طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > قوي متين غني وارث رقيب

ملتقى الخطباء

(5٬552)
78

قوي متين غني وارث رقيب

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

وغالبا ما يقترن اسم الله القوي باسمه العزيز ، لبين أن قوته عن عزة وغنى ، لأن القوة دائما تتبعها مصلحة وحاجة تعود على صاحبها ، أصحاب القوة في العالم إما يأمنون بها أنفسهم ، أو يمنحونها لغيرهم طلبا لتبعيتهم وشراءا لذمتهم أو تهديدا لنهب لثرواتهم ومصا لدمائهم ، أما رب العزة والجلال فهو الغني عن العالمين ، وهو …

 

 

 

 

الشيخ/ محمود بن عبد الرزاق الرضواني

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ لوْ أَنْزَلنَا هَذَا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لرَأَيْتَهُ خَاشِعا مُتَصَدِّعا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )

أما بعد:

تحدثنا عن خمسة وثلاثين اسما من أسماء الله الحسني التي تدل على أوصاف ذات الحق سبحانه وتعالى ، وهي على حسب ما ذكرناه الرب الإله الواحد الأحد الصمد السيد الحي القيوم المالك الملك المليك الحق المبين العلي الأعلى المتعال العظيم المجيد العليم الخبير القادر القدير المقتدر السميع البصير الأول الآخر الظاهر الباطن الكبير الحكيم العزيز الكريم القدوس السلام ، وحديثنا اليوم عن بقية الأسماء الحسني التي تدل على أوصاف ذات الحق سبحانه وتعالى وهي على حسب ما تيسر في جمعنا لها اسم الله القوي واسمه المتين واسمه الغني واسمه الوارث على اعتبار أن معنى الوارث هو الباقي واسمه الرقيب ، والآن نأتي إلى :

الاسم السادس الثلاثون من أسماء الله الحسنى وهو اسمه القوي ، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى : ( فَلمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (هود:66) وغالبا ما يقترن اسم الله القوي باسمه العزيز ، لبين أن قوته عن عزة وغنى ، لأن القوة دائما تتبعها مصلحة وحاجة تعود على صاحبها ، أصحاب القوة في العالم إما يأمنون بها أنفسهم ، أو يمنحونها لغيرهم طلبا لتبعيتهم وشراءا لذمتهم أو تهديدا لنهب لثرواتهم ومصا لدمائهم ، أما رب العزة والجلال فهو الغني عن العالمين ، وهو القوي الذي يلطف بالخلق أجمعين ، فقوته عن عزة وقدرة وحكمة من أحكم الحاكمين : ( اللهُ لطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى:19) يطعم ولا يطعم ويرزق ولا يرزق ، يجير ولا يجار عليه ، لا ملجأ للخلائق منه إلا إليه ، ( الذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَليَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج:40) ( مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لقَوِيٌّ عَزِيز ٌ) (الحج:74) ويقول تعالى : ( لقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحديد:25) فالأمر بيده لأن قوته غالبه ، وعزته لقوته مصاحبة ، كتب العزة لأوليائه الذين وحدوه في قوته ، ونزهوه في عظمته وعزته ( كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:21) وقد جعل الذل والصغار على المخالفين المستكبرين ، الظالمين الكافرين ( وَرَدَّ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (الأحزاب:25) فالله قوي شديد العقاب لا يرد بأسه عن القوم الكافرين ، (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال:52) ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَاب ِ) (غافر:22) ، وفي مسند الإمام أحمد وحسنه الألباني من حديث عَائِشَة رضي الله عنها في ذكرها لقصة يوم الخندق أنها قَالتْ : ( وَبَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَل الرِّيحَ عَلى الْمُشْرِكِينَ فَكَفَى اللهُ عَزَّ وَجَل الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ) .

والقوي في أسماء الله معناه أنه صاحب القدرة المطلقة وكمال المشيئة ، والقوة خلاف الضعف والعجز ، وهي الاستعداد الذاتي للقيام بالفعل ، والله سبحانه قوي في ذاته غيُر عاجز ، لا يعتريه ضعف أو قصور ، ولا يتأثر بوهن الدهور ، ولا يمنعه مانع ولا يدفعه دافع ، فالقُوَّةُ نقيض الضعف قال الله عز وجل لموسى حين كتب له الأَلواح : (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) (لأعراف:145) أَي خذها بقُوَّة في دينك وحُجَّتك ، وقال ليحي : ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) (مريم:12) أَي بِجِدّ وعَوْن من الله تعالى .

واسم الله القوى يدل على ذات الله وعلى صفة القوة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة القوة وحدها بدلالة التضمن ، كما قال تعالى : ( إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذريات:58) ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والملك والصمدية ، والعظمة والأحدية ، والقدرة والعزة ، وكل ما يلزم لقيام صفة القوة وما يترتب عليها ، واسم الله القوي دل على صفة من صفات الذات .

كيف ندعو الله باسمه القوي دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة أن يسأل الضعيف في دعائه باسمه القوي ، وكما في صحيح مسلم من حديث مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أنه قَال : ( جَاءَ أعرابي إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَال عَلِّمْنِى كَلاَمًا أَقُولُهُ ، قَال : قُل لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالمِينَ لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ، قَال : فَهَؤُلاَءِ لِرَبِّى فَمَا لي ؟ قَال : قُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لي وارحمني وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي ) ، وقال تعالى : ( وَلوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَل مِنْكَ مَالاً وَوَلداً ) (الكهف:39) .

أما دعاء العبادة فهو أن يتعزز المؤمن بقوة الله ، وأن يسخر قوته في طاعة الله ، وإن هم بالظلم تذكر قوة الله ، قال تعالى : ( أَوَلمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيرا ً) (فاطر:44) ، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلاَ تَعْجِزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ لوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَل فَإِنَّ لوْ تَفْتَحُ عَمَل الشَّيْطَانِ ) ، وروى الطبراني وقال الألباني : صحيح لغيره من حديث معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع ) ، وعند النسائي وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى عَقْرَبٍ رضي الله عنه أنه قَال : سَأَلْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّوْمِ فَقَال : صُمْ يَوْمًا مِنَ الشَّهْرِ ، قُلْتُ : يَا رَسُول اللهِ زِدْنِي زِدْنِي إِنِّي أَجِدُنِي قَوِيًّا ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ ليَرُدُّنِي قَال : صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وفي سنن ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أنه قَال جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فَقَرَأْتُهُ كُله فِي ليْلةٍ ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُول عَليْكَ الزَّمَانُ وَأَنْ تَمَل فَاقْرَأْهُ فِي شَهْرٍ ، فَقُلْتُ دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي ، قَال : فَاقْرَأْهُ فِي عَشْرَةٍ ، قُلْتُ : دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي ، قَال : فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ ، قُلْتُ دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي فَأَبَى .

الاسم السابع والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه المتين فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في آية واحدة من الآيات القرآنية ، في قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) ، وفي سنن أبى داود والترمذي وصححه الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه أنه قَال : أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ( إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) .

والمتين في اللغة هو الشيء الثابت في قوته ، وشدة عزمه وتماسكه ، وسعته وكماله وعظمته ، متن يمتن متانة أي قوي مع صلابة واشتداد ، ويلحق بهذا المتون الامتداد ، فيكون المتين بمعنى الواسع ، والله متين في ذاته قوي شديد وواسع كبير ، فلا تنقطع قوته ولا يلحقه كلل في مشيئته ، فالمتين هو القوي الشديد الذي لا يلحقه في أَفعاله مشقةٌ ولا كُلْفة ولا تعَبٌ ، وقال تعالى : ( وَأُمْلِي لهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (الأعراف:183) (القلم:45) ، الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة أو الابتلاء أو المعاقبة والجزاء ، وقد يكون عيبا مذموما إذا كان بالسوء في الابتداء ، وقد يكون محمودا إذا كان لتدمير كيد الكافرين والسفهاء ، فإذا كان الكيد عند الإطلاق كمالا في موضع ونقصا في آخر فلا يصح إطلاقه في حق الله دون تخصيص ، كقول القائل : الكيد صفة الله ، فهذا باطل لأن الإطلاق فيه احتمال اتصافه بالنقص أو الكمال ، لكن يصح قول القائل : الكيد من الله إنما هو للابتلاء والمعاقبة والجزاء ، فهو كيد مقيد لا يحتمل إلا الكمال فجاز أن يتصف به رب العزة والجلال ، كما أثبت ذلك لنفسه فقال : ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً ) (الطارق:16) ( وَأُمْلِي لهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (الأعراف:183) فوصف الله كيده للكافرين بأنه كيد شديد قوي متين لا يمكن لأحد رده أو ولا يمكن للكافرين صده ، والله غالب على أمره كتب الغلبة لنفسه ورسله .

واسم الله المتين يدل على ذات الله وعلى صفة الشدة والقوة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة القوة وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والقدرة والعزة ، والملك والعظمة ، وكل ما يلزم لقيام صفة الثبات في القوة وما يترتب عليها ، واسم الله المتين دل على صفة من صفات الذات .

كيف ندعو الله باسمه المتين دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة أن يدعو به كل مؤمن ضعيف مهزوم أو مقهور مظلوم يدعو باسم الله المتين أن يعينه ويقويه ، ويمنحه ويعطية ، وأن يفرغ عليه صبرا ويخرجه من البلاء الذي وقع فيه ، كما روى الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ رضي الله عنه قَال : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُول اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَلِيمًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلمُ وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ .

أما دعاء العبادة فسلوك يظهر صبر المؤمن على طاعة الله وثباته على منهجه في السراء والضراء ، وعند مسلم من حديث صُهَيْبٍ أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلهُ خَيْرٌ وَليْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ ) ، فالمسلم الذي وحد الله في اسمه المتين صابر على دينه محتسب في إخلاصه ، متمسك بحبل الله المتين ودينه القويم ، وفي مسند الإمام أحمد وحسنه الألباني من حديث أَنَس بْن مَالِكٍ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال : ( إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ ) .

الاسم الثامن والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الغني فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في النصوص النبوية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى : ( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) (الأنعام:133) فغناه غنى مطلق لا يفتقر إلى خلقه إلي خلقه إن أطاعوه أو أعرضوا عنه ، ( قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلى اللهِ مَا لا تَعْلمُون ) (يونس:68) ويقول تعالى عن دعوة الأغنياء إلى الإنفاق : ( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالكُم ْ) (محمد:38) .

وغالبا ما يقترن اسم الله الغني باسمه الحميد ، كقوله : ( لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحج:64) ( لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (لقمان:26) (الذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَل فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (الحديد:24) ( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) (البقرة:267) ، واقترن اسم الله الغني أيضا باسمه الحليم في قوله تعالى : ( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ) (البقرة:263) واسمه الكريم ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) (النمل:40) .

وفي سنن أبى داود وحسنه الشيخ الألباني والحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، من حديث عروة عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالتْ : شَكَى النَّاسُ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُحُوطَ الْمَطَرِ فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لهُ فِي الْمُصَلى وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ ، قَالتْ عَائِشَةُ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ صلى الله عليه وسلم وَحَمِدَ اللهَ عَزَّ وَجَل ثُمَّ قَال : إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَل أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لكُمْ ، ثُمَّ قَال : الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِىُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَليْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلى حِينٍ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ثُمَّ حَوَّل عَلى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلبَ أَوْ حَوَّل رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ ثُمَّ أَقْبَل عَلى النَّاسِ وَنَزَل فَصَلى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللهِ فَلمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالتِ السُّيُولُ فَلمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلى الْكِنِّ ضَحِكَ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ – الكِنُّ هو ما يَرُدّ الحَرَّ والبَرْد من الأبنِيَة والمساكن – فَقَال : أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِيرٌ وَأَنِّى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ .

والغني هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه ، والخلق جميعا فقراء إلى إنعامه وإحسانه ، والغني أصله صفة مشبهة للموصوف بالغنى ، والغنى في حقنا يعني قلة الاحتياج أو عدم الاحتياج ، ويتحقق بالأموال أو الأقوات التي يقتنيها الإنسان لدفع الضرر والحاجات ، وأي غني في حق ما سوي الله فهو نسبي مقيد ، أما غنى الحق سبحانه فهو كامل مطلق ، فهما بلغ المخلوق في غناه فهو فقير إلى الله ، فالله غنيٌ لا يحتاج لأحد في شيء لأنه المالك لكل شيء المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين ، خزائنه لا تنقص ولا تنفد ، يعطى من يشاء ما يشاء من فضله ، وقسم لكل مخلوق ما يخصه في رزقه ، وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أَبِى ذَرٍّ الغفاري أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى أَنَّهُ قَال : ( يَا عِبَادِي لوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِل الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ ) .

فالغنى على سبيل الإطلاق وعدم الحاجة هو الله ، وليس ذلك لأحد سواه ، فهو المستغنى عن الخلائق أجمعين ، الغنى بذاته عن العالمين ، واتصاف غير الله بالغني لا يمنع كون الحق متوحد في غناه ، لأن الغني في حق غيره مقيد وفي حقه الله مطلق ، وهذا واضح معلوم ، وذلك مضطرد في جميع أوصافه باللزوم .

واسم الله الغني يدل على ذات الله وعلى صفة الغني بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الغنى وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والقوة والأحدية ، والقدرة والصمدية والعزة والكبرياء ، والملك والعلياء ، وكل ما يلزم لمعنى الغنى وما يترتب عليه ، واسم الله الغني دل على صفة من صفات الذات .

كيف ندعو الله باسمه الغني دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في حديث الاستسقاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَل أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لكُمْ ، ثُمَّ قَال : الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِىُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَليْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلى حِينٍ ) وعند البخاري من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ : اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، اللهُمَّ اغْسِلْ عَنِّى خَطَايَاىَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّ قَلْبِى مِنَ الْخَطَايَا ، كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ .

أما دعاء العبادة فيظهر من خلال فهم العبد لمعني الغني الذي يؤدي إلى كمال الإيمان ، فيتواضع الغني على الرغم من غناه لعلمه أن المتوحد في الغني هو الله ، ويظهر الفقير بمظهر الغني وهو يعاني من شدة الفقر تعففا من سؤال الناس إلحافا ، كما قال تعالى : ( لِلْفُقَرَاءِ الذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة:273) .

فالغني الحقيقي هو غني النفس وعلو الإيمان كما ثبت في السنة مما روي الشيخان عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال : ( ليْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) ، وفي صحيح البخاري من حديث الْحَسَنَ أنه قال : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بِمَالٍ أَوْ سَبْىٍ فَقَسَمَهُ ، فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ رِجَالاً فَبَلغَهُ أَنَّ الذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَليْهِ ، ثُمَّ قَال : أَمَّا بَعْدُ ، فَوَاللهِ إِنِّي لأُعْطِى الرَّجُل ، وَأَدَعُ الرَّجُل ، وَالذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلىَّ مِنَ الذِي أُعْطِى وَلكِنْ أُعْطِى أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلعِ ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلى مَا جَعَل اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ) فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ .

ولا يمنع ذلك الأخذ بالأسباب طلبا للغني والتقوي على طاعة الله ، وإعانة الأمة وإغناء الفقراء من فضل الله ، مع توحيد الأغنياء لله في اسمه الغني ، واعتقادهم أنهم فقراء إلى ربهم مهما بلغت أموالهم ومناصبهم : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (فاطر:15) وفي صحيح مسلم من حديث عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَال كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ فَجَاءَهُ ابْنُهُ عُمَرُ فَلمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَال أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ فَنَزَل فَقَال لهُ أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَال اسْكُتْ سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ ، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَال جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال يَا رَسُول اللهِ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَال : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى ، وَلاَ تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلاَنٍ كَذَا ، وَلِفُلاَنٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلاَنٍ .

وعند البخاري من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال : قَال رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ . فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلى سَارِقٍ ، فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ زَانِيَةٍ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ الليْلةَ عَلى زَانِيَةٍ ، فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ عَلى زَانِيَةٍ ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ . فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِى يَدَىْ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلى غَنِىٍّ فَقَال اللهُمَّ لكَ الْحَمْدُ ، عَلى سَارِقٍ وَعَلى زَانِيَةٍ وَعَلى غَنِىٍّ ، فَأُتِىَ فَقِيل لهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلى سَارِقٍ فَلعَلهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلعَلهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا ، وَأَمَّا الْغَنِىُّ فَلعَلهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ
وعند البخاري من حديث سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ رضى الله عنه أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال له : ( إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِى امْرَأَتِكَ ) ، وعند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال : مَطْلُ الْغَنِىِّ ظُلْمٌ ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلى مَلِىٍّ فَلْيَتْبَعْ .

الاسم التاسع والثلاثون من أسماء الله الحسنى اسمه الوارث فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق والتعظيم مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في بعض النصوص القرآنية ، كما ورد في قوله تعالى : ( وَإِنَّا لنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُون ) (الحجر:23) ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (الأنبياء:89) ( وَكَمْ أَهْلكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) (القصص:58) .

وروى ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ لهُ مَنْزِلاَنِ مَنْزِلٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ فَإِذَا مَاتَ فَدَخَل النَّارَ وَرِثَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْزِلهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى ( أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) . ( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (المؤمنون:11) .

والوارث اسم فاعل للموصوف بالوراثة من غيره ، فعله ورث يرث ورثا وإرثا ووراثة ، والوراثة في حقنا انتقال المال أو الملك من المتقدم إلى المتأخر ، ومنه وارث مال الميت يملك تركته ووارث الملك يرث سلطانه ، والله هو الوارث الباقي وغيره هالك فان ، والخلائق يتعاقبون على الأرض ، فيرث المتأخر المتقدم ، والولد والده ، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة ، ولا يبقى في الأخير غير الله الوارث الكبير ، فالوارث سبحانه هو الباقي بعد فناء الخلق ، أو الوارث لجميع الأشياء بعد فناء أهلها ، قال تعالى : ( وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (آل عمران:180) ( وَمَا لكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (الحديد:10) ، وقد تحدثنا في اسم الله الآخر أن بقاء المخلوقات في الجنة لا يعني أنها تشارك الله في البقاء ، وكذلك فإنها لا تتعارض مع اسم الله الوارث ، لأن خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته ، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية ، بل من طبيعتها جميعا الفناء ، أما صفات الله عز وجل فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته باقية ببقاء ذاته سبحانه وتعالى لأن البقاء صفة ذاتية له فهو الوارث لجميع الخلائق في الدنيا والآخرة .

واسم الله الوارث يدل على ذات الله وعلى صفة البقاء المطلق بدلالة المطابقة وعلى ذات الله وحدها بالتضمن وعلى صفة البقاء وحدها بدلالة التضمن ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والقوة والأحدية ، والقدرة والصمدية والكبرياء والعزة ، والملك والعظمة ، وكل ما يلزم لمعنى البقاء وما يترتب عليه ، واسم الله الوارث دل على صفة من صفات الذات والفعل معا .

كيف ندعو الله باسمه الوارث دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في قوله تعالى : ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (الأنبياء:89) فقد كان يبتغي الولد مع انقطاع الأسباب ، فدعا الله بما ينساب حاله : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَل الرَّأْسُ شَيْباً وَلمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لمْ نَجْعَل لهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ) ، وروي الترمذي وحسنه الألباني عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( اللهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي وَعَافِنِي فِي بَصَرِي وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنِّى لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمِينَ ) .

أما دعاء العبادة ، فسلوك العبد يظهر فيه معني البقاء لله ، ويقينه بالزوال عن الحياة إلى أخراه ، فيتقي الله في حقوق الإرث ولا يظلم أحدا ، ويوقن أن الله هو الذي يقسم الأرزاق وأن الميراث الحقيقي هو ميراث العلم والأخلاق ، وميراث عدن والنعيم والفردوس يقول تعالى : ( إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِل صَالِحاً فَأُوْلئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لغْواً إِلا سَلاماً وَلهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً تِلْكَ الْجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً ) ( الذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون:11) ، وقال تعالى : ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (النساء:8) روى البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَال : ( إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ ، وَلاَ وَاللهِ مَا نُسِخَتْ ، وَلكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ ، وَذَاكَ الذِي يَرْزُقُ ، وَوَالٍ لاَ يَرِثُ ، فَذَاكَ الذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ ، يَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لكَ أَنْ أُعْطِيَكَ .

الاسم الأربعون من أسماء الله الحسنى اسمه الرقيب : فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في كثير من النصوص القرآنية ، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه ، كما ورد في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام : ( مَا قُلْتُ لهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَليْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَليْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المائدة:117) ( إِنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) وقال : ( لا يَحِلُّ لكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّل بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (الأحزاب:52) .

وعند البخاري ومسلم ابْنِ عَبَّاسٍ قَال قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطِيبًا بِمَوْعِظَةٍ فَقَال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَليْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) أَلاَ وَإِنَّ أَوَّل الخَلاَئِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَليْهِ السَّلاَمُ ، أَلاَ وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ؟ فَأَقُولُ كَمَا قَال العَبْدُ الصَّالِحُ : ( وَكُنْتُ عَليْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَليْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شيء شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم ُ) قَال : فَيُقَالُ لِي إِنَّهُمْ لمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ ) .

والرقيب في اللغة فعيل بمعنى فاعل وهو الموصوف بالمراقبة ، فعله رقب يرقب رقابة ، والرقابة هي الحراسة والانتظار مع الحذر والترقب ، والله رقيب راصد منتظر حافظ ، لا يغيب عنه شيء ، ومراقبته لخلقه عن استعلاء وفوقية ، وقدرة وصمدية ، مراقبته لخلقه دائمة في كل زمان ، وكاملة في كل مكان ، وعلى أفضل حال وأقوى وسيلة ، فهو يرى المراقَب ويسمعه بكيفية تليق بجلاله ، يرى أحوال العباد ويعلم أقوالهم ويحصى أعمالهم ، ولا يخفى عليه شيء من سرائرهم ، والمؤمن يشعر بالمراقبة الإلهية في سره ونجواه ، وفي هذا من الترغيب والترهيب ما يدفعه إلى الطاعة ويمنعه من المعصية .

واسم الله الرقيب يدل على ذات الله وصفة الرؤية والمتابعة بدلالة المطابقة ، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن ، وعلى صفة الإبصار وحدها بدلالة التضمن ، ويدل باللزوم على الحياة والقيومية ، والعلم والهيمنة ، والإحاطة والقوة والعظمة والعزة ، وكل ما يلزم لقيام معنى المراقبة المطلقة ودوامها وما يترتب عليها .

كيف ندعو الله باسمه الرقيب دعاء مسألة ودعاء عبادة ؟ دعاء المسألة كما في قول عيسى عليه السلام : ( وَكُنْتُ عَليْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَليْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شيء شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم ُ) وفي خطبة الحاجة كما ورد عند أبي داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود قَال عَلمَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُطْبَةَ الْحَاجَةِ : إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِل لهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ( اتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيبًا )

أما دعاء العبادة فهو مراقبة العبد لربه توحيدا له في اسمه الرقيب فيرقي العبد بإيمانه إلى درجة الإحسان كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في تعريفها : ( الإِحْسَان أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) ، فوجب على العبد أن يراقب ربه في طاعته وعبادته ، ويعلم أنه معه من فوق عرشه يتابعه ، يراه ويسمعه ، وعند أبي داود وحسنه الألباني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : كَانَ رَجُلاَنِ فِي بَنِي إِسْرَائِيل مُتَآخِيَيْنِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ فَكَانَ لاَ يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَي الآخَرَ عَلي الذَّنْبِ فَيَقُولُ : أَقْصِرْ ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلي ذَنْبٍ فَقَال لهُ : أَقْصِرْ ، فَقَال : خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلي رَقِيبًا ، فَقَال : وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لكَ أَوْ لاَ يُدْخِلُكَ اللهُ الْجَنَّة ، فَقُبِضَ أَرْوَاحُهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالمِينَ فَقَال لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ أَكُنْتَ بِي عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلي مَا فِي يَدِي قَادِرًا ، وَقَال لِلْمُذْنِبِ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَقَال لِلآخَرِ اذْهَبُوا بِهِ إِلي النَّارِ ، قَال أَبُو هُرَيْرَةَ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لتَكَلمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَه ُ.

أحبتي في الله ، ( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .