طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > طوفان تسونامي آية ودروس – سعد المُهَنَّا

ملتقى الخطباء

(2٬646)
60

طوفان تسونامي آية ودروس – سعد المُهَنَّا

1431/02/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

سعد بن محمد المهنا
19/1/1426

 

 

الخطبة الأولى

 

 

أما بعد: اتقوا الله عباد الله، فبتقواه يُدفَع البلاءُ وينزل الرضا، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96].

 

أيها المسلمون، "اخرجوا اخرجوا" هذه آخر الكلمات التي سُمِعت صباح يوم الأحد، بعد أن أمر الله الأرض في قاع المحيط أن تتحرّك وتضطرب لثوانٍ معدودة، فتسير موجاتُ مَدٍّ أَرْسَلَت أمواجَها كالجبال، تسير بسرعة هائلة تجاوزت ثمانمائة كيلو في الساعة، وهي سرعة هائلة، واندفعت اندفاعًا عنيفًا ومهولاً، لتضرب السواحل الآسيوية، وتقتلع كل ما يواجهها من منشآت وبَشَر وسفن وأحجار ومراكب وأشجار وبيوت وسيارات، ابتلعت قرى بأكملها، فلم يبق لها أثر، وصارت خَبَرًا بعد أن كانت عَيْنًا، وغَمَرت المياهُ المدنَ فأصبح بعضها مقطوعًا عن اليابسة، ولا يمكن الوصول إليها إلا بالمروحيّات، وهذا الطوفان المائي والأمواج العاتية وصلت إلى شواطئ إفريقيا البعيدة عن مصدر الزلزال بنحو ستة آلاف كيلومتر، فقُتِل ما لا يقلّ عن أربعين صيادًا صوماليًّا، ووصلت هذه الأمواج إلى الشواطئ الأمريكية التي تبعد اثني عشر ألف كيلو، لقد كانت مدة هذا الطوفان والدوّامات المائية عشر دقائق فقط! لينتج عن هذه الدقائق أكثر من مائة وثلاثين ألف قتيل، وأضعافهم من المصابين، ويزيد عدد المشرّدين على مليون شخص.

 

ورغم مُضيّ خمسة أيام على الحَدَث فما زالت المئات من الجثث مبعثرة في الشوارع وفوق الأشجار وفي المزارع والحقول وتحت الأنقاض، وبعض الأماكن لم تصل إليها فرق الإنقاذ حتى الآن؛ نظرًا لتدمير الطرق والجسور. وقد تعالت الصَّيحات للمطالبة بدعم أكبر عملية إغاثية في التاريخ، وتزداد المخاوف من ارتفاع عدد القتلى إلى أضعاف مضاعفة بسبب تفشّي الأمراض المعدية؛ نظرًا لندرة المياه الصالحة للشرب وانتشار الحشرات وتعفّن الجثث وكثرة الروائح الكريهة والمياه الراكدة المختلطة بمياه الصرف الصحي والنفايات السامة، فأصبح ملايين الناس مهدّدين بعد أن كانوا آمنين مطمئنين.

 

عباد الله، إن للمسلم الموفق مع هذا الحَدَث العظيم مواقف ودروسا، منها:

1- أنّ كل حركة في هذا الكون إنما هي بأمر الله وقدرته، فهو الذي يخلق السببَ ويجعل له الأثر، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر [القمر:49]، وقال جلَّ وعلا: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2]. فلا يُنسَبُ الحَدَثُ إلى قشرة الأرض وطبقاتها، ولا إلى مواقع بعض الدول، دون النظر إلى خالقها، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون [الطور:35]، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]. أصبح النبيُّ في الحديبية يومًا على أثر سماء ـ يعني نزول مطر ـ بعد صلاة الصبح، فقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟)) فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوْء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب)).

 

2- أين التطوّر العلمي والأقمار الصناعية التي تُصوِّر الإبرةَ؟! أين التقنيات العالية عن صَدّ هذا الحَدَث أو ردِّه؟! ها هو العالم بأسره يقف عاجزًا عن إزالة آثاره ومعالجة أضراره، فضلاً عن الوقوف في وجهه، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85].

 

3- عظمة الله جلّ وعلا وقدرته، فهو الذي يُمسِك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالت هل يستطيع أحد إمساكها من الاضطراب والاهتزاز؟! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41].

 

4- شهادة الضعف البشري والعجز الإنساني وحدود قدرته وقوته؛ إذ عجز عن توقّع مثل هذا الحَدَث أو الإخبار بقُربِهِ، وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء:28]، أبعد هذا يتكبّر الإنسان، ويطغى عن أوامر الله، ويستغلّ نفوذَه ومنصبه لظلم خلق الله؟!

 

5- سبحان مَن يَقْلِبُ الأمنَ خوفًا والطمأنينةَ فزعًا! لا حول لنا ولا قوة إلا بالله، يقول أحد الناجين وهو سائح برتغالي: "شاهدنا البحر يتراجع عدة أمتار، في الوقت الذي بدأت تتكوّن موجةٌ عاليةٌ بيضاء، أخذ كلُّ مَن على الشاطئ يراقبها بفضول أكثر منه خوفًا، وهذا يفسّر بالتأكيد ما شعرنا به من أمان زائف"، أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً [الإسراء:68]، وقال جلّ وعلا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:42-45].

 

6- أخذ العباد وهم يلعبون، لقد أهلك الله أقوامًا في هذا الحَدَث وقد اجتمعوا ابتهاجًا بأعياد رأس السنة الميلادية، وعند لحظة الضحى ـ ومنهم من يلهو بالغوص وبعضهم بالسباحة ـ إذ أتاهم قَدَرُ الله على غِرّة، أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [النحل:45، 46]، وقال سبحانه: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99].

 

7- إن هذا الماء الذي هو سبب في الحياة والبقاء ـ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء:30] ـ قَلَبَهُ الله تعالى بأمر منه فأصبح سببًا في الهلاك والدمار والضياع، فسبحان من يقلب الأسباب ويغيّر الأحوال! اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62].

 

 

 

الخطبة الثانية

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.

ومن الدروس:

 

8- لقد أهلك الله عشرات الآلاف بهذا المخلوق الضعيف والسائل الخفيف الذي يبحث الكثير عنه، وتقوم الحروب من أجله، فسبحان الخالق وحده!

 

9- تذكّر ما أنعم الله به علينا من نِعم لا تُحصَى ولا تعدّ؛ صحة في الأبدان، وسلامة في الأنظار، وأمن في الأوطان، في وقت تُتَخَطّفُ البلادُ المجاورة من حولنا، ونشاهد آثار هذه الزلازل في عدة دول، بل قارات.

 

10- في ثوان معدودة فقد كثير من الناس أرواحهم، وذهبت أموالهم، وبارت سلعهم، وفقدوا أولادهم وأسرهم، وأُخرِجوا من بيوتهم وديارهم، فبعد القوة ضعف، وبعد الحياة أموات، وبعد الغنى فقر، وبعد الضحك بكاء، وبعد الآمال آلام، وبعد الطموحات أحزان، فقدت تلك الدول مكتسباتها ومنشآتها، وعادت سنوات إلى الوراء، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا [النجم:43، 44].

 

11- ضرورة الرجوع إلى الله، ماذا فعل المُرابِي بعد سماعه ومشاهدته لقدرة الله وهو يحارب الله؟! ماذا فعل شارب الخمر ومتعاطي المسكر؟! ماذا فعل المتكاسل عن صلاة الفجر والعصر؟! ماذا فعل الراشي والمُرتشِي؟! ماذا فعل العاقُّ لوالديه بعد هذه الآية التي يرسلها الله تخويفًا لعباده؟! وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:53]. فالحذرَ من التمادي في المعاصي؛ فإن الله يخوّف عباده، وما العذابُ عنّا ببعيد، وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60]، أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126]. فكم نحن بحاجة مع هزّة الأرض لهزّة قلوبنا وربطها بخالقها.

 

فـلا تَغُرنَّـك الدنيـا وزينتُهـا وانظر إلى فِعْلِها في الأهل والوَطَنِ

وانظر إلَى مَنْ حَوَى الدنيا بأجْمعها هل راحَ منها بغير الزّادِ والكَفَنِ؟

يا نفسُ كفِّي عن العِصْيان واكتسبي فعلاً جميـلاً لعـلّ اللهَ يرحمـنِي

 

12- إن هذا الزلزال الذي خَلّفَ هذا الدمار ليس كزلزال الآخرة العظيم الذي تُرَجُّ به الأرضُ رَجًّا، وتُنسَفُ الجبالُ نَسْفًا، فتكون هباءً مُنْبَثًّا، إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا [الزلزلة:1-3].

 

أيها المسلمون، في مساء يوم الأربعاء الماضي حدث تفجير في مدينة الرياض حرسها الله تعالى؛ لتستهدف أرواحًا مسلمة، لله ذاكرة، ولربّها مُصَلّية، ولأمر دينها وبلادها حافظة، وذلك من أشد أنواع الفساد في الأرض والإفساد بين الخلق، قال : ((لزوال الدنيا بأسرها عند الله أهون من أن يُرَاقَ دمُ مسلم)).

 

وهكذا تتجلّى في هذا الحَدَث خطوات الشيطان في الفتن، عندما ثارت بزعم إخراج الكفّار من جزيرة العرب، لتنتهي بقتل الإخوان والأقارب من المسلمين، نعوذ بالله من الفتن.

 

المنبر