طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الجلال في الكمال والجمال

ملتقى الخطباء

(6٬465)
88

الجلال في الكمال والجمال

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

“فمن حكمة الله أنه إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه الجمال، وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال، ومعلوم أن دوام الحال من المحال، فالوحيد الذي اتصف بالكمال والجمال هو رب العزة والجلال، كل اسم من أسمائه فيه الكمال والجمال”

 

 

 محمود الرضواني

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ لَوْ أَنْزَلنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعا مُتَصَدِّعا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (الحشر:24)

أما بعد:

فإن شرف العلم بشرف المعلوم، شرف العلم مرتبط بشرف المعلوم، والكلام عن أسماء الله وصفاته من أشرف العلوم، فمن أجل من الله ؟ ومن أعظم من الله ؟ ومن أرحم من الله ؟ ومن أحكم من الله ؟ هو الغني بذاته لا يفتقر لأحد من خلقه، بل الكل مفتقر إليه نواصيهم بيديه، أين يذهبون منه إلا إليه، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ) (فاطر:15) فأي فضل في علم من العلوم أعظم من معرفة الحي القيوم، الذي بين للناس كمال وصفه وسمو اسمه وعلو شأنه حين قال: ( اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ ) (البقرة:255) انظر إلى اهتمام الناس بعلم من العلوم كالتي تتعلق بالفضاء والنجوم، ودراسة النبات والإنسان، والأرض والحيوان، وغير ذلك مما هو معلوم، تجد اهتماما بالغا من مختلف الباحثين، وجهودا تستغرق الأيام والسنين، دون كلل منهم ولا تعب، ولا يشعرون بملل ولا نصب، كل ذلك في جهد يتعلق بنوع واحد من أنواع الخلق، بمخلوق من مخلوقات الحق ؟ ألا يستحق مالك الملك، الذي خلق السماوات والأرض بالحق، أن يكون العلم بأسمائه وصفاته علي قائمة العقلاء المحققين، وشغلهم بذكره ومعرفته زينة حياة الموحدين ؟ ولذلك فإن الباحثين الصادقين، إذا نظروا إلى السماوات والأرض، أو تأملوا في شيء من الملك، دلهم ذلك على عظمة الله وقدرته، وحكمته وعزته، فطلبوا راغبين طريق محبته، وازدادوا خشية في عبادته، خوفا من عذابه وطمعا في جنته ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفا أَلوَانُهَا، وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلوَانُهَا – عروق تكون في الجبال بيضاء وحمراء وسوداء – وَغَرَابِيبُ سُودٌ – الغربيب هو الشديد السواد الذي يشبه لونه لون الغراب- وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) (فاطر:28).

فالعلم بمخلوقات الله يبعث الخشية في القلوب، فما بالك إذا كان العلم بعلام الغيوب، فالعلم بأسماء الله وصفاته وفقه معناها والعمل بمقتضاها وسؤال الله من خلالها من أشرف العلوم، علم يحدث في القلب تعظيما لله وحبا وخوفا منه وقربا، وتوكلا وصدقا، فتسكن النفس بقربه وعبوديته، ويطمئن القلب بيقينه في عقيدته، فيذكره المؤمن خوفا وطمعا، خوفا من الذنب إقرارا لعظمته، وطمعا في القرب إدراكا لفضله ورحمته.

وينبغي أن نعلم أن ذكر الله ومدحه بأسمائه الحسنى يعود النفع فيه على الذاكر دون المذكور، بخلاف ذكر الإنسان ومدح الإنسان للإنسان، فإن النفع فيه يعود على الذاكر والمذكور، فإن الذكر بين الإنسان والإنسان يكون إما لرفع خسيسة أو دفع نقيصة، وإما لإثبات وصف وذكر حقيقة، وإما لمبالغة كاذبة وأغراض خبيثة، فترى الشخص ينفي النقص عن الآخر حتى تخلوا ساحته من النقائص والعيوب، وربما هو في الحقيقة مذنب مجرم معيوب، أو صادق مظلوم وحقه مسلوب، فذكر الآخرين له بالكمال في هذا الحال أمر مطلوب، يدفع من أجله ما يسترد به حقه المسلوب، أو يدفع عن نفسه بالباطل مختلف التهم والعيوب.

وبسبب ذلك كانت الشفاعة بين الناس مختلفة عن الشفاعة عند رب الناس إله الناس، فالشفاعة عند الله من دلائل توحيده، وكمال أسمائه وصفاته، ومن الخطأ الكبير، ومن الظلم العظيم أن يسوى بعض الجاهلين بين الشفاعة عند الله وما يتعلق بأحكامها، وبين الشفاعة التي تحدث بين الرعية وحكامها، فالشفاعة عند المخلوق ليست كالشفاعة عند الله، فالمخلوق أحيانا يقبل الشفاعة إلزاما واضطرارا، إما لوجود مصلحة تسعى إليها قرابته، أو إلزاما من حزبه لتبقى عليه سيادته، أو لفضل من المملوك على الملك، أو قدرة المملوك علي تنحية الملك، وعزله عن ملكه وسلطانه، أو التحكم في نقاط ضعفه بفضحه وإذاعة أسراره، وكشف ما هو مستور من مخازيه وسوء أحواله، فيضطر الحاكم أو الأمير أو الملك إلى قبول الشفاعة من المحكوم، والتغاضي عن العدل وإنصاف المظلوم، كل ذلك بغير إذنهم مجبرين على الشفاعة مكرهين، وهذه هي الفوضى والمحسوبية التي علل بها أصحاب الفرق الإسلامية نفيهم للشفاعة العظمي عن خير البرية صلى الله عليه وسلم، قالوا الشفاعة محسوبية وهذا لا يكون في الآخرة، فمن جهلهم أنهم قاسوا الشفاعة عند الخالق على الشفاعة عند المخلوق، وهذا جهل منهم بتوحيد الله، فالله إذا أخبرنا عن نفسه أنه سيقبل الشفاعة في الموحدين من المسلمين لو اقترفوا بعض أنواع العصيان علمنا أنها لا تماثل شفاعة الإنسان للإنسان، ولذا قال الله في أعظم آية في القرآن: ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ) البقرة/255، فالله عز وجل لن يقبل الشفاعة من أحد ولا في أحد، إلا إذا جاء إلى الله عبدا موحدا، مشابها في سلوكه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون العبد خالصا من شوائب التشبيه والشرك ، مقرا لله بالخلق والأمر والملك، وهذا شرط الشفاعة الذي حدده سيد الخلق، فقد ثبت عند البخاري من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ).

فالتوحيد والإذن شرط الشفاعة عند الله، ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ )(البقرة: من الآية255) ( وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )(سـبأ:23) ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم:26)، من هو صاحب الفضل عليه ؟ من الذي ساعده في إنشاء الخلق ؟ أو عاونه في تدبير الملك ؟ ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً ) (الكهف:51) ( وَقُلِ الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الإسراء:111) سبحانه لا شريك له في ملكه، ولا ظهير له في تدبير شئون خلقه، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، مازال بأسمائه وصفاته له الجلال والكمال والجمال.

وكما قال الإمام الطحاوى: ( ما زال بصفاته قديما قبل خلقه ) فهو سبحانه وتعالى أول ليس قبله شيء، متصف بصفات الكمال قبل خلقه لكل شيء، فأسماؤه وصفاته أزلية أبدية، فكما أنه في ذاته أول بلا ابتداء فكذلك أسماؤه وصفاته تابعة لذاته، فهي أولية بأولية الله سبحانه وتعالى، فلم يكن أولا بلا أسماء ولا صفات ثم سماه الناس وحدثت له الصفات، تعالى الله عما يقوله أهل الضلال من أصحاب الاعتزال، الذين يقولون: لم تكن له صفات في الأزل قبل خلق الخلق ثم اكتسب الصفات بعد وجود من وصفه وسماه، فسبحان الله وتعالى عن قول الجاهلين ! فقولهم هذا يلزم منه أن يكون الله ناقصا في فترة، ثم اكتسب أسماء وأوصافا وكمالا لم يكن من قبل، تعالى عما يقولون، فالله عز وجل هو الغني عن سواه، وجميع خلقه هم الفقراء إلى الله، ولذلك قال الإمام الطحاوى: ( لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته ) أي وجود المخلوقات لم يزده كمالا كان مفقودا أو يزيل نقصا كان موجودا، فلا نقول كما قال الجاهلون لم يكن الله خالقا إلا بعد أن خلق الخلق، ولم يكن رازقا إلا بعد ظهور الملك، فهذا شأن المخلوق وليس شأن ملك الملوك، المخلوق نقول عنه عالما بعد اكتساب العلم وزوال الجهل، وخبيرا بعد اكتساب الخبرة ومزاولة المهنة، ونقول عنه ملكا بعد اكتساب الملك وظهور العزة، ونقول عنه حكيما بعد ظهور الحكمة، وطيبا رحيما بعد ظهور الرحمة، أما ربنا تبارك وتعالى فله الكمال في أزليته وأبديته.

 

قال الإمام الطحاوى:( وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ) من أسماء الله عز وجل الباري، يعني الخالق، برى الخلق يعني خلقهم فهو الباري، وهذا الاسم ملازم لذاته ليست له بداية ولا نهاية، وهنا يظهر لنا الكمال، فلو ضربنا لكم مثال، بقياس الأولي، نقول: الرجل إذا كان في قريته ذليلا فقيرا ضعيفا، واكتسب أوصاف الكمال فأصبح عزيزا غنيا قويا، فإن الناس لا ينسون أوصاف نقصه، حتى لو بلغ به الكمال فيه مبلغه، يتذكرون حال فقره ويذكرونه بضعفه، يقولون: أنت فلان الذي كنت مهينا ذليلا، فقيرا ضعيفا، كل ذلك لأنه اكتسب كمالا لم يكن من قبل، لكنه لو انتقل وهو في حال الكمال إلى بلد آخر لا يعرفه الناس فيه فرأوه من بدايته عزيزا غنيا، منيعا قويا، فإنهم لا يذكرونه على الدوام إلا بالكمال، ولا يعرفون وصفه إلا مقترنا بالعزة في كل حال، فيصفونه بالعزة والغنى والقوة، ومن هنا قيل: كان كراعا فصار ذراعا، والكراع هو القزم الصغير وهذا يضرب مثلا للرجل الذليل يصير عزيزا كبيرا.

دخل أبو العباس السراج على أبي عمرو الخفاف فقال له يا أبا العباس من أين جمعت هذا المال فقال يا أبا عمرو بغيبة عن نيسابور مائة وعشرين سنة قال وكيف ذاك قال غاب أخي إبراهيم أربعين سنة وغاب أخي إسماعيل أربعين سنة وغبت أنا مقيما ببغداد أربعين سنة أكلنا العشب ولبسنا الخشن حتى جمعنا هذا المال، ولكن أنت يا أبا عمرو من أين جمعت هذا المال: أتذكر إذ لحافك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير، فسبحان الذي أعطاك ملكا وعلمك الجلوس على السرير، ويقال أيضا أن ذلك حدث بين أعرابيين صديقين يعشيان فقيرين بالبادية غير أن أحدهما ويقال له زيد ذهب إلى المدينة وتقرب من الحجاج بن يوسف الثقفي حتى أمره على أصبهان، فسمع عنه صديق فقره الذي بالبادية، فشد إليه الرحال حتى وصل إلى قصره وحاول لقاءه فمنعه الحراس أياما حتى أذن له بالدخول، فأخذه الحاجب وقال له سلم على الأمير زيد، فلم يلتفت إلى قوله ثم أنشد قائلا، فلست مسلما ما دمت حيا على زيد بتسليم الأمير، ثم قال لزيد: أتذكر إذ لحافك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير، فقال: نعم أذكره ولا أنساه قال له: فسبحان الذي أعطاك ملكا وعلمك الجلوس على السرير.

 

فمن شهد النقص في شخص تحول عنه إلى الكمال، يعز عليه أن ينسى ما سبق له من سوء الحال، فسيتكثر عليه مدحه بكماله، ويسهل عليه الذم وتذكيره بسوء حاله، هذا فينا كبشر، لكن رب البشر ما عرفنا إلا ربا معبودا له الجلال والكمال والجمال، ما عرفناه إلا ملكا قدوسا سلاما مؤمنا مهيمنا عزيزا جبارا متكبرا خالقا بارئا مصورا، ولذلك قال الإمام الطحاوى: ( له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق ) هو رب العالمين قبل وجود العالمين وحال وجود العالمين وبعد فناء العالمين هو رب العالمين هو الرب قبل أن توجد المربوبات، والرب معناه الخالق المدبر، المالك المتصرف، السيد المصلح، وهذه الصفات لازمة للذات، فالله يوصف بالربوبية بلا بداية ولا نهاية، قبل وجود المربوبات وبعد فناء المربوبات، فالله غني بذاته عن العالمين له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته وربوبيته للخلق أجمعين.

 

يقول الإمام الطحاوى: ( ذلك بأن الله على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير لا يحتاج إلى شيء: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى:11).
وهذا وصف أزلي، لا يقال أن الله ما وصف بالقدرة إلا بعد أن خلق وأوجد المخلوقات، بل القدرة صفة أزلية، وإنما وجود المخلوقات أثر ناتج من كونه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، لا شيء يمكن أن يستغني عن الله، كل شيء فقير إلى الله: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ) (فاطر:15) ( وَقُلِ الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الاسراء:111) ذلك بأن الله على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير لا يحتاج إلى شيء: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ).

فإذا ذكرت الله بأسمائه فاعلم أنك أنت المستفيد، النفع يعود عليك من رب العبيد، أما هو سبحانه فهو الغني الحميد، يعود النفع في الذكر على الذاكر لا المذكور، أما ذكر غيره فالنفع يعود على الذاكر والمذكور، ( مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج:74:73) من لم يوحد الله فما قدر الله حق قدره، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الخالق والمخلوق في الحب والخوف والرجاء، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الملك والمملوك في الاستغاثة والدعاء، وصف الله حال المشركين في الجحيم وهو يتنازعون ويختصمون: ( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِنْ كُنَّا لفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالمِينَ وَمَا أَضَلنَا إِلا المُجْرِمُونَ ) (الشعراء:99:95) من السميع لما ذهبت إلي أصم أبكم ؟، ومن البصير لما استغثت بعاجز عم ؟، ومن الغني لما توجهت إلي فقير معدم ؟، ومن القدير لما ذهبت إلي مقبور آدم ؟، ومن الرزاق الذي رزق يونس في اليم ؟ ( وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) (الأنعام:123): ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الفُقَرَاءُ إِلي اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ ) (فاطر:15) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ هَل مِنْ خَالقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَأَنَّي تُؤْفَكُونَ ) (فاطر:3) روى الإمام مسلم 2577 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ فِيمَا رَوَي عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتعالي أَنَّهُ قَال: يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَتْقَي قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلكَ فِي مُلكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا على أَفْجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلكَ مِنْ مُلكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ مَا نَقَصَ ذَلكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِل البَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَليَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَه ).

فالله عز وجل بذكره تطمئن القلوب وتتلاشى الذنوب: ( الذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ) (الرعد:28) ودعك ممن جعل الذكر ترك الذكر بحجة عدم النسان، كما قال الزنديق الذي ينطق بلسان الشيطان، محي الدين ابن عربي داعي الكفر بحجة الإيمان: دع الذكر والتسبيح إن كنت عاشقا : فليس يديم الذكر إلا المنافق – إذا كان من تهواه في القلب حاضرا: وأنت تديم الذكر كنت منافقا – ويقول أيضا: ألا بذكر اللَّه تزداد الذنوب: وتنعكس البصائر والقلوب – وترك الذكر أفضل كل شيء: فشمس الذات ليس لها غروب.

فلا عبرة بهذه البدعة الكفرية تحت حسن النية والتي يراها بعض المعاصرين قمة إيمانية، هذه البدعة يدعو فيها ابن عربي إلى ترك الذكر بحجة انعدام النسيان ومتي كان عدم النسيان سببا في هلاك الشيطان ؟ إنما الهلاك في عدم امتثاله لأمر ربه، واستكبار وحسده وحقده.

فالله عز وجل فطر القلوب على ذكره وحبه، فطرهم على عبادته لجلاله وكماله، وجماله في أسمائه وصفاته وأفعاله، أسماء الله كلها حسني وكلها عظمي، ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام ) (الرحمن:78) أجمع القراء ها هنا على الياء، تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي وكذلك في مصاحف أهل الحجاز والعراق، وتفرد ابن عامر بالواو تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو لأنه جعل ذو وصفا للاسم، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، قال شيخ الإسلام في دقائق التفسير ( وهو في مصحف أهل الشام تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام، وهي قراءة ابن عامر فالاسم نفسه موصوف بالجلال والإكرام وفي سائر المصاحف وفي قراءة الجمهور ذي الجلال فيكون المسمى نفسه موصوفا بالجلال والإكرام ).

( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام ) والجلال منتهي الحسن والعظمة في الذات والأسماء والصفات، وهو يقوم على ركنين اثنين: الركن الأول هو الكمال، والركن الثاني هو الجمال، فالكمال هو بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، فانظر إلى حكمة الله وانفراده عمن سواه، فإن الله إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه الجمال، وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال، انظر إلي حكمة الله فيمن أعطاهم الكمال وسلبهم الجمال، غني بلغ الكمال في الغني ولكنه مريض بالسكر أو قبيح في المنظر أو جاهل أكبر، أو عقيم يشتهي الولد ويتمناه، فهو لا يسعد بماله ولا غناه، ولا ينعم بلذة الحياة إلا إذا أدرك الحكمة وحسن تقدير الله، وأن القدر والابتلاء سر الله في هذه الحياة، فسلم لله وآمن بقدر الله، أو انظر إلي امرأة لها كمال في الخلق والنسب، ولها منزلة في الشرفِ والحسب، وهي أبعد ما يكون عن الخيانة، ومتصفة بالصدق والأمانة، ولكنها في الجمال قبيحة لا تسر الناظرين، دميمة ترعب الخاطبين، أو انظر إلي من أعطاه الله أرضا كبيرة واسعة، لكنه يفشل في استصلاحها لأي منفعة.

وعلى العكس من ذلك انظر إلي من أعطاهم الجمال وسلبهم الكمال، رجل عالم ذكي قوي فتي، لكنه فقير مهان يبيت جوعان ولا يجد ثوبا يستر الإنسان، أو انظر إلي امرأة جمالها يتغنى به الشبان، وقوامها لا تراه العينان، لكنها تخون زوجها، ولا تصون عرضها، وهي معرة على أهلها، وكل الناس يتمني موتها، أو انظر إلي فلاح بسيط ليس له من الأرض سوي بضعة قراريط، لكن زراعته بارعة، وأشجاره طالعة، وثمارها يانعة، مناه في الحياة أن تكون أرضه واسعة لكن الحلو لا يكمل.

وقد يعطي الله الكمال والجمل لأحد من خلقه لكن يسلبه دوام الحال، سليمان أعطاه الله الملك والعزة، فكان قويا غنيا، وملكا نبيا، لديه الدنيا بأسرها، وبهجةُ الحياة بأنواعها، وسخرها لله بالطاعة والإيمان، وسعادة العيش وحسن توجيه الحق للإنسان، فانظر إلي قول سليمان وتوحيده لرب العالمين، عندما رأي عرش بلقيس منقولا من اليمن إلي فلسطين، ومستقرا بين يديه بقدرة الله: ( قَال هَذَا مِنْ فَضْل رَبِّي ) (النمل:40) فالفضل ليس لي ولا لجندي، وإنما هو فضل ربي، وقد استرعاني في ملكه واستخلفني ( ليَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل:40) فسليمان عليه السلام أعطاه الله الكمال والجمال لكنه سلبه دوام الحال، لأننا في دار ابتلاء، والموت حكم الله في السماء، فمات عليه السلام، ولم ولن يبقي إلا الحي الذي لا يموت ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ ) (آل عمران:185) ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالأِكْرَامِ ) (الرحمن:27) ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3).

فالجلال في أسمائه وصفاته مبني على الكمال والجمال وليس ذلك إلا لرب العزة والجلال، هو الملك له في ملكه الكمال والجمال، ملكه دائم وهو في ملكه عليم قدير يفعل ما يشاء له مطلق الخلق والتدبير وهذا هو الكمال، أما الجمال في الملك فقيامه على الحق، لا يظلم فيه أحدا ولا يشرك في حكمه أحدا، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه يقبل التوبة عن عباده وهو قادر على إهلاكهم ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم:42)، لكن ملوك الدنيا إن استتب لهم كمال الملك وأحكموا قبضتهم على الخلق، ضيعوا الجمال في الملك بظلم الخلق وضياع الحق، وإن جمعوا بين الكمال والجمال سلبهم دوام الحال، فما يلبث أن يموت الخليفة العادل أو يغتال أو يقتل.

فالجلال لله وهو مبني على الكمال والجمال، وقد يكون الكمال أو الجمال ناقصا، لكن هو في عين المحب كامل جميل، فلا يري المحب أحدا أحسن من محبوبه على الرغم من نقصه وعيوبه، كما يحكي أن عزة التي أحبها كثير، وتغني بحبها حتى بلغ الآفاق دخلت على الحجاج فقال لها: يا عزة والله ما أنت كما قال فيك كثير، فقالت: أيها الأمير إنه لم يرن بالعين التي رأيتني بها، فالمحب يري قبح المحبوب في عينه جمال، ألا تري أنه في المثل يقال، القرد في عين أمه غزال.

وقد يكون الجمال في منتهاه والكمال في أعلاه، ولكن المحب لا يشعر بجمال محبوبه ولا بكماله فتنعدم المحبة، ولهذا أمرت النساء بستر وجوههن عن الرجال، فإن ظهور الوجه وخصوصا وجوه الحسان، يدعو القلوب إلي النظر والافتتان، ولهذا أيضا أجاز الشرع للخاطب أن ينظر إلي المخطوبة، فإنه إذا شاهد حسنها وجمالها، ورأي الكمال في سلوكها، كان ذلك أدعي إلي حبها وباعثا للرغبة في التعلق بها، روي ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني من حديث المُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه أنه قَال: ( أَتَيْتُ النبي صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ لهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا فَقال: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِليْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا، قَال: فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَخَطَبْتُهَا إِلي أَبَوَيْهَا وَأَخْبَرْتُهُمَا بِقَوْل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلكَ، قَال المُغِيرَة: فَسَمِعَتْ ذَلكَ المَرْأَةُ وَهِيَ فِي خِدْرِهَا، فَقَالتْ: إِنْ كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ فَانْظُرْ وَإِلا فَإِنِّي أَنْشُدُكَ – ألا تفعل – قَال المُغِيرَة: فَنَظَرْتُ إِليْهَا فَتَزَوَّجْتُهَا ).

فمن حكمة الله أنه إن أعطي الكمال لأحد سواه سلبه الجمال، وإن أعطي الجمال لأحد سواه سلبه الكمال، وإن أعطي الكمال والجمال لأحد سواه سلبه دوام الحال، ومعلوم أن دوام الحال من المحال، فالوحيد الذي اتصف بالكمال والجمال هو رب العزة والجلال، كل اسم من أسمائه فيه الكمال والجمال، ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام ) فإذا أضفت إلي كماله وجماله ما كان من إحسانه في ملكه، وإنعامه على خلقه، فإنه لا يتخلف عن حبه إلا الجاحدون وأصحاب القلوب والخبيثة، والنفوس الخسيسة، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسنين إليهم، المتصفين بالكمال لديهم، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها القلوب، فمن المعلوم أن مقلب القلوب لا أحد يعظمه إحسانا وجمالا، أو إنعاما وكمالا، فلا شيء أكمل من الله، ولا شيء أجمل من الله، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته، وكمال قدرته وبديع حكمته، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثني على نفسه، له على خلقه وجنه وإنسه، النعمة السابغة، والحجة البالغة، والسطوة الدامغة، ليس في أفعاله عبث، ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن المصلحة والحكمة، والفضل والرحمة، كلامه صدق، ووعده حق، وعدله ظاهر في سائر الخلق، إن أعطي فبفضله ورحمته، وكرمه ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته، وقد وصفه نبينا بأنه جميل، روي الإمام مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قَال: ( إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَال ) له جمال الذات وجمال الصافات، وجمال الأفعال في سائر المخلوقات، لا تقوى الأبصار في هذه الدار على النظر إلي رب العزة والجلال.

( اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ) (طه:8) فأي محبوب لنا أعظم ممن خلقنا وإليه مرجعنا، وأي كمال لغيره يضاهي كمال ربنا وجماله، وحسنه وجلاله، يقول تعالى: ( وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف:180) ( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ) (الإسراء:110) ( هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (الحشر:24).

وله الحياة كمالها فلأجل ذا: ما للمات عليه من سلطان – وكذلك القيّوم من أوصافه: ما للمنام لديه من غشيان – وكذاك أوصاف الكمال جميعها: ثبتت له ومدارها الوصفان – فمصحح الأوصاف والأفعال والأ: سماء حقا ذانك الوصفان – ولأجل ذا جاء الحديث بأنه: في آية الكرسي وذي عمران – اسم الإله الأعظم اشتملا على اسم الحي والقيوم مقترنان – فالكل مرجعها إلى الاسمين يدري ذاك ذو بصر بهذا الشان، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.