الأشياء علمُه، ونفذت فيها إرادته، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف الدهور، لم يلحقه كلل ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب .

خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فنحمده كما حمد نفسه، وكما هو أهله وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوض الأمر إليه، وأقر أنه لا ملجأ منه إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، معترف بخطئه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بوحدانيته، وإخلاصا لربوبيته، ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق ومجانبة الردى .

وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، ونبيه وصفيه وأمينه، أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة، والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة، فبلّغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، حتى تمت كلمة الله عز وجل، وظهر أمره، وانقاد الناس إلى الحق خاضعين، حتى أتاه اليقين، فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى أصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، ومن سار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين،

 

أما بعد:

فقد علمنا أن أسماء الله عز وجل أسماء توقيفية، ومعنى أنها توقيفية يعنى أنه لا مجال للعقل فيها، ويجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه سبحانه وتعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى ولا يوصف إلا بما سمي به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تحدثنا في المحاضرة الماضية عن أربعة أسماء، الاسم الأول هو اسم الله الرب والثاني اسمه الإله والثالث الواحد والرابع الأحد، واليوم نستكمل الحديث حول الاسم الخامس وهو اسم الله الصمد والسادس اسم الله السيد والسابع اسم الله الحي والثامن اسم الله القيوم .

الاسم الخامس لله عز وجل اسمه الصمد، فقد ثبت في القرآن السنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، دخلت عليه أل التعريف في قوله تعالى في سورة الإخلاص ( قُل هُوَ اللهُ أَحَد اللهُ الصَّمَدُ ) ولم يرد في القرآن إلا في هذا الموضع، وقد ورد في السنة في عدة مواضع منها ما رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يكُن له ذلك، وشَتَمني ولم يكن له ذلك، فأَما تكذيُبهُ إيايَ فقوله : لن يعيدني كما بدأنِي، وليس أوَّلُ الخلقِ بأَهونَ عليَّ من إعادته، وأما شتمُهُ إيايَ فقولُه : اتَّخَذَ اللَّهُ ولداً وأَنا الأَحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولَد، ولم يكُن لي كُفواً أحد ) فسمي الله نفسه بالصمد، وعند البخاري أيضا من حديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال : ( قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ: أَيعجِزُ أحدُكم أن يقرَأَ ثلثَ القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم وقالوا: أَيُّنا يطيقُ ذلك يا رسول الله ؟ فقال: اللهُ الواحِدُ الصَّمَدُ ثلث القرآنِ )، وعند مسلم من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ : ( قل هو الله أحد الله الصمد ) حتى ختمها .

وعند الترمذي من حديث أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا لرَسُولِ الله : انْسُبُ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى : ( قُلْ هُوَ الله أحَدٌ الله الصَّمَدُ )، فَالصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إلاّ سَيَمُوتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إلاّ سَيُورَثُ، وإنَّ الله عز وجلّ لاَ يَمُوتُ ولاَ يُورَثُ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ ) قَالَ : لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلاَ عِدْلٌ ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ، وكذلك رواه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذلك ورواه أحمد في مسنده، وقال الشيخ الألباني : حسن دون قوله والصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.

وعند الدارمي من حديث عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن إمرأةٍ مِنَ الأنصارِ أن أبا أيوب الأنصاري، أتاهَا، فقالَ : ألا ترينَ إلَى مَا جاءَ بِهِ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالت : رُبَّ خيرٍ قَدْ أتَانَا بِهِ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فما هو ؟ قال : قال لنا : أيعجزُ أحدُكمْ أنْ يَقرأ ثُلثَ القرآن في ليلة ٍ، قالَ : فاشفقنا أن يريدَنَا على أمرٍ نعجِزُ عَنْهُ، فلَمْ نرجِعْ إليهِ شيئاً حتَّى قالَهَا ثلاثَ مراتٍ، ثُمَّ قالَ : أمَا يستطيعُ أحدُكُم أنْ يقرأَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصمد ) والحديث ورد عند الترمذي بغير هذا اللفظ وفيه تسمية المرأة، وهي امرأة أبي أيوب الأنصاري، وقد حسنه الترمذي وصححه الشيخ الألباني، وروى أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، قال : ( كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبَّكَ الأَعْلَى وَقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَالله الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ) .

وفي السنن الكبرى للنسائي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوشك الناس أن يتساءلوا بينهم حتى يقول قائلهم هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فإِذَا قالُوا ذَلِكَ فقُولُوا : الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يلِدِ وَلَمْ يُولَدْ وَلَم يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ، ثُمَّ لْيَتْفُلْ عن يَسَارِهِ ثَلاَثاً وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ ورواه أبو داود وحسنه الشيخ الألباني، وفي سنن النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث حَنْظَلَة بْن عَلِيٍّ أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ إذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَقَال َ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، وفي سنن ابن ماجة أيضا وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلاً يَقُولُ : اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ) .

والصمد هو السيّدُ الذي انتهى سُؤدَدُه، الذي له الصمدية المطلقة في كل شيء، وقال الإمام البخاري باب قولِهِ : (للَّهُ الصَّمَدُ ) والعَرَبُ تُسمِّي أشرافَها الصَّمَدَ، قال أبو وائِل : هو السيّدُ الذي انتهى سُؤدَدُه، وقال شيخ الإسلام : ( والاسم الصمد فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك بل كلها صواب والمشهور منها قولان أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، الثاني أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ) وقال ابن الجوزى في زاد المسير ( وفي الصمد أربعة أقوال أحدها أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده قال أبو عبيدة هو السيد الذي ليس فوقه أحد والعرب تسمي أشرافها الصمد، وقال ابن الأنباري لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد يصمد إليه الناس في أمورهم وحوائجهم والثاني أنه لا جوف له قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي، والثالث أنه الدائم، والرابع الباقي بعد فناء الخلق حكاهما الخطابي وقال أصح الوجوه الأول لأن الاشتقاق يشهد له، فإن أصل الصمد القصد يقال اصمد فلان أي اقصد فلان فالصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج ) .

وخلاصة المعاني في الصمدية أن الصمد هو السيد الذي لا يكافئه من خلقه أحد، والمستغنى عن كل من سواه وكل من سواه مفتقر إليه معتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه بوجه من الوجوه ولا يوصف بصفته أحد وليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وسائر أمورهم، فأصمدت إليه الأمور فلم يقض فيها غيره، هو المقصود إليه الرغائب والمستغاث به عند المصائب، هو الذي لا جوف له وليست له أحشاء لا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء .

والصمد اسم يدل علي ذات الله وعلى صفة الصمدية المطلقة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى وصفة الصمدية وحدها بالتضمن، وعلى الحياة والقيومية والأحدية باللزوم، وكذلك يدل باللزوم على كمال والعلم القدرة والعزة والقوة والحكمة والعظمة وكمال العدل الحكم وكل ما يلزم لكمال الذات والصفات التي تحقق السؤدد في كل شيء .

أما دعاء الله باسمه الصمد دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة كما ورد في الحديث الصحيح الذي تقدم : (اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ )، وأما دعاء العبادة فيظهر من خلال صدق المسلم في اعتماده على الله الصمد، وحسن توكله عليه، فيعتمد على الله قبل الحركة والسكون ثم يأخذ بالأسباب كيفما يكون، ويرضى بما قسمه الله، لعلمه أن تقسيم المقادير بيديه المبتدا منه والمنتهى إليه، فلا حول ولا قوله إلا بالله، وعند البخاري من حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِى صلى الله عليه وسلم قَالَ له : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وجهي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمري إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظهري إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الذي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا بَلَغْتُ : اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ، قُلْتُ وَرَسُولِكَ، قَالَ : لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ .

الاسم السادس من أسماء الله عز وجل اسمه السيد فقد سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، مسندا إليه المعنى محمولا عليه، ودخلت عليه أل التعريف، ففي سنن أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبي نَضْرَةَ عن مطرف بنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ قالَ أَبِي : انْطَلَقْتُ في وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلنا أَنْتَ سَيِّدُنا فقَالَ : السَّيِّدُ الله، قُلْنا وَأَفْضَلُنا فَضْلاً وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً فَقَالَ قُولُوا بِقَوْلِكم أَوْ بَعْضِ قَوْلِكمُ وَلاَ يَسْتَجْرِيَنَّكمْ الشَّيْطَانُ، وفي المسند من حديث قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أن رجلا جَاءَ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ َأنْتَ سَيِّدُ قُرَيْش، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم السَّيِّدُ اللَّهُ، قَالَ أَنْتَ أَفْضَلُهَا فِيهَا قَوْلاً وَأَعْظَمُهَا فِيهَا طَوْلاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ بِقَوْلِهِ وَلاَ يَسْتَجِرُّهُ الشَّيْطَانُ .

فالحديث يدل دلالة صريحة على اسم الله السيد وأن الذي سماه بذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بعد قول رسول الله تعقيب، ولا نعترض أبدا على قول الحبيب، لأن الرسول يعنى السيادة المطلقة التي تتضمن كل أوجه الكمال والجمال، فالسيد إطلاقا هو رب العزة والجلال، ولم ينف صلى الله عليه وسلم السيادة المقيدة التي تليق بالمخلوق، أو السيادة النسبية التي تتضمن المفاضلة والتفوق على الآخرين، وقال ابن القيم تحفة المولود : ( ولا ينافي هذا قوله أنا سيد ولد آدم فإن هذا إخبار منه عما أعطاه الله من سيادة النوع الإنساني وفضله وشرفه عليهم، وأما وصف الرب تعالى بأنه السيد فذلك وصف لربه على الإطلاق فإن سيد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون وبأمره يعملون وعن قوله يصدرون فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقا له سبحانه وتعالى وملكا له ليس لهم غنى عنه طرفة عين وكل رغباتهم إليه وكل حوائجهم إليه كان هو سبحانه وتعالى السيد على الحقيقة قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قول الله الصمد قال السيد الذي كمل سؤدده والمقصود أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بأسماء الله المختصة به وأما الأسماء التي تطلق عليه وعلى غيره كالسميع والبصير والرؤوف والرحيم فيجوز أن يخبر بمعانيها عن المخلوق ولا يجوز أن يتسمى بها على الإطلاق بحيث يطلق عليه كما يطلق على الرب تعالى) .

( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128) وقد ظن البعض المتكلمين أن تسمية الله بالسيد قد يؤدى إلى التشبيه لأن بعض الناس يتسمى به ويوصف به، فلم يجعلوه من الأسماء وحاولوا استبعاده مع ثبوته في النص الصريح، وكثير من الذين حاولوا تتبع الأسماء من نصوص القرآن والسنة لم يعتبروه اسما بحجة أنه لم يأت تسميته تعالى بالسيد في القرآن ولا في حديث متواتر، كما ذكر النووي في شرحه لصحيح مسلم، وقد استبعده الغزالي في كتابه المقصد الأسنى وابن حجر في تلخيص الحبير .

قال ابن القيم في بدائع الفوائد فيمن قال لا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم : ( وفي هذا نظر فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب لا بالمعنى الذي يطلق علي المخلوق ) فالسيد حقيقة هو الله، هو الذي يحق له السيادة المطلقة، حقيقة السؤدد ليست إلا له لأن الخلق كلهم عبيده وهو ربهم، وهو المالك الكريم الحليم الذي يملك نواصيهم ويتولى أمرهم ويسوسهم إلى صلاحهم، ومعنى السيد الله شائع ذائع في الكتاب والسنة .

قال أبو الطيب في عون المعبود وشرحه لسنن أبي داود ( السيد الله أي هو الحقيق بهذا الاسم قال القاري أي الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم هو الله سبحانه وهذا لا ينافي سيادته المجازية الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية حيث قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر أي لا أقول افتخارا بل تحدثا بنعمة الله وإلا، فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا انتهى وهو بالنسبة إلى بلال تواضع ) .

وقال الآلوسي في روح المعاني : ( وإطلاق الصمد بمعنى السيد عليه تعالى مما لا خوف فيه وان كان في إطلاق السيد نفسه خلاف والصحيح إطلاقه عليه عز وجل كما في الحديث السيد الله وقال السهيلى لا يطلق عليه تعالى مضافا فلا يقال سيد الملائكة والناس مثلا ) .
والسيد اسم يدل علي ذات الله وعلى صفة السيادة المطلقة بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة السيادة المطلقة وحدها بالتضمن، وعلى الحياة والقيومية والأحدية باللزوم، وكذلك يدل باللزوم على كمال والعلم القدرة والعزة والقوة والحكمة والعظمة وكمال العدل الحكم وكل ما يلزم لكمال الذات والصفات التي تحقق السؤدد في كل شيء .

 

أما دعاء الله باسمه السيد دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة كما ورد في دعاء الإمام أحمد لما جاء خادم المأمون وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول يعز على أبا عبدالله إن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف قال فجثى والامام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولياءك بالضرب والقتل اللهم فإن لم يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته قال فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الاخير من الليل .

 

وأما دعاء العبادة فيظهر من خلال رجوع العبد إلى من له السيادة المطلقة في كل شيء بالافتقار والخشية والتواضع ولنا في رسول الله خير هاد ودليل، فما قدم وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلنا أَنْتَ سَيِّدُنا فقَالَ : السَّيِّدُ الله، قُلْنا وَأَفْضَلُنا فَضْلاً وَأَعْظَمُنَا طَوْلاً فَقَالَ قُولُوا بِقَوْلِكم أَوْ بَعْضِ قَوْلِكمُ وَلاَ يَسْتَجْرِيَنَّكمْ الشَّيْطَانُ .

 

الاسم السابع من أسماء الله عز وجل اسمه الحي فقد سمي الله به نفسه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، مسندا إليه المعنى محمولا عليه، ودخلت عليه أل التعريف ولام الجر والنداء وغير ذلك من العلامات فمن القرآن قوله تعالى : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً) (الفرقان:58) ( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (غافر:65) ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (البقرة:255) ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (آل عمران:2) ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه:111) وفي صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ له : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ قُلْتُ : اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ فِي صدري، وَقَالَ : وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ .

وعند البخاري من حديث أبي هريرة قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَي فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِي ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ ) حتى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حتى تُصْبِحَ . فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِي ؟ قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِي مِنْ أَوَّلِهَا حتى تَخْتِمَ ( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ ) وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حتى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شيء عَلَي الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ لاَ، قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ .
وفي سنن أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث بِلاَلَ بنَ يَسَارِ بنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: سَمِعْتُ أَبي يُحَدِّثُنِيهِ عن جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ قالَ أسْتَغْفِرُ الله الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْف ِ.
وفي سنن أبي داود أيضا وحسنه الشيخ الألباني عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِي صلي الله عليه وسلم قَالَ : اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ : ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) وَفَاتِحَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ( الم اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ ) .

 

واسم الله الحي دائما يرد مقترنا باسم الله القيوم واقترنهما يدلان على اسم الله الأعظم، والسبب في ذلك أن جميع الأسماء والصفات تدل عليه باللزوم، فالحي اسم مشتق من صفة الحياة، وصفة الحياة وصف ذات لله، بخلاف المحي فإنه مشتق من وصف فعل لله، وصفة الذات هي كل صفة كمال لله لا تتعلق بمشيئته، كالبقاء والعزة، والعلم والقدرة، والمشيئة والقوة، والعلو والحكمة، والوجه والعين والقدم واليدين، والسمع والبصر وغير ذلك من صفات الذات، وأما صفة الفعل فهي كل صفة كمال تعلقت بمشيئة الله، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها كالخلق والهداية والإحياء والإماتة، والرزق والنصرة، واللطف والرحمة، والمجيء لفصل القضاء، والنزول إلى السماء، وكذلك صفة الاستواء، وكل ما تعلق بمشيئة الله من الصفات فهي صفات أفعال .

 

فالحي اسم من أسماء الله يدل على ذات الله وعلى صفة الحياة معا بالمطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة الحياة وحدها بالتضمن، ويدل على الوجود والبقاء والغني بالنفس والكمال باللزوم، وهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن جميع الأسماء الحسنى تدل باللزوم على صفة الحياة ما عدا اسم الله الحي فإنه يدل عليها بالتضمن، ولولا صفة الحياة ما كملت بقية أسمائه وصفاته، فلا يمكن لأحد أن يكون قديرا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون قويا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عليا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون غنيا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عظيما إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون سميعا بصيرا إلا إذا كان حيا، فجميع أسماء الله تدل على صفة الحياة التي تضمنها اسمه الحي، وهذه قضية عقلية نقلية، كما تقدم وشرحناها عند الحديث عن اسم الله الأعظم وما يدل عليه اقتران الأسماء من كمال، ودوام الحياة من دلائل دوام الملك لله، فدوام الحياة يؤدي إلى انتقال الملكية إلي الغير، وإذا كان كل من علي الأرض لا محالة زائل، يدركه الموت في أي زمان ومكان، فكل شيء ما خلا الله باطل، كما نص على زواله القرآن، فقال تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام ) (الرحمن :27)، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِليْنَا تُرْجَعُون َ) (العنكبوت :57)، فميراث السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ينفرد به الملك الحق لأن الحياة وصف ذات لله، أما حياة الملوك فحياتهم لا تدوم، وسيأتيهم الموت بالضرورة واللزوم ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفي عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ ) (غافر :16) .

 

أما دعاء الله باسمه الحي دعاء مسألة فكما ورد في الموطأ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُومُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَقُولُ نَامَتِ الْعُيُونُ وَغَارَتِ النُّجُومُ وَأَنْتَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ، قال تعالى : ( هُوَ الحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) (غافر:65) ودائما ما كان نبينا صلي الله عليه وسلم يدعو باسم الله الحي القيوم .

 

أما دعاء العبادة فيظهر من سلوك العبد وتوجيه أفعاله في الحياة على أن الملك باق لله الحي القيوم، وأنه في دار ابتلاء تعقبها دار جزاء، وأن الملك لله في البدء عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد من الإحياء سواه ؟ والملك لله في المنتهى عند زوال الأرض لأنه لن يبقى من الأحياء سواه ؟ فلا ينسب الملك على الحقيقة لغير الله، وإنما سبيل الابتلاء في هذه الحياة ؟ ولا يشرك بالله في الاستغاثة والدعاء، أو المحبة والخوف والرجاء ؟ لأن الدعاء يستلزم إثبات صفة الحياة للأنداد من الأموات، والحياة أصل في اتصافهم بالعلم والغنى القدرة، والسمع والبصر والقوة وغير ذلك مماهو لازم لإجابة الدعاء، وقد نفي الله عنهم ذلك لأنهم أموات، فقال : ( ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلكُ وَالذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير ٍإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) ( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (النحل:21) .

 

الاسم الثامن من أسماء الله عز وجل اسمه القيوم فقد سمي الله به نفسه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية، مسندا إليه المعنى محمولا عليه، ودخلت عليه أل التعريف ولام الجر والنداء وغير ذلك من العلامات فمن القرآن قوله تعالى : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (طه:111) ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (البقرة:255) ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (آل عمران:2) وفي صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ له : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ قُلْتُ : اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَي الْقَيُّومُ قَالَ فَضَرَبَ فِي صدري، وَقَالَ : وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ .

 

وقد تقدمت الأحاديث التي تدل على اسم الله القيوم عن الحديث عن اسمه الحي لأنهما يردان في أغلب الروايات مقترنين، والقيم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبرها، فقيم البلدة سيدها وأمينها ومدبرها، الذي بيده تدبير أمرها، والقيوم يدل على وصف القيام والإقامة، قام بذاته فلا يحتاج إلى غيره، وأقام غيره لأن غيره مفتقر إليه، وعند الإمام البخاري من حديث ابْن عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا قَالَ : ( كَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ إِذَا قَامَ مِنَ الليْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ )، ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُل سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَل زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الرعد:33) .

 

والقيوم أيضا هو القائم بنفسه، الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه، والباقي بكماله ووصفه على الدوام، دون تغيير أو تأثر، فقد يكون الحي سميعا لكن يتأثر سمعه مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للسماع، فيضع سماعة أو آلة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في سمعه له البقاء والكمال فيه على الدوام، وقد يكون الحي بصيرا لكن بصره يتأثر مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للإبصار، فيضع نظارة يستعين بها، فلا بد أن يكون قيوما في بصره له البقاء والكمال فيه على الدوام، فالحي قد يكون متصفا بالصفات لكنه يتأثر بالغفلة والسنات، فتتأثر وتضمحل الصفات، وربما ينام فتنعدم حال نومه، فلو كان قائما دائما لكملت حياته وبقيت صفاته، ولذلك قال تعالى : ( اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) فأثبت الحياة والقيومية اللازمة لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله .

 

أما دعاء الله باسمه القيوم دعاء مسألة ودعاء عبادة، فما يقال في اسمه الحي يقال في اسمه القيوم لأن اسمه القيوم دائما ما يقترن باسم الله الحي وقد تقدم الحديث عن ذلك .
( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .