طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > دلالة الأسماء على الصفات

ملتقى الخطباء

(4٬830)
84

دلالة الأسماء على الصفات

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” وكما أن الأسماء الحسني تدل على الصفات بالتضمن، فإنها أيضا تدل على الصفات باللزوم كدلالة اسم الله الخالق على صفة العلم والقدرة فاسم الله الخالق يدل على ذات الله وصفة الخالق بالمطابقة، ولكن العلم والقدرة من لوازم صفة … “

 

 

 

 

الشيخ: محمود الرضواني

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا بالخضوع لعظمته، ولا حياة إلا في حبه وطاعته، ولا نعيم إلا في قربه وجنته، ولا صلاح للقلب إلا بإخلاص نيته، إله عظيم كريم، عزيز رحيم، إذا أطيع أثاب وشكر، وإذا عصي تاب وغفر .

لا إله إلا الله، هو الواحد الأحد، لا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَل لكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ ليْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (الشورى:11) ( للذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الأَعْلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (النحل:60) . ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لعِبَادَتِهِ هَل تَعْلمُ لهُ سَمِيّا ) (مريم:65) سبحان من سبحت له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والنجوم والجبال، والآكام والرمال، ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) (الرعد:13) ( تُسَبِّحُ لهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَليما غَفُورا ) (الإسراء:44)، ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلمُوا تَسْليما ) (الأحزاب:56) فاللهم صلي وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين،

أما بعد:

فحديثنا اليوم يدور حول دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته، هذا الموضوع من أهم الموضوعات في باب الأسماء والصفات، لأنه يعرفنا بمنهج السلف الصالح في فهم هذا الباب وغيره من الأبواب، كما أنه يعرفنا بخطأ المنحرفين وكيف دخلت عليه شبه الشياطين .

دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وباللزوم، الاسم يدل على الذات والصفة معا بدلالة المطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بدلالة التضمن ويدل على الصفة وحدها بدلالة التضمن أيضا، وقد يدل على أوصاف أخرى بدلالة اللزوم .

قد يسأل سائل ويقول : أريد أن أعرف المقصود أولا بدلالة المطابقة ودلالة التضمن ودلالة اللزوم، دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له، أو وهي دلالة اللفظ على المعني الذي وضع له، مثل دلالة لفظ البيت على مجموع الجداران والسقف والأبواب والنوافذ .

فالاسم يطلق على الشيء لتميزه عن شيء آخر، وكل اسم أو لفظ ينطبق في دلالته على شيء اتفق العقلاء عليه اصطلاحا في كل لغة ولسان، فالألفاظ المنطوقة أو المكتوبة لها مدلولات معينة يعيها القلب ويدرك معناها، ولغة الخطاب على اختلاف الألسن في بني آدم مكونة من ألفاظ أو كلمات، أو جمل أو أسماء لها في الواقع مدلولات، فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له، كلفظ المسجد فإنه يدل على شيء معين جعل للصلاة والجماعة والجمع، فلوا أراد إنسان أن يذهب إلى المسجد، فإنه لا يذهب إلى السوق لعلمه أن المسجد لفظ يدل على مكان للعبادة، وأن لفظ السوق يدل على مكان وضع للبيع والشراء، ومثال ذلك أيضا لو قال المشتري للبائع : أعطني تفاحا، فإن البائع يعطيه شيئا معينا يطلق عليه لفظ التفاح بين الناس .

وليس إذا قال له أعطني تفاحا أعطاه برتقالا، لأن الله فطر العقلاء على أن يتعلموا الأسماء وما تنطبق عليه من مدلولات في واقعهم، فالمشتري والبائع يعلمان أن لفظ التفاح يدل على شيء معين غير الذي يدل عليه لفظ البرتقال، لكن لو قلت للبائع أعطني خيارا فأعطاك برتقالا، فذلك إما لأنه لم يسمع أو لأنه لم يعقل .

وإذا قيل : محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم، فإن الذهن يعلم أن ذلك ينطبق على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله بالقرآن الكريم، وينصرف إليه ولا ينصرف الذهن إلى عيسي أو موسي أو غيرهم من الأنبياء عليهم السلام، لأن كل لفظ أو اسم ينطبق على شيء معين دون غيره .

وإذا قيل : الخالق هو الله، فإن الذهن يفهم من دلالة الاسم أنه ينطبق على ذات الله تعالى المتصفة بصفة الخلق ولا ينصرف إلى ذات أخر إلا عند من فسد إدراكهم وخالفوا الفطرة وقالوا إن الطبيعة هي الخالقة، كمثل ماركس ولينين وغيرهما من الشيوعيين والدهريين .

والذهن لا ينصرف أيضا عند النطق بلفظ الخالق إلى صفة أخري غير صفة الخلق، فلا ينصرف إلى صفة الرزق أو القوة أو العزة أو الحكمة أو غير ذلك من الصفات، لأن صفة الخلق تدل على شيء غير الذي تدل عليه صفة الرزق وصفة القوة يفهم منها شيء غير الذي يفهم العزة أو الحكمة إلا عند المعتزلة حيث فسد إدراكهم في فهم دلالة اللفظ على معناه، فقالوا بأن أسماء الله الحسني التي تعرف الله بها إلى العباد في الكتاب والسنة لا تدل بالمطابقة إلا على ذات الله فقط ولا تدل على شيء من الصفات أبدا، فعندهم اسم الله السميع يدل على ذات الله فقط ولا معنى لاسمه السميع، فمعني السميع هو معني الرزاق، وهو معني الحي إلى غير ذلك من أسمائه الحسني التي أمر عباده بأن يدعوه بها ذاتا وصفة كما قال سبحانه : ( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ) (الإسراء:110) كلها تدل على مسمى واحد، وهي أيضا أوصاف لقوله تعالى : ( وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف:180) فالله عز وجل من أسمائه الحسنى الغفور الرحيم، والغفور علم علي ذاته، وكذلك الرحيم كما جاء في قوله تعالى : ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107) وقوله ( قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:98) ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) فكل هذه الآيات تدل على اسمه الغفور الرحيم، وقد تحدثنا عن ذلك في محاضرة سابقة بينا فيها أن أسماء الله أعلام وأوصاف .

لكن معني قولهم بإثبات الأسماء ونفي الصفات أنهم آمنوا بوجود ذات الله فقط بلا أي صفة لها، وجعلوا أسماء اللَّه الدالة عليه أسماء فارغة من الأوصاف بلا مسمي، فقالوا : هو العليم لكن لا يتصف بصفة العلم، ولتبسيط فكرتهم نقول : فلان اسمه سعيد، لكن لو بحثت عن صفة السعادة فيه، فربما يكون سعيدا أو شقيا، فإن كانت الأولي قلنا : سعيد اسم على مسمي، وذاته متصفة بصفة السعادة، وإن كانت الثانية قلنا : سعيد اسم فارغ من المسمي وذات بلا صفة لأنه شقي .

فأسماء اللَّه عند السلف أسماء على مسمي، فهو الغني الذي يتصف بالغني لا الفقر، وهو القوي الذي يتصف بصفة القوة لا الضعف، وهو السميع يتصف بصفة السمع تعالي اللَّه عن ضدها، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا كانت أسماؤه حسني وعظمي، ولا تكون حسني وعظمي بغير ذلك، وهذا المذهب الاعتزالي الخبيث يترتب عليه أن قوله تعالي : ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا )، لا قيمة له عندهم، وكذلك تعداد الأسماء الحسني في قوله صلي الله عليه وسلم : ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنّةَ )، لأن تعداد الأسماء الحسني أو الدعاء بها مبني على إثبات الصفات .

وأي نقص في حق اللَّه أعظم من أن يكون اللَّه عز وجل لا صفة له عند المعتزلة، تعالي اللَّه عن قولهم علوا كبيرا، إن الواحد منا لا يقبل هذا على نفسه، فلو قال لك قائل : أنت لا صفة لك عندي، لا بد أن تغضب لأن الفطرة مجبولة على إثبات الأوصاف الحميدة، فمن العجب أنهم يثبتون لأنفسهم أجود الأوصاف، وينفون عن الله الذي ليس كمثله شيء سائر أوصاف .

والله عز وجل لما علم آدم الأسماء فقال : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) علمه الأسماء كألفاظ تدل بالمطابقة على تمييز الأشياء والعلم بخصائصها، والتعرف على حقائقها، ذاتا وصفة، تضمنا والتزاما، وليس الذي تعلمه آدم كما يفهم البعض هو مجرد ألفاظ أو كلمات يستعملها أبناؤه، بل إن آدم تعلم الشيء واسمه وخاصيته وأنواع دلالته مطابقة وتضمنا والتزاما، فالذي عرضه الله سبحانه على الملائكة أعيان الأشياء بذواتها وصفاتها وليست معاني أو كلمات لا مدلول لها ولا حقيقة، إنما علم الله آدم الشيء المادي المحسوس الذي يحمل الاسم المعين، وكذلك تأثير كل شيء في غيره، بدليل قوله تعالى بعد ذلك : ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) (البقرة:32) .

فقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) يعني أن آدم تعلم في ذهنه ووعي في قلبه كل ما يمكن أن يتعامل معه مما أستخدمه أو سيستخدمه الإنسان على الأرض، وكل ما تضمنته نواميس العلوم من مصطلحات وتعريفات وكل ما سيحدث من اختراعات واكتشافات إلى يوم الدين، والعلم المادي ليس سوي مجموعة من المصطلحات التي تدل بأنواع الدلالات على معرفة خصائص العناصر والأشياء وتأثير بعضها في بعض ومعرفة الأسباب وما تنتجه من مسببات أو معرفة العلل وما تنتجه من معلولات .

فقوله : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) يعني علمه معرفة الأسماء وحدود الأشياء والعلم بخصائصها، والإنسان منا يكتسب هذا العلم تلقائيا في حياته إلى يوم وفاته، ولذلك فإن الله من عدله وحكمته ومن فضله ورحمته أنه لا يكلف إنسانا في طفولته، لأنه لم يصل إلى معرفة الأسماء بلدلالاتها، كما ورد عند الترمذي وصححه الشيخ الألباني أن النبي صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ قال : ( رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَشِبَّ وَعَنِ المَعْتُوهِ حتى يَعْقِل، وفي رواية رُفِعَ القَلمُ عَنْ الغُلامِ حتى يَحْتَلمَ )، فالطفل يتعلم ذلك شيئا فشيئا، فيقال له : هذه هرة وهذه جرة وهذه بقرة وهذه شجرة إلى غير ذلك من الأسماء، ثم يبين له لماذا فعلنا هذا ؟، وهذا يصلح لهذا، وهذا لا يصلح لذاك، حتى يصل عند البلوغ إلى حصيلة من الأسماء بدلالاتها تكفي لتكليفة بالأحكام الشرعية، وإدراك معنى العبودية، والغاية من هذه الحياة، وكيف يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ؟

فالعلم الذي يحصله الإنسان في سنوات علمه الله لآدم عليه السلام في لحظات فتعلم الأسماء وخصائص الأشياء مرة واحدة ونزلت المعلومات بقدرة الله على قلبه دفعة واحدة، فقال تعالى : ( وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلهَا ) وكذلك فعل الله بعيسي عليه السلام بعد نزوله من بطن أمه وبعد ادعاء قومه أنه ولد من الزنى تجمعت الكلمات بقدرة الله في لحظات وأدركها عيسي عليه السلام بعقله واستوعبها بقلبه حتى اجتمع البيان لديه ونزلت حكمة الله عليه، فلما أشارت أمه إليه ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا قَال إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِي الكِتَابَ وَجَعَلنِي نَبِيًّا وَجَعَلنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالدَتِي وَلمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ على يَوْمَ وُلدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) فسبحان الله هذا طفل صغير نطق بهذه الكلمات وتعرف على كل هذه المعلومات، وفهم لوازم العبارات : ( إِنَّ مَثَل عِيسَي عِنْدَ اللهِ كَمَثَل آدَمَ خَلقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .

فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له كدلالة لفظ البيت على مجموع الجداران والسقف والأبواب والنوافذ، وكدلالة لفظ الشجرة على ذاتها وكل محتوياتها مجتمعة، أما دلالة التضمن فهي دلالة اللفظ على بعض ما وضع له وتضمنه، ومثال ذلك دلالة لفظ الشجرة على الأوراق، فإن الشجرة تضمنت الأوراق وغيرها، فالذهن يتصور الأوراق وبقية الأجزاء مباشرة عند النطق بلفظ الشجرة، فيتصور بدلالة التضمن فروعها وخشبها وثمارها وجميع ما حوت من أجزاء، وكدلالة لفظ المدرسة على التلاميذ أو المدرسين فإن الذهن يتصور مباشرة أن لفظ المدرسة ينطق على عدة أشياء يطلق عليها مجتمعه لفظ المدرسة، وكدلالة لفظ الصلاة على الركوع والسجود وقراءة الفاتحة وغير ذلك مما تضمنته الصلاة، فلفظ الصلاة يدل على كل جزء من أجزائها بالتضمن، وكذلك بالنسبة لأسمائه تعالى فالأسماء تدل على الصفات بالتضمن، فاسم الله العزيز يدل على صفة العزة وحدها بالتضمن كما يدل أيضا على ذات الله وحدها بالتضمن ويدل على ذات الله وعلي صفة العزة معا بالمطابقة .

فلو قلنا ما دلالة الشجرة على أوراقها ؟ الشجرة على الثمرة ؟ الشجرة على فروعها ؟ الساعة على عقاربها ؟ الساعة على ذاتها وصفاتها ؟ الساعة على كل محتوياتها ؟ دلالة اسم الله السميع على صفة السمع ؟ دلالة اسم الله السميع على ذات الله ؟ دلالة اسم الله السميع على ذات الله وصفة السمع ؟ دلالة السقف على كل محتوياته ؟ على بعض محتوياته ؟ على الأعمدة ؟ دلالة الساعة على مصنعها، دلالة الثمرة على الشجرة، دلالة لزوم، فما هي دلالة اللزوم ؟ دلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، كدلالة البعرة على البعير والأثر على المسير، وكدلالة الحمل على الزواج أو الزنى، إلا في بعض الخوارق ولذلك لما جاء الملك مريم : ( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً ) فدلالة السقف على الأعمدة دلالة لزوم، لأن العاقل يعلم أن السقف لا يوجد إلا بعد وجود الحائط أو الأعمدة، فالذهن لا يتصور السقف إلا مرفوعا، هذه سنن عقلية بين البشر ولا تطبق على رب البشر : ( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) (الرعد:2) ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) (لقمان:10) فلفظ السقف دلنا على الأعمدة باللزوم مع ملاحظة أن الأعمدة ليست مما دل عليه لفظ السقف بالمطابقة أو بالتضمن ، فدلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، أما دلالة الشيء على نتيجته فتسمي دلالة التزام، كدلال الغيوم على اقتراب المطر، وكدلالة الفعل على رد الفعل، فلكل فعل رد فعل بالالتزام، وكل رد فعل ناشئ عن فعل باللزوم .

وكما أن الأسماء الحسني تدل على الصفات بالتضمن، فإنها أيضا تدل على الصفات باللزوم كدلالة اسم الله الخالق على صفة العلم والقدرة فاسم الله الخالق يدل على ذات الله وصفة الخالق بالمطابقة، ولكن العلم والقدرة من لوازم صفة الخلق، فالعاجز والجاهل لا يخلق ولذلك لما ذكر الله خلق السماوات والأرض عقب بذكر ما دل عليه الخلق باللزوم فذكر القدرة والعلم، قال سبحانه وتعالى : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) (الطلاق:12) .

وأغلب البلاء الذي يلحق بالناس سببه الغفلة عن لازم الأقوال والأفعال، ولذلك ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرةَ أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ( إنَّ العبدَ ليَتكلمُ بالكلمةِ ما يَتبَينُ فيها، يَزلُّ بها في النار أبعدَ مما بينَ المشرق ) وعند البخاري في رواية أخري : ( إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من رِضوانِ اللهِ لا يُلقي لها بالاً يرفَعُه اللهُ بها درجات، وإن العبدَ ليتكلمَ بالكلمة من سَخَط اللّه لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم ) .

وأخذ الحجاج أعرابيا لصا بالمدينة فأمر بضربه فلما قرعه بسوط قال يا رب شكرا حتى ضربه سبعمائة سوط فلقيه أشعب فقال له تدرى لم ضربك الحجاج سبعمائة سوط قال لا لماذا قال لكثرة شكرك : إن الله تعالى يقول : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7) قال : وهذا في القرآن قال : نعم، فقال الأعرابي : يا رب لا شكرا فلا تزدن، أسأت في شكري فاعف عنى، باعد ثواب الشاكرين منى، ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) .

وخرج أعرابي إلى الحج مع أصحاب له فلما كان في طريق العودة إلى أهله لقيه ابن عم له أو بعض أقربائه فسأله عن أهله ومنزله، فقال : لما خرجت إلى الحج بعد ثلاثة أيام وقع في بيتك حريق أهلك أهلك ومنزلك، فرفع الأعرابي يديه إلى السماء وقال : ما أحسن هذا يا رب تأمرنا بعمارة بيتك أنت وتخرب بيوتنا .

وخرجت أعرابية إلى الحج فلما كانت في بعض الطريق عطبت راحلتها، فرفعت يديها إلى السماء وقالت : يا رب أخرجتني من بيتي إلى بيتك فلا بيتي ولا بيتك .

وسمع أعرابي إماما يقرأ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، قرأها بفتح التاء، فقال : ولا إن آمنوا أيضا لم ننكحهم فقيل له : إنه يلحن وليس هكذا يقرأ ؟ فقال أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما فإنه يحل ما حرم الله، ( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا َ) (البقرة:221) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ( 29/42) : ( لازم قول الإنسان نوعان : أحدهما : لازم قوله الحق فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه فإن لازم الحق حق، والثاني : لازم قوله الذي ليس بحق فهذا لا يجب التزامه إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين ) .

وخرج الحجاج متصيدا لأحوال الرعية، فوقف على أعرابي يرعى إبلا له فقال له : يا أعرابي كيف رأيت سيرة أميركم الحجاج ؟ قال له الأعرابي : غشوم ظلوم لا حياة الله ؟ فقال : فلم لا تشكوه إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ؟ قال : عبد الملك بن مروان فأظلم وأغشم، فأحاط به الجند واعتقلوه وأخبروه أن الذي كان معه هو الحجاج، فقال الأعرابي : يا حجاج السر الذي بيني وبينك أحب أن يكون سرا مكتوما، فضحك الحجاج وأمر بتخلية سبيله .

فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على ما وضع له، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على بعض ما وضع له، ودلالة اللزوم هي دلالة الشيء على سببه، فالسيارة الكلمة تدل على جميع أجزائها بدلالة المطابقة ويدل على العجلات فقط بالتضمن ويدل على البطارية وحدها بالتضمن ويدل على الذي صنعها بالالتزام، فالعاقل يعلم أن لها صانعا، ولفظ الدار أو البيت يدل على كل الدار بالمطابقة، ودلالتها على الحمام وحده بالتضمن، وعلى المجلس وحده بالتضمن، وهكذا، و دلالته على أن هناك شخصا بناه باللزوم .

وهنا نأتي إلى تلخيص القول في دلالة الأسماء على الصفات، دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وباللزوم، الاسم يدل على الذات والصفة بدلالة المطابقة، ويدل على ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الصفة وحدها بالتضمن وعلى أوصاف أخرى بدلالة اللزوم .

أما عند المعتزلة فالأسماء تدل على الذات بالمطابقة ولا تدل على أي صفة عندهم لأنهم لا يثبتون الصفات، ومن هنا لا بد أن ننبه على ما ذكره الشيخ حافظ حكمى رحمه الله في معارج القبول حيث قال ما نصه : ( واعلم أن دلالة أسماء الله تعالى حق على حقيقتها مطابقة وتضمنا والتزاما، فدلالة اسمه تعالي الرحمن على ذاته عز وجل مطابقة وعلى صفة الرحمة تضمنا وعلى الحياة وغيرها التزاما وهكذا سائر أسمائه تبارك وتعالى ) .

فالرحمن يدل على الذات وعلى صفة الرحمن بالمطابقة ويدل على الذات وحدها بالتضمن وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن، ويدل على الحياة والعلم والقدرة التزاما لأنه لا توجد رحمة بدون حياة الراحم وعلمه وقدرته، وهذا يطبق على جميع الأسماء الحسني، السميع البصير العليم الحكيم العزيز العظيم، جميع هذه الأسماء تدل على الذات وحدها بالتضمن وعلى الصفة وحدها بالتضمن، وتدل على صفة الحياة باللزوم، فالحي اسم من أسماء الله يدل على ذاته وعلى صفة الحياة معا، ومن أجل حياته كملت بقية أسمائه وصفاته، فلا يمكن لأحد أن يكون قديرا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون قويا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون عليا إلا إذا كان حيا، ولا يمكن أن يكون غنيا إلا إذا كان حيا، فجميع أسماء الله تدل على صفة الحياة التي تضمنها اسمه الحي، وقد تحدثا عن ذلك تفصيلا .

يقول ابن القيم في النونية :

ودلالة الأسماء أنواع ثلاث كلها معلومة ببيان
دلت مطابقة كذاك تضمنا وكذا التزاما واضح البرهان
أما مطابقة الدلالة فهي أن الاسم يفهم منه مفهومان
ذات الإله وذلك الوصف الذي يشتق منه الاسم بالميزان
لكن دلالته على إحداهما بتضمن فافهمه فهم بيان
وكذا دلالته على الصفة التي ما اشتق منها فالتزام دان
وإذا أردت لذا مثالا بينا فمثال ذلك لفظة الرحمن
ذات الإله ورحمة مدلولها فهما لهذا اللفظ مدلولان
إحداهما بعض لِذا الموضوعِ فهي تضمن ذا واضح التبيان
لكن وصف الحي لازم ذلك المعنى لزوم العلم للرحمن
فلذا دلالته عليه بالتزام بين والحق ذو تبيان

فالرحمن دل على الصفة المشتق منها وعلى ذات الرب سبحانه بالمطابقة لكن دلالته على أحداهما بالتضمن وأما دلالتها على الصفة التي لم يشتق منها اللفظ كالحياة والعلم فهي بالالتزام، نكتفي بهذا القدر وإلى لقاء آخر بإذن الله، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .