طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > زلزال تركيا – الفرَيْدي

ملتقى الخطباء

(2٬818)
55

زلزال تركيا – الفرَيْدي

1431/02/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

حسين بن غنام الفريدي

 

 

الخطبة الأولى

 

 

أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واخشوا يوماً ترجعون فيه إليه، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون، اتقوا الله حق التقوى، واحذروا مكره، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون.

 

عباد الله، لقد أجرى الله أمور عباده منذ أن خلقهم إلى أن يقبضهم على التقلب بين شدة ورخاء ورغد وبلاء وأخذ وعطاء.
فسبحانه من إله علم عواقب الأمور، وصرّف الدهور، فمنع وأعطى، ومنح وامتحن، فجعل عباده متقلبين بين خير وشر ونفع وضر، ولم يجعل لهم في وقت الرخاء أحسن من الشكر، ولا في أيام المحنة والبلاء أنجع من الصبر، فطوبى لمن وفق في الحالين للقيام بالواجبين، فشكر عند السراء، وصبر عند الضراء، وابتهل إلى الله عند كلا الحالين بالتضرع والدعاء.

 

عباد الله، إن الله لا يخلق شراً محضاً، فكم من شر في نظر الناس، يحمل في طياته خيراً كثيراً، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
فقد يبتلي الله عباده؛ لتستيقظ النفوس الغافلة، ولتلين القلوب القاسية، ولتدمع العيون الجامدة.

 

وإن من ذلك أن يُهلِك من حولهم؛ لتحصل لهم بذلك العظة والعبرة، قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الأَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27]، لعلهم يستيقظون من غفلتهم، لعلهم يراجعون أنفسهم.
وإن الله ليمسهم بشيء من التضييق لئلا يتمادوا في الطغيان ويغرقوا في العصيان: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42]، فإن لم يرجعوا عن غيهم ويتوبوا إلى الله من إعراضهم عن أوامر الله، زاد لهم الله في النعيم وجعلهم يتقلبون في النعيم حتى تزيد غفلتهم وإعراضهم، فيأخذهم على غِرَّة.
عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله الله تعالى: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ [الأنعام:44])).
يأخذهم على غرة حتى يكون ذلك أشد ما يكون عليهم: أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف:107]، وقال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ [النحل:45، 56]، وفي آية أخرى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99].

 

عباد الله، وإن من أعظم ما أنعم الله به علينا، أن مكّننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها، وندفن في باطنها موتانا، قال الله ممتناً على عباده: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاء وَأَمْواتاً [المرسلات:25، 26]، وقال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ [الأعراف:10].

 

يقول الإمام الفذ ابن القيم رحمه الله: "تأمل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة؛ لتكون مهاداً ومستقراً للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والإنسان من السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحتهم والنوم لهدوئهم والتمكن من أعمالهم. ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قراراً ولا هدوءاً، ولا يثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة، وكيف يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم؟ واعتبر بما يصيبهم من الزلال على قلة وقتها، كيف تضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها؟ وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: وَأَلْقَى فِى الأرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15].

 

وقد يُحدث الله فيها الزلازل العظام؛ ليحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم"اهـ.
قال بعض السلف لما زلزلت الأرض: "إن ربكم يستعتبكم".
وقال عمر بن الخطاب وقد زلزت المدينة، فخطبهم ووعظهم وقال: (لئن عادت لا أساكنكم فيها).
عباد الله، لقد كثرت الزلازل المروِّعة التي دمرت الإنسان والعمران، وقد تتابع وقوع ذلك في سنين متقاربة. ومن أحدث ما وصل إليه علمنا، ما وقع في تركيا في الأيام الماضية، الذي ذهب ضحيته ما يزيد على أحد عشر ألف نسمة، ولا يزال العدد يتصاعد، إنه عذاب الله يسلطه على من يشاء، لا يستطيع المخلوق الضعيف أن يقف أمامه مهما بلغت قوته.

 

ولاشك ـ يا عباد الله ـ أن هذه عقوبات على ما يرتكبه العباد من الكفر والفساد، وفيها لمن حولهم عبر وعظات لا يدركها إلا أولو الألباب، وهي تظهر قدرة الله الباهرة، حيث يأذن لهذه الأرض أن تتحرك لبضع ثوان، فينتج عن ذلك هذا الدمار وهذا الهلاك وهذا الرعب.
ولقد أكدت الآثار بأن ذلك يكثر في آخر الزمان، حتى لا يكاد يمر الشهر والشهران حتى تسمع بزلزال في موضع من هذه الأرض، جاء في الحديث الذي رواه الإمامان أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قيل: الهرج؟ ـأي ما هو؟ ـ قال: ((القتل القتل)).

 

وروى الترمذي عن أبي هريرة، بإسناد فيه مقال، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعقّ أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخرُ هذه الأمة أولها؛ فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع، كنظام بال قطع سلكه فتتابع)).

 

ولقد شهد الواقع لبعض ما أشار إليه هذا الحديث، من ذلك هذه الزلازل المتتابعة التي لا تخفى عواقبها.
عباد الله، وإن مما يحز في الناس، أن يتردد في أوساط الناس، أن هذه ظواهر طَبَعِيَّة، لا أثر للذنوب فيها، ويرجعون كثرة القتل الذي حدث في زلزال تركيا لضعف المباني، فلو كانت المباني على طريقة جيدة لما حصلت هذه الخسائر.

 

فواعجباً ما أشد غفلة الإنسان! وما أكفره بقدرة رب الأرباب! ألم تهلك أمم بأكملها ومساكنهم قد نُحتت من الجبال، فبقيت شاهدة عليهم؟!
إنها إرادة الله، إنها بسبب الغفلة عن مكر الله، لقد جاءهم الزلزال بعد هجوع الناس، جاءهم بياتاً وهم لا يشعرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
تلك البلاد التي كانت يوماً من الأيام حاضرة للإسلام، ومصدر قوة وعزة للمسلمين في كل مكان، فأصبحت حرباً على الإسلام وأهله، ومأرزاً للفاحشة والمجون حتى أصبح الناس يسيئون الظن فيمن يذهب إلى تلك البقاع.

 

إن حال من ينكر أن هذه الحوادث بسبب الذنوب كحال من ذكرهم الله في كتابه العزيز، فإذا أصابهم الكرب والضر قالوا: قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء [الأعراف:95]، فهذا أمر طَبَعِيّ لا علاقة له بذنوب العباد، فيواصلون في إعراضهم وفجورهم ويقولون: إِنْ هَاذَا إِلاَّ خُلُقُ الاْوَّلِينَ [الشعراء:137].
ولقد قال الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].

 

فاتقوا الله عباد الله، واعتبروا بما جرى حولكم، فلنتب إلى الله جميعاً، فإن الله هو التواب الرحيم، ولنتذكر قول الله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الاْيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام:65-67].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…
 

 

الخطبة الثانية

 

أما بعد:

فاتقوا الله تعالى، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن يحل بنا ما حل بمن حولنا، ولنعلم جميعاً أن الذي جعل غيرنا عبرة لنا قادر على أن يجعلنا عبرة لغيرها، ولنعلم أن ما وقع إنما هو من كسب الناس، قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]، وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30].
فهل نعتبر يا عباد الله؟! إن حالنا لا ينطق بذلك، إننا على كثرة ما نسمع ونقرأ ونشاهد من حوادث مروعة وعقوبات مفزعة، لا يزال الكثير منا مصراً على طغيانه وفجوره، مِنْ هجر المساجد وفعل المنكرات، حتى أصبح كثير من البيوت والمتنزهات أوكاراً للفسقة والعصاة والتاركين للصلاة، وقلّ المنكرون، وتبلدت الأحاسيس حتى ألفنا المنكرات، فإن أنكر الواحد منا أُنكر عليه، وإن نصح شدد عليه، لا همَّ للكثير منا إلا تجريح الناصحين وانتقاد الواعظين.

 

إننا والله لنخشى من العقوبة، أليس الله يقول: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْراءيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذالِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:78، 79].
وجاء في الحديث: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).

 

فما الذي أمات الغَيْرة في قلوبنا؟ ما الذي ينجينا من عذاب الله؟ ما الذي يؤمننا من مكر الله؟
عباد الله، اعلموا أنه لا يقينا من ذلك إلا أن نصلح ما فسد من أحوالنا، نبدأ بأنفسنا ونحملها على الحق، نبدأ بأهلنا وجيراننا ونسائنا وأولادنا، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ولنعلم أن لا صحة للإنكار باللسان مع القدرة على التغيير باليد، ولا صحة للإنكار بالقلب مع القدرة على الإنكار باللسان.

 

ولا يصح الإنكار بالقلب ما لم يتم الابتعاد عن العصاة وهجر أماكنهم وعدم مجالستهم، وذلك عند عدم انتفاعهم بالموعظة والنصيحة.
قال الله تعالى: لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22].

 

فاتقوا الله في أنفسكم وأهليكم وقوا أنفسكم وأهليكم ناراً…