طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > الاعتبار بمصارع الأمم (1/2)- منقذ السقّار

ملتقى الخطباء

(4٬094)
72

الاعتبار بمصارع الأمم (1/2)- منقذ السقّار

1431/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

فالعقوبة الإلهية سنة من سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل..والعذاب والعقوبة التي أوعد الله بها الأمم لها موعد صدق يأتيها وإن طال على سبيل الاستدراج أو الإمهال، إذ هو سنة كونية يعذب الله بها الأمم أمة تلو أمة، وهذه السنن لا تحابي أمة، ولا تتجاوز مستحقاً للعذاب، وإن تأخر ذلك إلى حين أجله..

 

 

 

منقذ السقار

مقدمة:

يقف العالم اليوم في منعطف خطير، خطير لما وصل إليه الكفر من عنجهية واستكبار وكفر بالله الواحد القهار، وخطير لما وصل إليه حال المسلمين اليوم من ذلة وفرقة واختلاف.

والناظر في هذا المآل يبحث عن السبب والمخرج، ما الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من ضروب الذلة؟ وما هو مصير الأمة الكافرة الباغية المتجبرة؟ وهل هي أشد على الله من الأمم التي أهلكها؟ ومتى يصيبها ما أصاب السابقين؟

في هذه السطور نقف مع مصارع الأمم الغابرة وصور العذاب الأليم الذي أنزله الله بها، ليكون لنا في هذه الوقفة صرخة نذير أن يصيبنا ما أصابهم، وبشارة بشير بقرب هلاك الكبر والطغيان وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

التحذير من سنن الله الماضية في الأمم والاعتبار بمصارعها:

يقص القرآن علينا أمة الإسلام مصارع الأمم الغابرة، لنقرأ سيرهم فنحذر ما أحل بهم العذاب، ولكي نرى ما ينتظر الأمم التي تقع في أمثال هذه المعاصي والآثام، وجاء هذا التحذير في كثير من آيات القرآن الكريم، ومنه:

1- وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا [الإسراء:17].

قال القرطبي في تفسيرها: "ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم" [تفسير القرطبي 6/391].

قال الطبري: "وقد أهلكنا أيها القوم من قبلكم من بعد نوح إلى زمانكم قروناً كثيرة كانوا من جحود آيات الله والكفر به وتكذيب رسله على مثل الذي أنتم عليه، ولستم بأكرم على الله تعالى منهم لأنه لا مناسبة بين أحد وبين الله جل ثناؤه، فيعذب قوماً بما لا يعذب به آخرين أو يعفو عن ذنوب ناس فيعاقب عليها آخرين" [تفسير الطبري 15/57].

2- إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَال [الروم:41]، وقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَـاتِ رَبّهِمْ فَأَهْلَكْنَـاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـالِمِينَ [الأنفال:53، 54].

قال الشوكاني: "والمعنى أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير نعمه التي ينعم بها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم" [فتح القدير 2/318].

3- قُلْ سِيرُواْ فِى الأرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ [الروم:42]. قال ابن تيمية: "وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا فنشبه حالنا بحالهم ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان" [العقود الدرية 1/137].

4- لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 188]. قال الطبري: "فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا من الخسف والمسخ والرجف والقتل وما أشبه ذلك من عقاب الله ولا هم ببعيد منه" [تفسير الطبري 4/209].

وذكرت الآيات أن المصائب والمهالك عقوبات تصيب الأمم بسبب ذنوبهم وآثامهم، فالله حكم عدل لا يظلم أحداً، ومن هذه الآيات:

1- وَمَا أَصَـابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30]. قال الطبري: "يقول تعالى ذكره: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم فبما كسبت أيديكم يقول فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترحتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم، ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم فلا يعاقبكم بها" [الطبري 25/32].

2- أَلَم يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرهِيمَ وِأَصْحَـابِ مَدْيَنَ وَلْمُؤْتَفِكَـاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيّنَـاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة:70].

3- إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون [يونس:44]. قال ابن مسعود: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين لأصاب العذاب جميع الخلق حتى الجعلان في جحرها ولأمسك الأمطار من السماء والنبات من الأرض فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو والفضل كما قال: وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30]" [تفسير القرطبي10/120].

والعذاب والعقوبة التي أوعد الله بها الأمم لها موعد صدق يأتيها وإن طال على سبيل الاستدراج أو الإمهال، إذ هو سنة كونية يعذب الله بها الأمم أمة تلو أمة، وهذه السنن لا تحابي أمة، ولا تتجاوز مستحقاً للعذاب، وإن تأخر ذلك إلى حين أجله، وقد قال الله: وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]. أي أجل موتهم ومنتهى أعمارهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" [تفسير القرطبي10 /120].وقال: فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بِهَـاذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ [ن:44-45]. قال القرطبي: "واعلم المشركين أن تأخير العذاب ليس للرضا بأفعالهم بل سنة الله إمهال العصاة مدة" [تفسير القرطبي 9/376].

فالعقوبة الإلهية سنة من سنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل، كما قال الله: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الأرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ)[آل عمران:137]. قال القرطبي: "المعنى قد خلت من قبلكم سنن يعني بالهلاك فيمن كذب قبلكم كعاد وثمود والعاقبة آخر الأمر وهذا في يوم أحد يقول فأنا أمهلهم وأملي لهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجله يعني بنصره النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهلاك أعدائهم الكافرين" [تفسير القرطبي 4/216].وقال: اسْتِكْبَاراً فِى الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيّىء وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43]. قال القرطبي: "سنة الله في خلقه يرفع من تخشع، ويضع من ترفع" [تفسير القرطبي 9/42].

 

هل يصيب هذه الأمة عذاب الأمم السابقة؟

ابتلى الله الأمم الغابرة بأصناف العذاب البالغة، وهذا العذاب على ضربين:

أولهما: عذاب الاسئئصال، وهو الذي يودي بجميع الأمة فلا يبقي منها ولا يذر، كما حصل مع قوم نوح عاد وثمود.

والثاني: هو ذلكم العذاب الشديد الذي يصيب الأمة ويزلزلها كالطواعين والطوفان والكوارث من خسف ومسخ، وقد عذب الله به فرعون وبني إسرائيل، وهذا النوع من العذاب لا يؤدي إلى فناء الأمة المعذبة برمتها.

وقد ذهب أهل العلم إلى أن النوع الأول قد رفعه الله عن البشرية ببالغ رحمته، ولو عذبهم به كان عادلاً جل وعلا: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ [فاطر:45]. ولم يرفع من هذا العذاب أصل جنسه، إذ من الممكن أن يسلط الله الريح أو الحاصب على أمة من الأمم من غير أن يستأصلهم به.

قال الحافظ المقدسي: "وتأمل حكمته تعالى في عذاب الأمم السالفة بعذاب الاستئصال لما كانوا أطول أعماراً وأعظم قوى وأعتى على الله وعلى رسوله، فلما تقاصرت الأعمار وضعفت القوى رفع عذاب الاستئصال، وجعل عذابهم بأيدي المؤمنين، فكانت الحكمة في كل واحد من الأمرين ما اقتضته في وقته" [مفتاح دار السعادة 1/255].

ويبين شيخ الإسلام أن الاستئصال إنما رفع برسالة موسى عليه السلام فيقول: "وكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب الاستئصال عذاباً عاجلاً، يهلك الله به جميع المكذبين كما أهلك قوم نوح وكما أهلك عاداً وثمود وأهل مدين وقوم لوط وكما أهلك قوم فرعون،…. إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال، بل قال تعالى: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاْولَى [القصص:43]. بل كان بنو إسرائيل لما يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب بعضهم، ويبقى بعضهم، إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر، ولهذا لم يزل في الأرض أمة من بني إسرائيل باقية" [الجواب الصحيح 6/442].

ويقول ـ رحمه الله ـ مبيناً الصورة الجديدة التي أرادها الله لردع أعدائه، ألا وهي الجهاد لهؤلاء الكفار ومراغمتهم حتى لا تبقى فتنة ويكون الدين لله: " المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراة لم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب من السماء يعمهم كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار كما أمر بني إسرائيل على لسان موسى بقتال الجبابرة" [الجواب الصحيح 2/251].

ولما بعث رسول الله كان رحمة للبشرية جمعاء كما في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالَمِينَ [الأنبياء:107]. قال ابن عباس: "كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع الناس، فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق" [القرطبي 11/350]. ومقصوده الخسف الشامل، وإلا فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع بعضه فيما بينه وبين الساعة-كما سيأتي في حينه-.

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه دعا الله أن لا يهلك أمته بسنة عامة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة…وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة)) [رواه الطبري في تفسيره 7/226، قال ابن حجر: إسناده صحيح. فتح الباري 8/293].

لكنه صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع أصناف من العذاب العميم الذي يصيب بعض الأمة دون بعض كما في أحاديث المسخ والقذف والخسف الذي يكون بين يدي الساعة.

وأما حديث جابر لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ [الأنعام:65]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بوجهك))، قال: أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال: ((أعوذ بوجهك)) أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا أهون أو هذا أيسر)) [البخاري ح4628]. ففيه قال ابن حجر: "الإعاذة المذكورة في حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص، وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة، وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم" [فتح الباري 8/293]. أي وقوع العذاب لبعض الأمة دون بعض.

قال شيخ الإسلام: "وكان من حكمته ورحمته سبحانه وتعالى لما أرسل محمداً أن لا يهلك قومه بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كما عذب طوائف ممن كذبه بأنواع من العذاب" [الجواب الصحيح 6/443].

كما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان لأمته، حين سأل الله أن يرفع عنهم العذاب، فقال: ((وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها وعشرون عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم وعشرون عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً)) [مسلم ح2889].

قال شيخ الإسلام: "هذا الدعاء استجيب له في جملة الأمة و لا يلزم من ذلك ثبوته لكل فرد، وكلا الأمرين صحيح، فإن ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل، و لولا ذلك لأهلكوا بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم" [مجموع الفتاوى 14/150].

 

صور العذاب:

يورد القرآن والسنة في عشرات المواضع التي يتحدث الله فيها عن عذابه ورجزه الذي أنزله في الأمم السابقة، وكيف تنوعت صورة انتقام الله العظيم من أعدائه المجرمين والكافرين.
وقد تفاوتت العقوبات التي أصابت الأمم بتفاوت جرائمهم وعصيانهم لله عز وجل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم و جرائمهم، فعذب قوم عاد بالريح الشديدة العاتية التي لا يقوم لها شيء، وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب ديارهم عليهم بأن جعل عاليها سافلها، والخسف بهم إلى أسفل سافلين، وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم وأحرقت تلك الأموال التي اكتسبوها بالظلم والعدوان، وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة فماتوا في الحال … ومن اعتبر أحوال العالم قديماً وحديثاً وما يعاقب به من يسعى في الأرض بالفساد وسفك الدماء بغير حق، وأقام الفتن واستهان بحرمات الله علم أن النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون" [مجموع الفتاوى 16/249]. قال السعدي: "فكل من هؤلاء الأمم المكذبة أخذنا بذنبه على قدره وبعقوبة مناسبة له" [تيسير الكريم 4/60].

 

كما أن هذه العقوبات الإلهية كانت – في كثير من صورها – صورة لما ارتكبته الأمم من جرائم وقبائح، فكان الجزاء من جنس العمل، يقول ابن القيم: "وقد جعل الله سبحانه أعمال البر والفاجر مقتضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بد منه، فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغيث من السماء والقحط والجذب، وجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين وتعدي القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون إن استرحموا، ولا يعطفون إن استعطفوا، وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم، فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها، فتارة بقحط وجدب، وتارة بعدو، وتارة بولاة جائرين، وتارة بأمراض عامة، وتارة بهموم والآم وغموم تحضرها نفوسهم، لا ينفكون عنها، وتارة بمنع بركات السماء والأرض عنهم، وتارة بتسليط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزاً، لتحق عليهم الكلمة وليصير كل منهم إلى ما خلق له، والعاقل يسّير بصيرته بين الأقطار العالم فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته" [زاد المعاد 4/363].

ومن صور العذاب الكثيرة نتوقف مع هذه الصور:

1. الغرق والطوفان:

وهو أول عذاب استئصال عذب الله به الكافرين من قوم نوح فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـالِمُونَ [العنكبوت:14].

مّمَّا خَطِيئَـاتِهِمْ أُغْرِقُواْ [نوح:25]. قال ابن كثير: "من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أغرقوا فأدخلوا ناراً" [تفسير ابن كثير 8/263].

ثم عذب الله فرعون وجنوده بالغرق في اليم فَأَغْرَقْنَـاهُمْ فِي الْيَمّ [الأعراف:136]. فَأَغْرَقْنَـاهُمْ أَجْمَعِينَ [الأنبياء:77].

كما عذب بالسيل والطوفان مملكة سبأ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـاهُمْ بِجَنَّـاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَـاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:16-17].

وهدد الله الآمنين من مكره بعذاب الغرق فقال: أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مّنَ الرّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [الإسراء:69].

2. الريح:

وهو عذاب الله عذب به قوم عاد لما كفروا بربهم.

وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:6]. ويقول: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [فصلت:16].

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف:24].

وقد كان نبينا إذا رأى ريحاً خاف وظهر ذلك في وجهه، وفي مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان إذا عصفت الريح يقول: ((اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسـلت به)) [مسلم ح(889)].

تقول عائشة رضي الله عنها: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ فقال: ((يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، ورأى قوم العذاب فقالـوا: هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا)) [البخـاري ح(4829)، مسلم ح (889)].

3. الصيحـة:

والصيحة هي كما قال القرطبي في تفسيرها: "صيح بهم فماتوا، وقيل صاح بهم جبريل، وقيل غيره. وقال أيضاً: كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم" [تفسير القرطبي 7/42، 9/61].

وهي عذاب الله الذي عذب به قوم صالح وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـاثِمِينَ [هود:67].وقال:إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر:31].

ويهدد الله المشركين بمثل هذا العذاب فيقول: وَمَا يَنظُرُ هَـؤُلآء إِلاَّ صَيْحَةً وحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ [ص:15].

4. الحـاصب:

والحاصب كما قال أبو عبيدة: الحجارة وقال ابن حجر: الحصباء في الريح. [انظر تفسير القرطبي 17/143، فتح الباري 8/391].

وهو العذاب الذي عذب الله به قوم لوط لما كفروا وارتكبوا الموبقات فقال: فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً [العنكبوت:40] وقال: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـاصِباً إِلاَّ الَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـاهُم بِسَحَرٍ [القمر:34].

وهو قوله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ الظَّـالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82، 83].

ونقل القرطبي في تفسيره وَمَا هِى مِنَ الظَّـالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]. عن مجاهد أنه قال: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد.

وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ظالماً بعد. [تفسير القرطبي 9/83].

وهو العذاب الذي عذب الله به أصحاب الفيل أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ [الفيل:1-4].

ومن جنسه الحد الذي جعله الله عقوبة للزاني المحصن، وهو الرجم.

والحاصب هو العذاب الذي حذر الله قريشاً به فقال: أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:17].

وقال: أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا [الإسراء:68].

 

 

المنبر