طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > آثار الجهل بأسماء الله وصفاته

ملتقى الخطباء

(2٬674)
68

آثار الجهل بأسماء الله وصفاته

1431/02/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

“ولأنهم جهلوا أسماءَ الله وصفاتِه، فحُرموا من تلك الآثار والثمرات بقدر ما جهلوا منها، وقد أثَّر هذا الجهل على نفوسهم، وفي حياتهم السلوكية والتربوية أثرًا سلبيًّا كبيرًا، وأفرزت بعض المفاهيم والأفكار والأحكام المنحرفة، وتوالدتْ منها مناهج سلوكية منحرفة، أثَّرتْ على..”

 

 

 

 

آدم عبده يحيى

مقدمة:

العناية بدراسة أسماء الله – تعالى – وصفاته، أصبحَتِ اليوم وظيفةَ علماء أهل السنة والجماعة؛ إذ أعطَوا هذا الجانبَ الاهتمامَ الأكبر على اختلاف وظائفهم العلمية، والدعوية، والتربوية، ولم يقتصروا على دراسة الجوانب الذهنية المجردة فحسب؛ لأن المقصود أن نفهمها، ونعمل بها، ونتربَّى عليها، وهذا من حسن معاملة العبد مع ربه – جل وعلا.

وينبغي أن نفهم أن تعدُّد أسماء الباري وصفاته تدلُّ على معنى عظيم في حق الله – تعالى – وأن لها في الخلق أثرًا كبيرًا، ولا سيما في قلوب المؤمنين بها؛ فإنه كلَّما خطر ببال العبد أن هناك مخلوقًا يَنفع الخلقَ، ويُجير مَن استجاره، وينصر مَن استنصره، تذكَّر بأن الله – جل وعلا – موصوف بأحسن الأسماء، وأكمل الصفات.

بل يُخشى أن يكون عدم التأثُّر بأسماء الله وصفاته إيمانيًّا وتربويًّا – تعطيلاً لها مما دلَّتْ عليه، من معانٍ وآثار في النفوس والخَلْق والكون.

فلا تتم عبوديةُ العبد لمولاه، ولا يبلغ درجةَ الكمال؛ إلاَّ بفهم معاني أسمائه وصفاته؛ ليثمر له ذلك مقام عبودية الله – عز وجل.

قال العز بن عبد السلام: "فهم معاني أسماء الله – تعالى – وسيلة إلى معاملته بثمراتها، من الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل"[1].

وقد أنكر الله – تعالى – على مَن ظن أن إيجاد الكون والخلق عبثٌ، وأن هذا المعتقد الفاسد تأباه أسماؤه وصفاته؛ فقال – جل وعلا -: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116].

ولأن "الجهَّال بالله وأسمائه وصفاته، المعطِّلين لحقائقها – يُبغِّضون اللهَ إلى خلقه، ويقطعون عليهم طريق محبته، والتودُّد إليه بطاعته، من حيث لا يعلمون"[2].

ولأنهم جهلوا أسماءَ الله – تعالى – وصفاتِه، فحُرموا من تلك الآثار والثمرات بقدر ما جهلوا منها، وقد أثَّر هذا الجهل على نفوسهم، وفي حياتهم السلوكية والتربوية أثرًا سلبيًّا كبيرًا، وأفرزت بعض المفاهيم والأفكار والأحكام المنحرفة، وتوالدتْ منها مناهج سلوكية منحرفة، أثَّرتْ على المجتمع المسلم إلى اليوم، وسأتناول منها بعض الفِرق المشهورة، والجوانب السلبية عندهم في هذا الباب.

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على الخوارج:
هؤلاء لما غفلوا عن أسماء الله – تعالى – وصفاته المتعلِّقة بالعفو والرحمة والمغفرة، كان الجهل بمعانيها سببًا في السلوك السلبي في حياتهم، وعدم الاعتدال في مذهبهم، فهم قائمون على غلو في المعتقد والفكر، وتشدُّد وتعنت في السلوك، فأرهبوا العُصاة وهدَّدوهم بأسماء الله – تعالى – وصفاته القهرية، وساقوا الناس بالزجر والوعيد، وأزعجوهم بآيات العذاب، وأغلقوا أمامهم أبوابَ الجنة لمطلق الذنب والمعصية، فظَنوا في الله – تعالى – ظن السَّوء، وجعلوه جبارًا، شديد البطش، لا يغفر ولا يرحم – تعالى الله عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.

فهم لم يكن لهم حظٌّ من معاني أسماء الله – تعالى – وصفاته المتعلِّقة بالرجاء والرحمة، والعفو والمغفرة،ولم يلِجوا هذا الباب، أو يقفوا في هذا المقام، فبقدر جهلهم وغفلتهم في أسماء الله – تعالى – وصفاته الأخرى، حُرموا بعض آثارها في نفوسهم، وعلى سلوكهم.

ومن تلك الآثار:
1- التشديد على النفس فيما وهبها الله – تعالى – من التيسير، ورفع الحرج، ودفع المشقة، فأخذوها بالإصْر والأغلال في الأحكام.

عن معاذة – رضي الله عنها -: أن امرأة قالت لعائشة – رضي الله عنها – :"أتجزي إحدانا صلاتُها إذا طهرتْ؟ فقالت: أحرورية أنت؟! كنا نحيض مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله"[3]، وفي رواية: "ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية[4] أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"[5].

2- تكفير العصاة، وسلبهم حُلَّةَ الإيمان بكبائر الذنوب؛ لوقوفهم على فهم مطلق بعض النصوص، وعدم جمعهم بين الأدلة؛ كقوله – تعالى -: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23].

وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن…)) إلخ الحديث[6].

فهم يرون أن كل فعل يُطلق عليه اسم المعصية يُعدُّ كفرًا، ويلغي مسمَّى الإيمان، ويغفلون عن مقتضى أسماء الله – تعالى – وصفاته مِن وعده للعصاة بالمغفرة والرحمة، وتكفيره للسيئات، ومغفرة الزلات لمن يشاء من عباده.

3- استحلال دماء وأموال العصاة من المؤمنين بما هو دون الكفر الأكبر.

4- إنكار شفاعة الله – تعالى – للعصاة يوم القيامة، وهم بهذا المعتقد الباطل يسلبون الله – تعالى – حقَّ الامتنان على مَن يشاء مِن عباده بالعفو والتجاوز عن المسيء، والرحمة بالمذنبين، والتي هي صفات لازمة له – سبحانه – إلى يوم القيامة؛ بل قد ادخر من رحمته إلى ذلك اليوم تسعةً وتسعين جزءًا؛ ليرحم بها من شاء من عباده.

5- الحكم بالنار على مرتكبي الكبائر خالدين فيها أبدًا، وأنهم يستحقونها، وتحريم الجنة عليهم.

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على المرجئة:
وهؤلاء ظهروا بعد الخوارج، وقابلوهم بسوء المعتقد من الطرف الآخر، فأفرطوا في حسن الظن برحمة الله – تعالى – وعفوه ومغفرته، وغفلوا عما يقابلها من صفات قهرية، فأفرطوا في هذا الباب، وحملوا العصاة – بل والفجرة والكفرة – على السلامة والإسلام؛ فثبطوا الناسَ عن العمل والطاعة بآيات الوَعْد، وألبسوهم ثياب الإيمان لمجرد النطق بالشهادة، أو الإقرار بها في القلب، فكان لهم نصيب من الانحراف في النفس والسلوك، على قدر جهلهم بأسماء الله – تعالى – وصفاته القهرية.

وكان لهذا المنهج أثره الواضح في نفوسهم، وعلى سلوكهم، ومن ذلك:
1- توسيع دائرة الإيمان، وفتحها لكل من أقرَّ بالشهادة في قلبه، أو نطق بها بلسانه، وعلى هذا سيدخل في دائرة الإيمان: إبليس الرجيم، وفرعون الطاغية.
2- التهاون بكبائر الذنوب، وعدم احتقار الصغائر، فتُلغى معها معايير الإيمان، وتُنسف شُعبه ومظاهره، ويفسد المجتمع، وينتشر الشر، وتختلط الرذيلة بالفضيلة، ولن تبقى لله حرمة – نسأل الله العافية.

تعليق:
قال بعض السلف: "مَن عبَدَ الله بالحُبِّ وحده، فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده، فهو حروري (من الخوارج)، ومن عبد الله بالرجاء وحده، فهو مرجئ"[7].

وهنا يقول ابن القيم – رحمه الله – في كلام نفيس ولطيف – معلقًا على سلوك الخوارج والمرجئة – ما نصه: "وأكملُ الناس عبوديةً: المتعبِّدُ بجميع الأسماء والصفات التي يطَّلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمَن يحجبه التعبُّدُ باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم الرحيم)، أو اسمه (المعطي) عن اسمه (المانع)، أو عبودية اسمه (الرحيم والعفو والغفور) عن اسمه (المنتقم)، أو التعبد بأسماء (التودد، والبر، واللطف، والإحسان) عن أسماء (العدل، والجبروت، والعظمة، والكبرياء)، ونحو ذلك"[8]، فهذه – والله – عبودية الكُمَّل من المؤمنين، نسأل الله – تعالى – التوفيق إلى تلك المنازل.

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على الجبرية:
وهؤلاء خرجوا عن نظام العبودية للمعبود، وخلعوا رِبقة الإسلام من أعناقهم، وحسبوا أفعالهم كلها طاعاتٍ لله – تعالى – لسوء ظنِّهم بربهم؛ حيث قالوا: إنهم مجبورون من عند الله – تعالى – على ما يفعلونه، وأن حركتهم كحركة الأشجار عند هبوب الرياح، وإنهم غير ميسَّرين لما خُلقوا له، فهم مجبورون على ما يفعلونه، وأن ما يفعلونه هو بحكم الله وقَدَرِه، وأن التكاليف الشرعية تكليفٌ بما لا يُطاق، وكيف يعذِّب عبادَه على ما لا يقدرون على فعله أو تركه؟! وأنه يجب على الله – تعالى – أن يثيبهم ولا يعاقبهم، "حتى أنشد أحدهم قائلاً:

أَصْبَحْتُ مُنْفَعِلاً لِمَا يَخْتَارُهُ مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتُ

وقالوا: إنْ كنَّا عاصين لأمره ونهيه، فقد أطعناه لحكمه وإرادته، فأيُّ انسلاخ من الشرائع مثل هذا الانسلاخ؟!"[9].

فهؤلاء أساؤوا الظن بالله – تعالى – بأنه جبرهم على تلك المعاصي، وأنها ليست من اختيارهم وإرادتهم، وأن الله – تعالى – قد يعاقب المطيعَ، ويثيب العاصي، وإن كانوا سواء في العمل[10]، وهذا من أسوء الأدب مع الله – تعالى.

فمن آثار هذا المنهج المنحرف ما يأتي:
1- ترك العمل بالطاعات، ولو على وجه القربة والاحتساب، وأنها لا تنفع عند الله – تعالى.
2- الجرأة في المخالفة للأمر الشرعي؛ لاعتقاد أنها لا تضر عند الله – تعالى.

فهؤلاء إذا دُعُوا إلى ترك الشرك بالله – تعالى – قالوا: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]، وإذا دعوا إلى الصدقة والإنفاق، قالوا: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس: 47].

إنها كلمة وعقيدة قائمة على قاعدة إبليس لما احتج على الله – تعالى – بقوله: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39]، فكان من فساد رأي إبليس أن أضاف الإغواء إلى الله – تعالى.

والله – تعالى – قد أعطى الإنسانَ حقَّ الخيار التام في حياته؛ فقال – تعالى -: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، ومن ثَمَّ له أن يحاسبه على خياره وكسْبه – له أو عليه – فقال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286]، وهذا من تمام عدل الله – تعالى – في خلقه.

أما أن الله – تعالى – خلق الشر والفساد، فنعم؛ لكنه – سبحانه – أراده على مقتضى مشيئته الكونية، ولكنه لم يُرِدْه شرعًا من عباده؛ بل كرهه – سبحانه وتعالى – ولم يرضَه من عباده.

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على القدريَّة:
وهؤلاء ظهروا على نقيض الجبرية تمامًا، فقالوا: "لا قَدَر، والأمر أُنُف" (أي: إن علم الله – تعالى – لم يكن سابقًا للفعل)، وزعموا أن الله – تعالى – لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، وأنه لم يقدِّره بالأزل، وأن الله يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وأن العبد هو الذي أوجد فعله بنفسه، وليس لله فيه مشيئة، وأن الجنة هي عوض عن العمل[11].

وأرادوا بهذا المعتقد أن يتوصلوا إلى: أن المعاصي ليست محبوبة لله – تعالى – ولا مرْضية عنده لو وقعت من الإنسان؛ لأنه لم يكن يعلمها قبل وقوعها، ولأنها خارجة عن مشيئة الله – تعالى – وخلقه[12].

ومنشأ غلط هؤلاء: أنهم ظنوا أن كل ما شاءه الله – تعالى – وخَلَقه، يستلزم أنه يحبه ويرضاه شرعًا من عباده[13].

وهذا معتقد فاسد، لا يليق بالله – تعالى – الذي أحاط بكل شيء علمًا، ولا يكون في ملكه إلا ما يشاء، ويخالف المذهبَ الحق الذي أجمع عليه المسلمون على أن ما شاء الله – تعالى – كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن مِن مشيئته – تعالى – أنه يخلق المحبوب ويحبه، ويخلق المكروه ويبغضه، وأن الله – تعالى – ما خلق المكروه – كإبليس وجنوده – إلا لحكمةٍ يريدها الله – تعالى – من ورائه، كمعرفة المؤمنين من الكافرين، والصادقين من الكاذبين، وهكذا.

ولهذا المعتقد آثار سلوكية منحرفة، منها:
1- جحود فضل الله – تعالى – على العبد، وقدرته وهدايته له، وحفظه ورعايته في ستر السيئات، "هم لذلك مبخوسو الحظِّ جدًّا من الاستعانة بالله – تعالى – والتوكل عليه، والاعتصام به، وسؤاله أن يهديهم، وأن يثبِّت قلوبهم، وألاَّ يزيغها، وأن يوفِّقهم لمرضاته، ويجنِّبهم معصيته؛ إذ هذا كله واقع بهم، وعين أفعالهم"[14]، فلا يلجؤون إلى الله – تعالى – برغبة أو اعتصام، ولم يعترفوا له بحول ولا قوة – نعوذ بالله من ذلك المعتقد الفاسد.

2- فقدان التوكل على الله – تعالى – والعُجب بالعمل والطاعة، وعدم الإخلاص لله بالعمل والاحتساب للأجر؛ إذ يعدُّون الثواب على أعمالهم أنه واجب على الله – تعالى – لهم.

قال سليمان الداراني: "كيف يعجب عاقل بعمله؟! وإنما يُعد العمل نعمةً من الله، إنما ينبغي له أن يشكر ويتواضع، وإنما يعجب بعمله القدريةُ"[15].

وقال ابن تيمية: "ولذلك لا يصح التوكُّل ولا يُتصوَّر من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة، القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء"[16].

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على المعطلة:
وهؤلاء منهم مَن لم يثبت أسماء الله – تعالى – وصفاته مطلقًا؛ كالجهمية، وهم أصل هذه البدعة، ومنهم من أثبت الأسماء ونفى الصفات؛ كالمعتزلة، ومنهم من أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفى بقية صفات الله – تعالى – كالأشاعرة والماتريدية.

وقد نَسَبَ أهلُ السنة والجماعة هؤلاء إلى التعطيل، وسمَّوهم بالمعطِّلة.

وكلٌّ من هؤلاء له في باب التعطيل حظٌّ من آثار الجهل بالله – تعالى – بقدر جهلهم وتعطيلهم لأسمائه وصفاته، وفي حياتهم من التقصير والانحراف بقدر جهلهم وتعطيلهم لأسماء الله – تعالى – وصفاته.

"والقصد: أن كل مَن أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، ولا بد حتى في الأعمال"[17].

فالجهمية: "نزَّهوا الرب عن عرشه، وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت، وقالوا: هو في كل مكان بذاته، ونزهوه عن صفات كماله، ونعوت جلاله؛ حذرًا بزعمهم من التشبيه"[18]، فوقعوا فيما هو أردأ وأشنع من التشبيه، حيث سلبوه كلَّ معاني الكمال والجلال، فقالوا: لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا علم له، ولا حياة به؛ فوصفوه بالعدم المحض.

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى -: "كل شرك في العالم فأصلُه التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه، وظن السوء به، لما أُشرك به؛ كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه: {أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 86، 87]؛ أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟! وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاءَ؟! أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟! أم ظننتم أنه يخفى عليه شيءٌ من أحوال عباده، حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟! أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم، وقضاء حوائجهم؟! أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟! والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه، فلا تجد معطلاً إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقلٌّ ومستكثِر"[19].

مثل هؤلاء المعطلة صارتْ قلوبُهم خاويةً من معاني الألوهية كلها، فلا تعرف قلوبهم مكانَ الرب، إن تحركوا لا يشعرون أن الله يراقبهم، وإن دَعَوُا الله لا يعقلون أنه يسمعهم، وإن آوَوْا إلى فُرُشِهم لا يَكِلُون أمرهم إلى مَن يَكلَؤُهم ويحفظهم، فبمَن يستنصر هؤلاء إن زعموا أن الله لا يسمع؟! وبمن يستغيثون إن زعموا أن الله لا يبصر؟! ولمن يصلُّون ويسجدون إن زعموا أن الله – تعالى – غير حي؟! إنهم يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، ويحملون قلوبًا لا تفقه ربها وخالقها؛ {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22].

أثر الجهل بأسماء الله وصفاته على المشبِّهة:
مِنهم الذين شبهوا الله – تعالى – بخلقه، وقاسُوا صفاتِه على صفات خلقه، فهؤلاء شرُّ الجهَّال وأقبحهم، لم يعُد لله – تعالى – في نفوسهم تعظيمٌ ولا هيبة، ولا تنزيه له من مشابهة المخلوقين، فقاسوه على خلقه، فأفرطوا أيَّما إفراط.

ومنشأ هذا الغلط القبيح: أنه استولى عليهم الخيالُ، وفسروا نصوص الأسماء والصفات بعقولهم المجردة، القاصرة عن إدراك حقائقها.

ومن هؤلاء المشبهة: مَن شبَّه المخلوق بالخالق، فخرجوا من الباب الآخر بثوب الغلو في المخلوق، فرفعوه إلى منزلة الله – سبحانه وتعالى – ومن هؤلاء هاتان الفرقتان: المتصوفة والشيعة.

أولاً: المتصوفة:
وهم أهل تعطيل وتشبيه في الوقت نفسه على خُطى منحرفي النصارى واليهود؛ حيث سلبوا الله تعالى معاني الألوهية والوحدانية، وشبَّهوا المخلوقين به – جل وعلا – فعظَّموهم وعَبَدوهم من دون الله، وإن كانوا على أصناف:
فمنهم: القبوريون، الذين جعلوا من المقابر مزاراتٍ للتوسل، والاستغاثة، والاستشفاء، والتبرك بأحجارها وترابها؛ لفساد اعتقادهم في ذلك، حيث زعموا أنهم أهل لذاك.

ومنهم: الغلاة، الذين شغلوا أنفسهم بمقامات وهمية، سمَّوْها: شهودًا وفناءً، والتأويلات الباطنية لظواهر النصوص الصريحة، عن مراد الله – تعالى – في مقامات العبودية الحقيقية، التي من مظاهرها تنفيذُ أوامر الله – تعالى – والقيامُ بها على الوجه المشروع، والاستكثارُ منها بحسب الإمكان والطاقة والقدرة، والأخذُ بالدِّين من جميع جوانبه، وألاَّ تحجبه عبادةٌ عن عبادة أبدًا.

فهؤلاء المتصوفة عبدوا الله – تعالى – على مرادهم دون مراد الله – تعالى – وقدَّموا حظهم على محابِّ الله – تعالى – حتى حجبهم هذا الجهلُ عن تعظيم الله – تعالى – ووصلوا إلى انحراف فكري خطير، وقالوا: إن الله – تعالى – يحلُّ في مخلوقاته، وإنه في كل مكان – تعالى الله عما يقوله الجاهلون علوًّا كبيرًا.

ومن الآثار السلوكية المنحرفة لهذا المنهج:
1- الانشغال بطقوس وعادات ما أنزل الله بها من سلطان؛ ظنوا أنها عبادة وقربة، حتى سئموا العباداتِ الحقيقيةَ وازدرَوها، ولم تطقها نفوسُهم؛ لبُعدها عن استشعار حق الله – تعالى – في الأمر، ومراده منه.

قال ابن القيم – رحمه الله -: "وقد أخبرني مَن رأى ابنَ سبعين قاعدًا في طرف المسجد الحرام، وهو يَسخَر من الطائفين ويذمهم، ويقول: كأنهم الحُمُر حول المدار، ونحو هذا، ولا ريب أن هؤلاء مُؤثِرون لحظوظهم على حقوق ربهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حق الله ومراده.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – يحكي عن بعض العارفين أنه قال: العامة يعبدون الله، وهؤلاء – المتصوفة – يعبدون نفوسهم"[20].

وبلغ بهم الحال إلى الخروج عن حقيقة العبودية، فيرون أنهم لا يعبدون الله – تعالى – بالرجاء والرغبة؛ لأن هذا اعتراض على مراد الله وأمره، وأن مَن أحب الله لا يضره عذابُه؛ بل لا بد أن يستعذب هذا العذاب فيه، حتى قال قائلهم:

أُحِبُّكَ لاَ أُحِبُّكَ لِلثَّوَابِ وَلَكِنِّي أُحِبُّكَ لِلعَذَابِ
وَكُلُّ مَآرِبِي قَدْ نِلْتُ مِنْهَا سِوَى مَلْذُوذِ وُجْدِي بِالعَذَابِ

وقال آخر:

وَتَعْذِيبِي مَعَ الهُجْرَانِ عِنْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طِيبِ الوِصَالِ
لأَنِّي فِي الوِصَالِ عُبَيْدُ حَظِّي وَفِي الهُجْرَانِ عَبْدٌ لِلمَوَالِي[21]

وقد ابتلى الله – تعالى – أحدَهم، يقال له: سمنون، القائل:

وَلَيْسَ لِي مِنْ هَوَاكَ بُدٌّ فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي

فامتحنه الله بعُسْر البول، فجعل يطوف على الناس وهو يقول: ادعوا لعمِّكم الكذاب![22] فأحوجه الله – تعالى – إلى رجاء العافية في الدنيا قبل الآخرة.

وهذا من غرور وشطحات الصوفية المفتونين في دينهم؛ إذ حجبوا أنفسهم عن ثواب الله – تعالى – ورحمته، فلعب عليهم الشيطان، فقالوا: إن حبهم لله – تعالى – ليس لرجاء ثوابه، وإنما لعذابه؛ حتى لا يكون للنفس حظ بما عند الله – تعالى.

2- حرمان عبودية جميع الجوارح والحواس لله – تعالى – بما يتعلق بها من عبادات وطاعات؛ فمنهم مَن سجنوا أنفسهم بين الجدران، فلم يُصلُّوا مع الجماعة، ولم يشهدوا الجُمَع؛ لأن الشيطان أغراهم بأن ما هم فيه هو العبادة والطاعة، وهم خير من المجاهدين والطائفين والرُّكَّع السجود، فجهلوا مراد الله – تعالى – وعطلوا الحواس والجوارح من العمل في مرضاته؛ ففسدت قلوبهم – نعوذ بالله تعالى من هذا الحال والمآل.

قال فيهم سيد الصوفية (الجنيد بن محمد) لما قيل له: أهل المعرفة يصِلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله، فقال الجنيد: إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح[23].

3- صرف أعظم الطاعات والقُرَب لغير الله – تعالى – والغلو في الأنبياء والصالحين؛ وهذا ثمرة الجهل بأسماء الله وصفاته؛ لأنهم وصفوا أصحاب القبور والأولياء والصالحين بما هو لله – تعالى – ولقَّبوهم بألقاب الألوهية والربوبية، فاستعظموهم في نفوسهم وهَوَتْ إليهم أفئدتُهم، ورجوهم من دون الله – تعالى – واستغاثوا بهم، وهتفوا بأسمائهم وألقابهم.

ومنشأ الغلط عند هؤلاء: أنهم جهلوا أسماء الله – تعالى – وصفاته، وربوبيته وألوهيته، وعمدوا إلى الأولياء والصالحين فغالوا فيهم، ووصفوهم بصفات الألوهية والربوبية، واعتقدوا فيهم الاعتقادات الباطلة، فبقدر ما جهلوا من أسماء الله – تعالى – وصفاته، سلبوها من الله – تعالى – ووضعوها في الأولياء والصالحين.

وحَقَّ على هؤلاء قولُه – تعالى -: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وعاقبهم الله – تعالى – على تعطيل أسمائه وصفاته، وعدم العلم بها: أنْ عطَّل جوارحهم وقلوبهم من عبوديته الحقيقية، وشَغلهم بطقوس ومزارات وهتافات، وجَذْب ونَحْب، أضاعوا بها أوقاتهم إن لم تَضِع أعمارهم، وفاتتْ عليهم بها نَفحَاتٌ وفضائلُ، وهم في لهوهم سامدون.

4- تحكيم الأذواق والمواجيد والأهواء، والتحاكم إليها، وترك النصوص الشرعية لتأويلات ساذجة لا اعتبار لها عند أولى الأحلام والنهى.

ثانيًا: الشيعة:
أهل الغلو من المتشيعين لآل البيت، جمعوا كذلك بين التعطيل والتشبيه، وهم على فِرَق، منها: (الزيدية، والإمامية، والباطنية)، ولا توجد فرقة من فرق أهل البدع قد جمعتْ من الشر والضلال ما جمعه أتباع الإمامية والباطنية، فهم قد وصلوا إلى مرحلة تأليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – في حياته قبل مماته – وهم السبئية – بصريح اللفظ الذي لا يحتمل التأويل، وما زال هذا دينًا يدينون به، وإن لم يذكروه بصريح العبارة، إلا أن ما تضمنته كتبهم، ورسائلهم، وقصائدهم، وطقوسهم، وحسينياتهم – يدلُّ عليه، كوَصْف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بصفات الألوهية والربوبية، والاستغاثة به، ومثل ذلك اعتقدوه في بعض آل البيت كالحسين بن علي – رضي الله عنه – وبقية الأئمة، فرفعوهم فوق منزلتهم، وفضَّلوهم على الأنبياء والمرسلين، وادَّعوا فيهم العصمة المطلقة، وأنهم يعلمون الغيب ما كان وما يكون؛ بل حتى قيل: لم يبلغ مكانتَهم لا مَلَكٌ مقرَّب ولا نبي مرسل، وهكذا.

وهؤلاء سلبوا الله – تعالى – صفات الألوهية والربوبية، وجعلوها في أئمة آل البيت، فاستعظموهم في أنفسهم؛ بل قدسوهم بهذا الغلو الشنيع الذي وقر في قلوبهم ونفوسهم، فكان لهذا المعتقد المنحرف آثارٌ في حياتهم السلوكية، منها:
1- التشريع في الدين مما ليس فيه من عبادات وطقوس وأحكام؛ كالمتعة، والخُمُس، والصلاة على طِينة الحسين (كربلاء)، والطواف حول قبور أئمة آل البيت، وشدِّ الرحال إليها، وزعموا أنها أعظم من زيارة البيت الحرام.

2- تعطيل الجهاد في سبيل الله – تعالى – فلا جهاد لهم، حتى يخرج مهديُّهم المزعوم والمعصوم، فيحمل لواء الجهاد، وأي جهاد؟! إنه غزو بيت الله الحرام وخرابه، واستباحة المدينة، ونبش قبور الخلفاء وأزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – وصلبهم والتمثيل بهم، وبئس ما زعموا.

3- الشرك بالله – تعالى – بكل صوره وأشكاله: بناء الأضرحة، وتقديس الأئمة الأحياء والأموات، وغير ذلك.

4- تكفير المخالفين، ومِن ثَمَّ ممارسة التنكيل بهم، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وإسقاط أنظمتهم ودولهم، والاستعانة بالأعداء عليهم، وحرمانهم من جميع الحقوق في ديارهم، كل هذا؛ لزعمهم أن هذا حكم أئمتهم في المخالفين لهم.

فكانت أقوال أئمتهم مقدسة، لا تحتمل الخطأ، ولا التأويل؛ لأنهم معصومون من الخطأ، بينما القرآن الكريم – في عقيدتهم – قد ناله التحريف والنقص!

ـــــــــــــــــــ
[1] "شجرة المعارف والأحوال، وصالح الأقوال والأعمال"، للعز بن عبدالسلام، ص77، نقلاً عن "الأسماء الحسنى"، لعبدالله الغصن، ص121.
[2] "الفوائد"، لابن القيم: ص 159.
[3] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 310.
[4] حرورية: نسبة إلى منطقة حروراء التي خرج منها الخوارج.
[5] أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 508.
[6] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2295، ومسلم في صحيحه، رقم 86.
[7] "مجمل أصول أهل السنة والجماعة في العقيدة"، ص15.
[8] "مدارج السالكين"، 1/318.
[9] انظر: "طريق الهجرتين وباب السعادتين"، لابن القيم، ص56 – 59، ففيه كلام نفيس جدًّا في هذا الباب، و"مدارج السالكين"، 1/308، المشهد الثالث من مشاهد المعصية، و"شفاء العليل"، ص5، المقدمة.
[10] "مدارج السالكين"، 1/216، بتصرف.
[11] انظر: "مدارج السالكين" 1/ 308. وانظر: المصدر نفسه، 1/ 308، 309، المشهد الرابع من مشاهد المعصية.
[12] انظر: "مدارج السالكين"، 1/196.
[13] انظر: "مدارج السالكين"، 1/ 196.
[14] "مدارج السالكين"، 1/308، 309.
[15] "حلية الأولياء"، لأبي نعيم، 9/263، نقلاً عن مجلة البيان، العدد (99)، ص 93.
[16] "مدارج السالكين"، 2/117، نقلاً عن مجلة البيان، العدد (99)، ص 91.
[17] "مدارج السالكين"، 1/131.
[18] "مدارج السالكين"، 1/ 131.
[19] "مدارج السالكين"، 3/ 347، بتصرف.
[20] "مدارج السالكين"، 1/202.
[21] انظر: "مدارج السالكين"، 2/ 29، 30.
[22] "مدارج السالكين"، 2/38، بتصرف.
[23] "مدارج السالكين"، 2/76.

 

 

الألوكة