طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الرب الإله الواحد الأحد

ملتقى الخطباء

(2٬830)
81

الرب الإله الواحد الأحد

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

” والرب عند الإطلاق لا يقال إلا لله تعالى ، وهو المتكفل بخلق الموجودات وإنشائها ، والقائم علي هدايتها وإصلاحها ، وهو المنظم لمعيشتها المدبر لأمرها ، فربنا تبارك وتعالى هو المتكفل بالخلائق أجمعين إيجادا وإمدادا وخلاصة معنى الرب أنه هو الذي يخلق ويدبر ما خالق ..موسى عليه السلام لما سئل عن الربوبية أجاب .. “

 

 

 

 

الشيخ / محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

الحمد لله الذي تفرد بأسمائه وصفاته ، فلا شبيه له ولا نظير ، ولا ند ولا مثيل ، قال لعبده المصطفي صلى الله عليه وسلم : ( طه مَا أَنزَلنَا عَليْكَ القُرْآنَ لتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لمَن يَخْشَى تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلى الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوَى لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِن تَجْهَرْ بِالقَوْل فَإِنَّهُ يَعْلمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ لهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى ) ( هُوَ اللهُ الخَالقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (الحشر:24) .
ونصلي ونسلم على سيد الأنبياء والمرسلين ، المبعوث رحمة للعالمين ، والذي قال عنه رب العالمين : ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلمُوا تَسْليما ً) (الأحزاب:56) فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين ،

أما بعد:

فقد ثبت عن نبينا أنه قال : ( إنَّ للهِ تِسعةً وتِسْعينَ اسماً ، مائةً إلا واحدة ، مَن أحصاها دَخَل الجنَّة ) ومن هذا الباب نحاول طمعا في الأجر والثواب أن نحصي أسماء الله عز وجل على حسب توفيق الله وتيسيره ، وهدايته في الوصول إلى الاسم وتفسيره ، وسوف ننتهج في ذلك منهجا ثابتا نفرق فيه بين الاسم والصفة ، فقد علمنا أن أسماء الله أعلام وأوصاف ، أعلام تدل على ذاته دون غيرها ، وأوصاف تحمل معان قائمة بالذات وكمالها ، وسوف نحاول في هذه المحاضرات وغيرها من المحاضرات البحث في النصوص القرآنية وما ثبت في السنة النبوية عن الاسم في حال العلمية لا الوصفية ، متبعين ما بيناه من أن أسماء الله هي التي يدعى الله بها ، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة ، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها ، إضافة إلى علامات الاسم المعروفة في اللغة والمشتقة غالبا من صيغ المبالغة ، ثم نبين في شرح الأسماء المعنى المقصود في كل اسم ودلالته على الصفة ، سواء بدلالة المطابقة أو التضمن أو اللزوم ، وكيف ندعو الله به دعاء مسألة ودعاء عبادة كما قال تعالى : ( وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأعراف:180) واليوم نبدأ في هذه المحاضرة بالأسماء الدالة على صفات الذات ، ونتحدث عن أربعة أسماء منها ، وهي اسم الله الرب واسمه الإله واسمه الواحد واسمه الأحد .

الاسم الأول : اسم الله الرب ، السؤال الآن ما هو السبب الذي من أجله كان اسم الرب من أسماء الله الحسنى ؟ والإجابة على ذلك تتمثل في أن الله عز وجل سمي نفسه به على سبيل الإطلاق والتقييد مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من مواضع القرآن والسنة ، فقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع اجتماع علامات الاسم فيه في غير موضع من القرآن والسنة ، فمن القرآن قوله تعالى : ( قُل يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَليمُ ) (سبأ:26) فأسندت إليه الجملة وقال تعالى : ( وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً ) (الفرقان:30) حيث دخلت عليه ياء النداء ، ومثله قوله : ( وَقِيلهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) (الزخرف:88) والتنوين في قوله : ( لقَدْ كَانَ لسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لهُ بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور ٌ) (:15) والتنوين والجر في قوله : ( سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) (يّس:58) وحرف الجر وحده كقوله تعالى : ( الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) (البقرة:147) ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لهُمْ قَوْلاً مَيْسُورا ً) (الإسراء:28) وحرف الجر إلى : ( لكُل أُمَّةٍ جَعَلنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لعَلى هُدىً مُسْتَقِيم ٍ) (الحج:67) ( أَلمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل ) (الفرقان:45) ( إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ ) (القيامة:30) ( إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) (العلق:8) وحرف الجر الباء ( وَكَمْ أَهْلكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) (الإسراء:17) وأقسم الله بنفسه باسمه الرب فقال : ( فَوَرَبِّكَ لنَسْأَلنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (الحجر:92) ( فَوَرَبِّكَ لنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْل جَهَنَّمَ جِثِيّاً ) (مريم:68) .

وكل هذه النصوص القرآنية تدل على علمية اسم الرب وأنه من الأسماء الحسنى التي أمرنا الله بأن ندعوه بها ، ومن السنة ما ورد عند البخاري (3137) من حديث أنس بن مالكٍ عن مالكِ بنِ صَعْصَعةَ رضيَ الله عنهما أن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال : ( فأتيتُ على موسى فسلمت عليه فقال : مَرحباً بكَ من أخ ونبيّ فلما جاوَزتُ بكى ، فقيل: ما أبكاك ؟ قال : يا رب ، هذا الغلامُ الذي بُعِثَ بعدي يَدخُل الجنةَ من أُمَّتهِ أفضلُ ممّا يدخلُ من أمَّتي ) .

وعند البخاري أيضا (4607) من حديث سعيد بن جُبير عن ابن عباسٍ أنه سمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنَّ موسى قام خطيباً في بني إسرائيل ، فسُئل: أي الناسِ أعلم ُ؟ فقال : أنا ، فعتبَ اللهُ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه ، فأوحى اللهُ إليه : إنَّ لي عبداً بمجمَع البحرين هو أعلمُ منك ، قال موسى : يا ربِّ فكيف لي به ؟ قال : تأخذُ معك حُوتاً فتجعله في مِكتَلٍ ، فحيثما فقدتَ الحوتَ فهو ثمَّ .. الحديث ) ، وعند البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( واشْتكَتِ النّارُ إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ أَكل بَعضي بعضاً ، فأذِنَ لها بنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ في الشِّتاءِ ونفَسٍ في الصَّيف ِ) ، والأدلة كثيرة على أن الرب اسم من أسماء الله الحسنى ، سمي الله به نفسه في كتابه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم .

والرب اسم من مشتق من صفة الربوبية ، والرب في اللغة مصدر من معنى التربية ، الرب هو الذي يربي غيره وينشئه شيئا شيئا ، فوصف الرب يكون لمن أنشأ الشيء حالا فحالا إلي حد التمام ، أو إصلاح شئون الغير ورعاية أمره بانتظام ، ويطلق الرب في اللغة على المالك مالك الشيء ، تقول : هذا رب الإبل ورب الدار أي مالكها ، ويطلق على السيد المطاع ومنه قوله تعالى : ( أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ) ، أي سيده المطاع ، ويطلق الرب أيضا على المعبود ، ومنه قول الشاعر : أرب يبول الثعلبان برأسه : لقد ذل من بالت عليه الثعالب .

والرب عند الإطلاق لا يقال إلا لله تعالى ، وهو المتكفل بخلق الموجودات وإنشائها ، والقائم علي هدايتها وإصلاحها ، وهو المنظم لمعيشتها المدبر لأمرها ، يقول تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ يُغْشِي الليْل النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ ) (الأعراف :54) ، فربنا تبارك وتعالى هو المتكفل بالخلائق أجمعين إيجادا وإمدادا (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) (الرعد :33) ( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَليماً غَفُوراً ) (فاطر :41) .

وخلاصة معنى الرب أنه هو الذي يخلق ويدبر ما خالق كما ورد في قوله تعالى عن موسى عليه السلام هو يبين حقيقة الربوبية ومعناها لفرعون لما سأله عنها : ( قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَال رَبُّنَا الذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدَى ) فالآية دلالتها صريحة على أن موسى عليه السلام لما سئل عن الربوبية أجاب فرعون عن كل معاني الربوبية في معنيين جامعين ، الأول منهما هو إفراد الله بتخليق الأشياء وتكوينها وإنشائها من العدم حيث أعطى كل شيء خلقه ووجوده ، والثاني هو إفراد الله بتدبير الأمر في خلقه وهدايتهم إلي قيام شؤنهم وتصريف أحوالهم والعناية بهم ، ويقول تعالى : ( اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيل لهُ مَقَاليدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ) (الزمر :63) .

والرب اسم يدل على ذات الله وصفة الربوبية بالمطابقة وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الربوبية وحدها بالتضمن ، ويدل باللزوم على الصفات اللازمة لقيام الربوبية كالحياة والقيومية والعلم والمشيئة والقدرة ، والملك والغنى والقوة ، والإحياء والإبقاء والهداية ، والرزق والإمداد والرعاية ، والإفناء والإماتة والإعادة ، والهيمنة والعزة والإحاطة ، وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الأفعال لتخليق الشيء وتصنيعه ، وكمال إيجاده واختراعه ، فصفة الخالق أن يستغنى بنفسه فلا يحتاج إلي غيره ، وأن يفتقر وإليه كل من سواه ، كما أن اسم الرب يدل أيضا بدلالة اللزوم تدبير أمر المخلوقات وتقدير أحوالهم ، والقيام على شئونهم ، والعناية واللطف بهم ، والهداية إلي ما يصلحهم ، والفصل والقضاء والحكم بينهم ، وتهيئة الكون لتحقيق الغاية من خلقهم .

كيف ندعوا الله باسمه الرب دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة هو أن يذكر الاسم في دعائه وتضرعه لربه كقوله تعالى : ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ) (البقرة:127) ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِل عَليْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلتَهُ عَلى الذِينَ مِنْ قَبْلنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلنَا مَا لا طَاقَةَ لنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلى القَوْمِ الكَافِرِينَ ) (البقرة:286) (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لنَا مِنْ لدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب ُ) (آل عمران:8) ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ ليَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلفُ المِيعَادَ ) (آل عمران:9) ( إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) (المؤمنون:109) ( وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ) (الفرقان:65) ( وَالذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلنَا للمُتَّقِينَ إِمَاما ً) (الفرقان:74) وعند البخاري من حديث شدّاد بن أوسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيِّد الاستغفار اللهم أنتَ ربي لا إلهَ إلا أنت ، خلقتَني وأنا عبدُك وأنا على عهدِكَ ووعدِك ما استَطعت ، أبُوءُ لك بنعمتك ، وأبوءُ لك بذنبي ، فاغفِرْ لي ، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعت إذا قال حينَ يُمسي فمات دخل الجنَّة أو كان من أهل الجنة وإذا قال حِينَ يُصبح فمات من يومِه دخل الجنَّة ) .

أما دعا الله باسمه الرب دعاء عبادة فيظهر العبد بمظهر العبودية ويخلع عن نفسه أوصاف الربوبية لعلمه أن المنفرد بها هو الله ، فيثبت أوصاف العظمة لله ، ويفرده بالعلو والكبرياء ، ولا ينازع رب العالمين في منهجه ، أو يتخلف عن اتباع شريعته ، فدعاء العبادة هنا عمل وتربية وتنفيذ الأوامر الشرعيه ، تجعل المسلم في أرقي حالاته الإيمانية ، فهذا إبراهيم عليه السلام : ( قَال أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلا رَبَّ العَالمِينَ الذِي خَلقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لي حُكْماً وَأَلحِقْنِي بِالصَّالحِينَ وَاجْعَل لي لسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ وَاجْعَلنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) (الشعراء:78) .

الاسم الثاني لله عز وجل اسم الإله ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق والتقييد مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من مواضع القرآن والسنة ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع علامات الاسم فيه ، فمن القرآن قوله تعالى : ( وَهُوَ الذِي فِي السَّمَاءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ العَليمُ ) (الزخرف:84) ( لقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلا إِلهٌ وَاحِدٌ ) (المائدة:73) ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَال لبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ إِلهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لهُ مُسْلمُونَ ) (البقرة:133) ( إِنَّ إِلهَكُمْ لوَاحِدٌ ) (الصافات:4) ( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لا إِلهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:163) ( إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَالذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (النحل:22) ( قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ) (الناس:3) .

وقال الإمام البخاري : ( باب ما يُذكرُ في الذّاتِ والنُّعوتِ وأسامي الله عز وجلّ وقال خُبيب : وذلك في ذاتِ الإِله ، فذكر الذاتَ باسمِهِ تعالى ) وهو يشير إلى حديث أبي هريرةَ في قصة خبيبٌ الأنصاريُّ لما قال قبل قتله وهو في الأسر بعد أن صلى ركعتين : ولستُ أبالي حينَ أُقتلُ مسلماً : علي أيِّ شِقٍّ كان لِلهِ مصرعي- وذلك في ذات الإِلهِ وإنْ يَشا : يُباركْ على أوصالِ شِلوٍ مُمزَّع – فقتله ابنُ الحارث ، فأخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه خَبرَهم يومَ أُصيبوا ) ، قال ابن حجر : ( وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فكان جائزا ) .

وعند البخاري (7220) من حديث ابن عباسٍ رضيَ الله عنهما قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدعو منَ الليل: اللهمَّ لكَ الحمد ُ، أنتَ ربُّ السماواتِ والأرضِ ، لك الحمدُ أنتَ قَيمُ السماواتِ والأرض ومن فيهنّ… إلى أن قال: اللهمَّ لك أَسلمتُ ، وبكَ آمنتُ ، وعليكَ توكلت ، وإليك أَنَبْتُ ، وبك خاصمتُ ، وإليك حاكمتُ ، فاغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ وأسرَرْت وأعلنت ، أنتَ إلهي لا إلهَ لي غيرك ) .

والإله الحق عند السلف هو المعبود بحق ، المستحق للعبادة وحده دون غيره ، وقد قامت كلمة التوحيد في الإسلام على معني الألوهية ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( لا إله إلا أنت فيه إثبات انفراده بالإلهية ، والألوهية تتضمن كمال علمه وقدرته ، ورحمته وحكمته ، ففيها إثبات إحسانه إلى العباد ، فإن الإله هو المألوه ، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد ، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزمك أن يكون هو المحبوب غاية الحب ، المخضوع له غاية الخضوع ، والعبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل ) .

واسم الإله يختلف في معناه عن اسم الرب في كثير من النواحي ، فالرب معناه يعود كما تقدم إلى الانفراد بالخلق والتدبير ، أما الإله فهو المستحق للعبادة المألوه الذي تعظمه القلوب وتخضع له وتعبده عن رضا ومحبة ، أما من يجعل توحيد الألوهية هو إفراد الله بالخالقية فقد سلك طريق المتكلمين والجهمية ، وقد بين الله عز وجل أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، ويعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم ، كما قال تعالى في شأنهم : ( وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون ) لكنهم كانوا يشركون في توحيد الألوهية .

فالإله اسم يدل على ذات الله وصفة الإلهية بالمطابقة وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى الإلهية وحدها بالتضمن ويدل باللزوم على الصفات اللازمة لقيام معاني الألوهية كالحياة والقيومية والعلم والمشيئة والقدرة ، والملك والغنى والقوة ، والهيمنة والإحاطة والعزة وكل ما يلزم من صفات الذات وصفات الأفعال لتحقيق معنى الألوهية .

كيف ندعوا الله باسمه الإله دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة هو أن يذكر الاسم في دعائه وتضرعه لربه كقوله تعالى : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء:87) ( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص:88) فيدعو بقوله يا إلهي أو يا إله العالمين ، ( هُوَ الحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) (غافر:65) .

أما دعاء العبادة ، فالعبد يظهر بمظهر التوحيد والخضوع لله ، ولا يقع في الشرك بأنواعه ، فيتشبه بالخالق أو يشبه المخلوق بالخالق قال تعالى : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) (محمد:19) ( وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (النحل:51) ( قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا ً) (الكهف:110) ( وَمَنْ يَقُل مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء:29) ( قُل إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَل أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (الأنبياء:108) ( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) (الصافات:35) .

الاسم الثالث لله عز وجل اسم الواحد ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من المواضع القرآنية والأحاديث النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه مع النص على علامات الاسم فيه ، فمن القرآن قوله تعالى : ( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ) (يوسف:39) ، ( قُل اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ) (الرعد:16) ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) (ابراهيم:48) ( قُل إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلا اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ) (صّ:65) ( لوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ) (الزمر:4) ( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ المُلكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) (غافر:16) ( إِنَّ إِلهَكُمْ لوَاحِدٌ) (الصافات:4) .

وقال تعالى : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا ليَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لا إِلهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة:31) ( هَذَا بَلاغٌ للنَّاسِ وَليُنْذَرُوا بِهِ وَليَعْلمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَليَذَّكَّرَ أُولُو الأَلبَابِ) (ابراهيم:52) ( إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَالذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (النحل:22) .
وعند النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ إذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَقَال َ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : قَدْ غُفِرَ لَهُ ثَلاَثاً .

والواحد هو القائم بنفسه المنفرد بوصفه الذي لا يفتقر إلى غيره أزَلا وأبَدا ، الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته ، واسم الله الواحد يدل علي ذات الله وصفة الوحدانية بالمطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفة الوحدانية وحدها بالتضمن ، وعلى الحياة والقيومية وكمال الذات والصفات باللزوم ، فهو سبحانه كان ولا شيء معه ولا شيء قبله وعند البخاري من حديث عمران بن حُصينٍ قال : ( إنِّي عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءهُ قومٌ من بني تميم فقال : اقبَلوا البُشرى يا بنِي تميم ، قالوا : بشَّرْتنا فأعطِنا ، فدخلَ ناسٌ من أهل اليمن فقال : أقبلوا البُشرَى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ، قالوا : قبلنا ، جئناك لنتفقه في الدِّين ، ولنسألك عن أولِ هذا الأمر ما كان ، قال : كان اللهَ ولم يكن شيء قبلهُ ، وكان عرشه على الماء ، ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ ، وكتب في الذكر كل شيء ) .

وقال تعالى : ( مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً ) (الكهف:51) ( قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ:22) ( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (فاطر:41) ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحج:65) .

أما دعاء الله باسمه الواحد دعاء مسألة ودعاء عبادة ، فدعاء المسألة كما ورد في الحديث الصحيح الذي تقدم : (اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .

وأما دعاء العبادة فيظهر من خلال الثقة في أن أمور العبد ترجع إلى الله ، فيتوكل عليه ويلجأ إليه ، ويستعين به ويعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة ، ( قُل إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلتَحَداً) (الجـن:22) ( قُل مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:88) ( فَإِنْ تَوَلوْا فَقُل حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ) (التوبة:129) ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) (يونس:84) .

الاسم الرابع لله عز وجل اسم الأحد ، فقد ثبت في السنة على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية ،
وورد في القرآن أيضا لكن الوصفية أقرب من العلمية ، ففي السنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام البخاري أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يكُن له ذلك ، وشَتَمني ولم يكن له ذلك. فأَما تكذيُبهُ إيايَ فقوله: لن يعيدني كما بدأنِي. وليس أوَّلُ الخلقِ بأَهونَ عليَّ من إعادته، وأما شتمُهُ إيايَ فقولُه: اتَّخَذَ اللَّهُ ولداً وأَنا الأَحدُ الصمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولَد ، ولم يكُن لي كُفواً أحد ) فسمى الله نفسه بالأحد ، وفي سنن النسائي ، في الحديث الذي تقدم ، وصححه الشيخ الألباني من حديث حَنْظَلَةُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ مِحْجَنَ بْنَ الأَدْرَعِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المَسْجِدَ إذَا رَجُلٌ قَدْ قَضَى صَلاَتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَقَال َ: اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ ، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فكان جائزا .

وفي سنن ابن ماجة أيضا (33492) وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلاً يَقُولُ : اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ) صحيح 2/1267 برقم 3857 ، وعند أبي داورد الترمذي أيضا عَبْدُ الله بنُ بُرَيْدَةَ عن أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ : اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْواً أَحَدٌ فَقَالَ لقد سَأَلتُ الله بالاسم الذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَاب .

وفي سنن ابن ماجة 1/53 (154) وحسنه الشيخ الألباني من حديث زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٌ ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلاَمَهُ سَبْعَةٌ : رَسُولُ اللهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعَمَّارٌ ، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ ، وَصُهَيْبٌ ، وَبِلاَلٌ ، وَالمِقْدَاد ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ فَمَنَعَهُ اللهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ . وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللهُ بِقَوْمِهِ ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وَأَلبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلاَّ بِلاَلاً ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللهِ ، وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ ، فَأَعْطَوْهُ الوِلدَانَ ، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ ، أَحَدٌ ، وكذلك رواه ابن حبان (6969) وأحمد في المسند .

وقال تعالى : ( قُل هُوَ اللهُ أَحَد اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد ٌ) (الإخلاص:4) وهو في لآية وصف وفي الأحاديث اسم ، والأحد هو المنفرد بوصفه عن غيره ، كما قال تعالى في معني الأحدية : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد ٌ) (الإخلاص:4) فالأحدية الانفراد ونفي المثيلية ، إفراد الله سبحانه وتعالي بذاته وصفاته وأفعاله عن الأقيسة والقواعد والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم كما قال تعالي : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ، فبين سبحانه انفراده عن كل شيء من أوصاف المخلوقين بجميع ما ثبت له من أوصاف الكمال والجمال والجلال ، وعلو شأنه فيها في كل حال ، فالأحد هو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا مثيل له فنحكم على كيفية أوصافه من خلاله ، ولا يستوي مع سائر الخلق فيسري عليه قانون أو قياس أو قواعد تحكمه كما تحكمهم ، لأنه المتصف بالتوحيد المنفرد عن أحكام العبيد ، وقال تعالي : ( هَل تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) ، أي هل تعلم له شبيها مناظرا يدانيه أو يساويه أو يرقي إلي سمو ذاته وصفاته وأفعاله .

والأحد يدل علي ذات الله وصفة الأحدية بالمطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى وصفة الأحدية وحدها بالتضمن ، وعلى الحياة والقيومية وكمال الذات والصفات باللزوم .
أما دعاء الله باسمه الأحد دعاء مسألة ودعاء عبادة ، فدعاء المسألة كما ورد في الحديث الصحيح الذي تقدم : (اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ يَا أَللهُ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .

وأما دعاء العبادة فيظهر من خلال توحيد المسلم لأسماء الله وصفاته واعتقاده أن ما أخبر الله به عنه نفسه ظاهر في حقه يخصه هو دون غيره فالسلف الصالح فرقوا بين النصوص التي تدل على المخلوق والنصوص التي تدل على الخالق ، فالنصوص التي تدل على المخلوق تليق به ، وظاهرها مراد في حقه ، وهي معلومة المعني لورودها في القرآن والسنة باللغة العربية ، وكذلك معلومة الكيفية ، لأننا نراها بالحوس البصرية ، أو نري نظيرها ، فنحكم عليها بالتشابه أو المثلية ، فمن البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء الله على عرشه أو على حملة العرش أو على نزوله إلي السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ، لأن ذلك ينطبق على الكائنات الأرضية ولا ينطبق على رب البرية ، فهو منفرد متوحد عن قوانين البشر بذاته وصفاته وأفعاله ، ومعلوم أننا لم نر الله ولم نر له مثيلا أو شبيها أو نظيرا ، والشيء لا يعرف إلا برؤيته أو برؤية نظيره .

أما النصوص القرآنية والنبوية التي تدل على الخالق فهي معلومة المعني أيضا لأن الله عز وجل خاطبنا باللغة العربية لا باللغة الأعجمية ، فلا يمكن القول إن كلام الله بلا معني ، أو يشبه كلام الأعاجم والألغاز التي لا تفهم ، أما الكيفية الغيبية للصفات الإلهية التي دلت عليها هذه النصوص فهي كيفية حقيقية معلومة لله تليق به ، لكنها مجهولة لنا لا نعلمها لأننا ما رأينا الله ، فقال نبينا صلي الله عليه وسلم : ( تَعَلمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَي أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَل حتى يَمُوتَ ) مسلم ، وما رأينا لكيفيته سبحانه وتعالي نظيرا نحكم عليها من خلاله إذ يقول الله تعالي : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) .

وروى أبو داوود والنسائي والترمذي 16077وقال الشيخ الألباني صحيح (1500) من حديث الأعْمَشُ عن أبي صَالحٍ عن سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ ، قال: ( مَرَّ عَلَيَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَدْعُو بإِصْبَعَيَّ فَقَال : أَحِّد أَحِّد وَأَشَارَ بالسَّبَابَةِ ، قال الترمذي : ومعنى هَذَا الحَدِيثِ إذَا أشَارَ الرَّجُلُ بِإِصْبَعَيْهِ في الدّعَاءِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ ، فَلاَ يُشِيرُ إلاّ بأَصْبُعٍ وَاحِدَةٍ .

( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلمُوا تَسْليماً ) (الأحزاب:56) فاللهُمَّ صَل عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آل مُحَمَّدٍ كَمَا صَليْتَ عَلى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللهُمَّ بَارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .