طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > كبير حكيم عزيز كريم قدوس سلام

ملتقى الخطباء

(3٬127)
86

كبير حكيم عزيز كريم قدوس سلام

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” والحكيم اسم يدل على صيغة تعظيم لصاحب الحكمة ، والحكيم في حق الله تعالى بمعنى العليم بالأشياء الذي أوجدها على غاية الإحكام والإتقان والكمال ، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويعلم خواصها ومنافعها ، وهو الخبير بحقائق الأمور الذي يعلم ما خفي من أنواع العلوم ، أما الحكمة في حق العباد فهي الصواب في القول والعمل بقدر طاقة البشر.. “

 

 

 

 

الشيخ: محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

الحمد لله الذي من علينا بنعمة الإسلام ، وجعل التوحيد زينة الموحدين على الدوام ، فعظموا ربهم ووحدوه وعبدوه وأحبوه ، واعتقدوا أنه أول ليس قبله شيء ، وآخر ليس بعده شيء ، وظاهر ليس فوقه شيء ، وباطن ليس دونه شيء ، لم يزل متصفا بصفات الكمال ولا يزال ، دائما باقيا بلا انقضاء ولا زوال ، يعلم دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3) ، وأشهد ألا إله إلا الله ، شهادة توافق ما قال ربنا جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ، وجلت آلاؤه ، وشهدت بها ملائكته وأنبياؤه ، (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُو العِلمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلا هُوَ العزيز الحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ ) (آل عمران :18) ، ونصلي ونسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وآخر نبي للخلق أجمعين ، وصاحب المقام عند مجيء رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن سار على دربهم بإحسان إلي يوم الدين ، ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلحْ لكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب :71).

 

أما بعد:

فحديثنا اليوم يدول حول شرح ما تيسر من أسماء الله الحسني التي تدل على أوصاف ذاته سبحانه وتعالى ، حديثنا عن اسم الله الكبير واسمه الحكيم واسمه العزيز واسمه الكريم وكذلك القدوس والسلام .

الاسم الثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الكبير فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في النصوص النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ) (لقمان:30) فالاسم فيه أداة أل ، وكذلك قوله تعالى : ( وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ ) (سبأ:23) وقوله : ( عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ ) (الرعد:9) وأيضا في قوله : ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ) (الحج:62) ودخلت عليه آدة الجر في قوله : ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ لِلهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ ) (غافر:12) ، (الإسراء:43) وكذلك التوين في قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) .
وفي السنة عند الإمام البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ في السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ ، كَالسِّلسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ ، قَالُوا لِلذِي قَالَ : الحَقَّ وَهْوَ العَلِىُّ الكَبِيرُ ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى ، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ ، قَبْلَ أَنْ يَرْمِىَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِىَ بِهَا إِلَى الذِي يَلِيهِ إِلَى الذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلقُوهَا إِلَى الأَرْضِ ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ فَتُلقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ ، فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا ، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلكَلِمَةِ التِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ .
والكبير هو العظيم في كل شيء عظمة مطلقة ، وهو الذي كبر وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل من سواه ، فله علو الذات وعلو القهر وعلو الشأن ، واسم الله الكبير يدل على ذات الله وعلى صفة العظمة والكبر بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الكبر وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والقدرة والقوة ، والعزة والعظمة ، وكل ما يلزم لقيام العظمة المطلقة وما يترتب عليها ، واسم الله الكبير دل على صفة من صفات الذات .

كيف ندعو الله باسمه الكبير دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في صحيح مسلم من حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أنه قَالَ : ( جَاءَ أعرابي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَلِّمْنِى كَلاَمًا أَقُولُهُ ، قَالَ : قُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ، قَالَ : فَهَؤُلاَءِ لِرَبِّى فَمَا لي ؟ قَالَ : قُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لي وارحمني وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي ) ، وفي صحيح مسلم أيضا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنه قَالَ : ( بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ : مَنِ القَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : عَجِبْتُ لَهَا ، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ يَقُولُ ذَلِكَ ) .
وعند البخاري من حديث أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ : ( جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ – الأغنياء – مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلاَ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا ، وَيَعْتَمِرُونَ ، وَيُجَاهِدُونَ ، وَيَتَصَدَّقُونَ ، قَالَ : أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ ، تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ ، وَتُكَبِّرُونَ خَلفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَنَحْمَدُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ . فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : تَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ ، وَالحَمْدُ لِلهِ ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ) قَالَ أَبُو صَالِحٍ : فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) .

أما دعاء العبادة ، فهو توحيد الله بالعبودية وخلع أوصاف الربوبية عن النفس ، فلا يتكبر ولا يتمظهر ولا يتبخطر ولكن يتواضع لله ويكبره تكبيرا ( وَقُلِ الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) (الإسراء:111) فلا يخلع العبد عن نفسه رداء العبودية لينازع ربه ويتشبه به في الكبرياء والفوقية فقد ثبت عند ابن ماجة وأبي داود وصححه الشيخ الألباني في الحديث القدسي أن رب العزة قال : ( الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي شَيْئًا مِنْهُمَا أَلقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ) قصمته عذبته ألقيته في النار قذفته في النار ، وروى الإمام مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) .
فوجب على العبد أن يخلص لله في عمله ليجعل الكبرياء والتوحيد لربه ، ( لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ) (الحج:37) ( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُكْمُ لِلهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ ) (غافر:12) ،

الاسم الحادي والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الحكيم ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم أيضا في النصوص النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (البقرة:129) واسمه الحكيم في أغلب النصوص ورد مقترنا باسمه العزيز كقوله ( هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (آل عمران:6) ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (آل عمران:62) ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيم ِ) (آل عمران:126) ، وورد أيضا مقترنا باسمه الخبير واسمه العليم ( الحَمْدُ لِلهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ) (سبأ:1) ( وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ) (الأنعام:18) ( وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ) (الزخرف:84) ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلمَ لَنَا إِلا مَا عَلمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ) (البقرة:32) ( قَالَ بَل سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ) (يوسف:83) .
وعند البخاري ومسلم ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) أَلاَ وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، أَلاَ وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ؟ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم ُ) قَالَ : فَيُقَالُ لِي إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ) .

والحكيم اسم يدل على صيغة تعظيم لصاحب الحكمة ، والحكيم في حق الله تعالى بمعنى العليم بالأشياء الذي أوجدها على غاية الإحكام والإتقان والكمال ، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويعلم خواصها ومنافعها ، وهو الخبير بحقائق الأمور الذي يعلم ما خفي من أنواع العلوم ، أما الحكمة في حق العباد فهي الصواب في القول والعمل بقدر طاقة البشر ، وقد تحدثنا فيما سبق عن مناظرة جرت بين أبي الحسن الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي في رجل أبي على الجبائي ، فقال له : هل يجوز أن يسمى الله تعالي عاقلا ، فقال الجبائي : لا لأن العقل مشتق من العقال ، وهو المانع ، والمنع في حق الله محال ، فامتنع الإطلاق ، فقال أبو الحسن الأشعري : فقلت له : فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيما لأن هذا الاسم مشتق من الحكمة والحكمة مشتقة من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : فنحكم بالقوافي من هجانا : ونضربُ حين تختلط الدماء ، وقول الآخر : أبني حنفية حكموا سفهاءكم ، إني أخاف عليكمو أن أغضبا ، أي نمنع بالقوافي من هجانا ، وامنعوا سفهاءكم .

فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع ، والمنع على الله محال ، لزمك أن تمنع إطلاق حكيم على الله سبحانه وتعالى ، قال : فلم يجب الجبائي إلا أنه قال لي : فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا وأجزت أن يسمى حكيما ؟ قال : فقلت له : لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيما لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلا لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته .

واسم الله الحكيم يدل على ذات الله وعلى صفة الحكمة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الحكمة وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلم والقدرة ، والعزة والعظمة ، وكل ما يلزم لقيام الحكمة المطلقة وما يترتب عليها .

كيف ندعو الله باسمه الحكيم دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في صحيح مسلم من حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أنه قَالَ : ( جَاءَ أعرابي إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَلِّمْنِى كَلاَمًا أَقُولُهُ ، قَالَ : قُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ، قَالَ : فَهَؤُلاَءِ لِرَبِّى فَمَا لي ؟ قَالَ : قُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لي وارحمني وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي ) .

أما دعاء العبادة ، فهو اختيار العبد لمنهج الله دليلا وهاديا ، لعلمة أن الكمال في اتباعه وأن الله وضعه عن علم وحكمة فشتان بين منهج من وضع علماء البشر ومنهج من وضع الحكيم الخبير ، يقول : ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) ، فالحكيم من البشر هو الذي اتبع منهج الحكمة ووحد الله في اسمه الحكيم : ( كَمَا أَرْسَلنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:151) ( يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلبَابِ ) (البقرة:269) ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) ، كما أنه من دعاء العبادة أن يدعو المسلم إلى ربه بالحكمة : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ) (النحل:125) .

الاسم الثاني والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه العزيز فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في كثير من النصوص النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما جاء في قوله تعالى : (هُوَ الذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (آل عمران:6) واسم الله العزيز ورد في أغلب آيات القرآن مقترنا باسمه الحكيم ، لأن العزة إذا أضيفت إلى الحكمة ، ظهر جمال العزة وكمالها ، فكمالها وصول الوصف أعلاه وهو مطلق العزة ، وجمالها وصول الحسن منتهاه ، فقد يكون العزيز منا عزيزا لكنه ظالم متهور ، جاهل متكبر ، لكن لو اكتست العزة بالحكمة والعلم والخبرة لظهر كمال العزة وجمالها ، من أجل ذلك اقترن اسمه العزيز باسمه الحكيم : ( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُو العِلمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (آل عمران:18) ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيم ُ) (آل عمران:62) ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ) (آل عمران:126) (لِلذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (النحل:60) ويرد أيضا اسمه العزيز مقترنا باسمه الرحيم ، لبيان أن العزيز غالب على الخلق أجمعين حتى لو أعرضوا عن رب العالمين ، وأنه سينصر عباده الموحدين ولو بعد حين فالنصر والعزة للإسلام والمسلمين ، وهو في المقابل بالمؤمنين المستضعفين رؤوف رحيم طالما أنهم وحدوه في اسمه العزيز ، كما في قوله : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:9) ذكر الله هذه الآية بعد ذكر هلاك الأمم الماضية الذين بغوا في الأرض وعصوا الرسل في تسع مواضع في سورة الشعراء : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:9) ، ويرد أيضا مقترنا باسمه العليم ، لأنها عزة غني قوي لا يخلق سدا ولا يتخذ خلقه لهوا ولعبا ، ولكنه يفعل عن علم وحكمة ، خلقهم بقدرته ، متعاليا بعزته ، لكنه في المقابل أحكم صنعته بعلمه ، وأكملها وأتقنها بفضله ، خلق الخلائق فسواها ، وقدر أمورها فهداها ، وهو الذي أحياها ويعلم متي يتوفاها ، فالفضل له والمجد ، هو العزيز الذي يستوجب الحمد ، فاسمه العزيز ورد مقترنا أيضا باسمه الحميد كما في قوله : ( الر كِتَابٌ أَنْزَلنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ ) (إبراهيم:1) فهو عزيز عليم ( فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الليْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ) (الأنعام:96) ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ) (يّس:38) ( تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ) (غافر:2) ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ) (فصلت:12) ( وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ) (الزخرف:9) وورد اسمه العزيز مقترنا الوهاب ( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهَّابِ ) (صّ:9) واسمه الغفار ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ الليْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الليْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ ) (الزمر:5) ..

وعزة الله عزة عن أوصاف حقيقية ، اتصفت بها الذات الإلهية ، وليست عزة معنوية قائمة على أوصاف الآخرين وقدرتهم ، كما هو حال المتعززين من أصحاب المكانة الاجتماعيه ، الذين تعززوا بأوصاف غيرهم وقاموا في حكمهم على استغلال غيرهم واستحلال أموالهم وخيراتهم ، فاسمه العزيز يقترن باسمه القوي لأن الله عزيز بقوته وقدرته , فهو الغالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون , وهو عزيز بقدرته فلا يعجزه شيء من خلقه ، وهو سبحانه العزيز الجبار ؟ ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ ) (هود:66) ( اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ ) (الشورى:19) فالعزيز يعني الغالب الذي لا يهزم ، الذي عزّ وقوى وسلم من الذل ، يقال عز فلان على فلان أي له فضل وكرم عليه , وله عز على فلان يعني غلبه وقهره ، وأعز فلان فلانا يعني جعله قويا عزيزا ، واسم الله العزيز يدل على ذات الله وعلى صفة العزة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة العزة وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والقدرة والأحدية ، والسيادة والصمدية ، وكمال العلم والعظمة ، وكل ما يلزم لقيام صفة العزة وما يترتب عليها .

كيف ندعو الله باسمه العزيز دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في دعاء إبراهيم عليه السلام الذي ورد في قوله تعالى : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (البقرة:129) ( رَبَّنَا لا تَجْعَلنَا فِتْنَةً لِلذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الممتحنة:5) وفي دعاء عيسي عليه السلام ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (المائدة:118) وفي دعاء حملة العرش للمؤمنين : ( رَبَّنَا وَأَدْخِلهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (غافر:8) ، وفي الجامع الصغير للسيوطي وصححه الشيخ الألباني من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور من الليل – تقلب وتلوى من شدة الألم – قال : لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار .

أما دعاء العبادة ، فهو مظهر العزة التي يشعر بها المسلم في توحيده لربه ، وعبوديته وحبه ، وعلمه أن العزة في اتباع أمره ، وأنه العزيز الذي جعل العزة لنبيه ، وأتباعه وحزبه ، ولا يرضي بديلا عن عزة الإسلام وأهله ، حتى لو كانت لعشيرته وقومه ، ورد في صحيح البخاري من حديث عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا رضي الله عنه يَقُولُ : غَزَوْنَا مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم – فِي غَزْوَةُ بَنِى المُصْطَلِقِ – وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا – ضربه على دبره بيده – ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا ، حَتَّى تَدَاعَوْا ، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا شَأْنُهُمْ ، فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ : أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا ، لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، وفي رواية الترمذي فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِق ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ : وَاللهِ لاَ تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أَنَّكَ الذَّلِيلُ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم العَزِيزُ ، فَفَعَل َ.

وفي رواية عند البخاري من حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْتُ فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ يَقُولُ : لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ وَلَوْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّى أَوْ لِعُمَرَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَانِى فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصَدَّقَهُ فَأَصَابَنِى هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِى مِثْلُهُ قَطُّ ، فَجَلَسْتُ فِى الْبَيْتِ فَقَالَ لِى عَمِّى مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَقَتَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) فَبَعَثَ إِلَىَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ : ( إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ … إلى قوله : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لزيد : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ ) .

الاسم الثالث والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الكريم ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في النصوص النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى 🙁 يَا أَيُّهَا الأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ) (الانفطار:6) ( قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل:40) وقوله تعالى : ( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ ) (المؤمنون:116) عند من قرأ الكريم بالرفع . وعند الترمذي وصححه الألباني من حديث عَلِىٍّ رضي الله عنه أنه قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلتَهُنَّ غَفَرَ اللهُ لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ ، قَالَ : قُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَلِىُّ العَظِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ ) ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث سَلمَانَ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا ) وعند الترمذي وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنها قَالَتْ قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَي لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ : قُولِي اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى .

الكريم في اللغة هو الشيء الحسن النفيس الواسع السخي ، والفرق بين الكريم والسخي أن الكريم هو كثير الإحسان بدون طلب والسخي هو المعطى عند السؤال ، والكريم اسم يدل على الموصوف بالكرم ، والكرم السعة والعظمة والشرف والعزة والسخاء في العطاء ، والله هو الكريم في ذاته عزيز عظيم له الشرف والرفعة والعلو وهو الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه ، والله سمي نفسه الكريم لأنه الذي يعطى ما يشاء لمن يشاء وكيف يشاء بسؤال وغير سؤال ، وهو يعفو عن الذنوب ويستر العيوب ويجازي المؤمنين بفضله يمنحهم الثواب الجزيل في مقابل العمل القليل .

واسم الله الكريم يدل على ذات الله وعلى صفة الكرم والسعة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الكرم وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والغني والصمدية ، والعلو والفوقية وكل ما يلزم لقيام صفة الكرم وما يترتب عليها .
كيف ندعو الله باسمه الكريم دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في حديث عَلِىٍّ رضي الله عنه أنه قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلتَهُنَّ غَفَرَ اللهُ لَكَ وَإِنْ كُنْتَ مَغْفُورًا لَكَ ، قَالَ : قُل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَلِىُّ العَظِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ ) ، وحديث عَائِشَةَ أنها قَالَتْ قُلتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَي لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ : قُولِي اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى ، وفي سنن أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ حُفِظَ مِنِّى سَائِرَ الْيَوْم ِ.

 

أما دعاء العبادة ، فهو أن يتحلى المسلم بوصف الكرم والسخاء والجود والعطاء لعلمه أن الله هو الكريم ، يبتغي الأجر والفضل منه وحده لا شريك له ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورا ً) (الإنسان:9) ( إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) (يّس:11) ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) (الحديد:11) ( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) (الحديد:18) وعند ابن ماجة وصححه الألباني من حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ) ، وفي صحيح مسلم من حديث أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِى عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ ، فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلاَّ الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلاَمُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا .

 

الاسم الرابع والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه القدوس ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في بعض النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم فمن القرآن قوله تعالى : ( هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (الحشر:23) ( يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ) (الجمعة:1) ومن السنة ما ورد في سنن أبي داوود وصححه الشيخ الألباني عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ، وَقُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ ، وَقُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، وَكَانَ إِذَا سَلمَ قَالَ : سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ ، يُطَوِّلُهَا ثَلاَثاً .
وفي صحيح مسلم من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ ، وفي سنن أبي داوود وقال الشيخ الألباني حسن صحيح من حديث شَرِيقٌ الهَوْزَنِىُّ أنه قَالَ دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَسَأَلتُهَا بِمَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ الليْلِ فَقَالَتْ : لَقَدْ سَأَلتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ : كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ الليْلِ كَبَّرَ عَشْرًا وَحَمِدَ عَشْرًا وَقَالَ : سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ، عَشْرًا وَقَالَ : سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ عَشْرًا ، وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا ، وَهَللَ عَشْرًا – قال لا إله إلا الله – ثُمَّ قَالَ : اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا وَضِيقِ يَوْمِ القِيَامَةِ عَشْرًا ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ .

والقدوس يعني المطهر المنزه ، تقدّس في اللغة تعني أنه تطهر ، ومنها التقديس أي التطهير ، والقدس تعنى الطهر ومنها سميت الجنة حظيرة ، كما ورد عند البزار وهو صحيح لغيره من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس ، ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس ، وسمى جبريل عليه السلام روح القدس : ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:102) ، والقداسة تعنى الطهر والبركة ، وقدس الرجل ربه أي عظمه وكبره وطهر نفسه بتوحيده وعبادته ومحبته وطاعته , ومنها قول الملائكة : ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:30) .

 

واسم الله القدوس يعني المنزه المطهر المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، فالله عز وجل ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) والتقديس هو خلاصة التوحيد الحق ، وهو إفراد اللَّه سبحانه وتعالي بذاته وصفاته وأفعاله عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم ، فالله نزه نفسه عن كل نقص وأثبت لنفسه أوصاف الكمال والجمال والجلال مع علو شأنه في كل حال ، فهو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا مثيل له فنحكم على كيفية أوصافه من خلاله ، ولا يستوي مع سائر الخلق فيسري عليه قانون أو قياس أو قواعد تحكمه كما تحكمهم لأنه القدوس المتصف بالتوحيد المنفرد عن أحكام العبيد .
واسم الله القدوس يدل على ذات الله وعلى صفة القدسية بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة القدسية وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلو والأحدية ، والغني والصمدية ، والملك والفوقية ، وكل ما يلزم لقيام معنى القدسية بقيام التوحيد ونفي الشبيه والمثلية .

 

كيف ندعو الله باسمه القدوس دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم سُبْحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ عَشْرًا ثُمَّ قَالَ : اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا وَضِيقِ يَوْمِ القِيَامَةِ عَشْرًا .

 

أما دعاء العبادة ، فهو أن يتحلى المسلم بتوحيد لربه من خلال تنزيه الله عن أقيسة التمثيل والشمول التي تحكمنا وتحكم أوصافتا ، كما أنه ينزه الله عن وصف العباد له إلا ما وصف المرسلون ، كما دعانا ربنا إلى ذلك فقال : (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الصافات:182) ، فيصف اللَّه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلي الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، ويعلم أن ما وصف اللَّه به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي ، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق وأفصحهم في البيان والدلالة والإرشاد ، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله ، كما أن المسلم ينزه نفسه عن المعاصي والذنوب ، ويطلب المعونة من مقلب القلوب ، أن يحفظه في سمعه وبصره وبدنه من النقائص والعيوب .

 

الاسم الخامس والثلاثون من أسماء الله الحسنى: اسمه السلام ، فقد سمي الله نفسه به وسماه رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ، كما ورد في قوله تعالى : ( هُوَ اللهُ الذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (الحشر:23) وعند البخاري من حديث عَبْدُ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه قال : ( كُنَّا إِذَا صَليْنَا خَلفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قُلنَا : السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ ، فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلاَمُ ، فَإِذَا صَلى أَحَدُكُمْ فَليَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلهِ ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلتُمُوهَا أَصَابَتْ كُل عَبْدٍ لِلهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ) ، وفي رواية أخرى عند البخاري قَالَ عَبْدُ اللهِ : كُنَّا نُصَلِّى خَلفَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَنَقُولُ السَّلاَمُ عَلَى اللهِ ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلاَمُ وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
وفي صحيح مسلم من حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه أنه قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ : اللهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ، وفي صحيح الجامع من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ‌إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ) ومن رواية أنس : ( ‌إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم ) .

 

والسلام في اللغة الأمان والاطمئنان والحصانة والسلامة ، ومادة السلام تدل على الخلاص والنجاة والسلام مصدر استعمل اسما للموصوف بالسلامة ، والسلامة هي التنزه من كل آفة ظاهرة وباطنة ، ومنه السلام في التحية الخالصة ، والله هو السلام أي سليم الذات وسليم الصفات من كل نقص وعيب وهو داعي السلام بين الأنام ، والذي يبلغ عباده الموحدين في الآخرة دار السلام ، فكل سلامة منشأها منه وتمامها عليه ونسبتها إليه .

واسم الله السلام يدل على ذات الله وعلى صفة السلامة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة السلامة وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والغني والصمدية ، والعزة والقدسية ، والحكمة والأحدية ، وكل ما يلزم لقيام معنى السلامة في الذات والصفات والأفعال .

 

كيف ندعو الله باسمه السلام دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ، ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس:10) ( وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَ