طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > زلزال الجزائر – وَعْمَارة

ملتقى الخطباء

(2٬683)
53

زلزال الجزائر – وَعْمَارة

1431/02/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

مراد وَعْمارة

 

 

الخطبة الأولى

 

يقول الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99].
وقال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:45-47].

 

أيُّها الناس، ما زال ربُّنا يستعتبنا بهذا الخسف، فيبعث بالهزَّات واحدة إثر أخرى، لتوقظ الغافل، وتردع الجاهل، فهل نحن منتبهون من رقدتنا؟! وهل نحن منتهون من معاصينا وذنوبنا؟! فوالله إنَّ هذه الزلازل ما أرسل الله بها إلاَّ تخويفًا لعباده عساهم يرجعون، وعقابًا للمسرفين، لعلَّهم يتوبون ويتضرَّعون، ولا يوقفها ـ والله ـ شيء إلاَّ الرجوع الصادق إلى الله، بنبذ الشرك والبدع والمعاصي رأسًا، وبالفزع إلى الصلاة والركوع مع الراكعين، والإنفاق ممَّا رزقكم الله تعالى.

 

أيها المسلمون، لقد فشا في كثير من المجتمعات ترك الفرائض والواجبات التي أوجبها الله ورسوله على القلوب والألسنة والأبدان، من التوحيد إلى إماطة الأذى عن الطريق، مرورًا بالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الأمانات وتربية الأولاد…

 

وفشت فينا المحرمات من الربا والزنا وشرب الخمور وتناول المسكرات والمخدِّرات وأكل الرشا وأموال الناس بالباطل وجميع أنواع الفجور، وبالجملة ما من سبب يوجب سخط الرب سبحانه وغضبه وانتقامه وعاجل عقابه إلاَّ أتيناه.
ولولا سعة حلم الربِّ سبحانه وغلبة رحمة الله لغضبه لما بقي على الأرض من أحد، قال تعالى: !خطأ لم يُعثر على مصدر المرجع.وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61]، وقال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر:45]، ولكن الأمَّة إذا تمادت في الفساد فقد استوجبت نزول العذاب.
والعذاب يعمّ الصالح والفاسد كما ورد في الحديث: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)).

 

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44].
والغريب والعجيب أن وسائل الإعلام لم تعنَ ببيان سبب وقوع هذا الزلزال، وأنَّها الذنوب والمعاصي، وأنها عقوبة من الله تعالى، يريدون أن يغفل الناس عن آيات الله التي يخوِّف بها عباده ليؤوبوا ويرجعوا إليه.

 

وهذه جرائد تطلُع علينا بالكفر الموجب للمزيد من الهزَّات، يزعمون ـ وقد أعمى الله قلوبهم فلا ينتفعون بآياته ـ أنَّ الزلازل ليست عقوبةً إلهيَّة، لأنَّها أتت على بيوت الله كما أتت على بيوت الناس وفيهم البار والفاجر.

 

وهذا من سوء ظنِّهم بالله وجهلهم بحكمته ودينه وآياته، فإنَّ الله إذا أراد أن يخسف بقوم لم يمنعه ذلك ممَّا يريد، لأنَّ الجميع عبيده، والكلُّ ملكه فيفعل ما يشاء، وله الحكمة البالغة في أفعاله سبحانه، ومن رحمته أنَّه لا يجمعهم في مبعث واحد، بل يبعث كلَّ واحد على نيَّته وعمله.

 

واعلموا ـ عباد الله ـ أن عذاب الله إذا حلّ بقوم عمّهم، فهو لا يصيب ناسًا دون آخرين، قال : ((إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)) رواه البخاري ومسلم.
فالزلزلة تصيب المؤمن البارّ كما تصيب الفجار والكفار، فيهلكون مهلكًا واحدا، ثمَّ يبعثون على أعمالهم، فشتَّان بين من ختم له بالحسنى، وبين من ختم له بالسوأى.

 

ولقد ورد في علامات آخر الزمان أنه تكثر الزلازل والخسف، فقال : ((لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل)) رواه مسلم، وقال رسول الله : ((بين يدي الساعة خسف ومسخ وقذف، وذلك في أهل القدر)) وهو حديث حسن.
والعجب أنَّ الحديث ربط ذلك بالمكذبين بالقدر، ونحن نرى اليوم من يكذب أن تكون هذه الزلازل بقدر الله تعالى، ليخوّف الناس.

 

ونحن نتضرَّع إلى الله العليِّ القدير أن يلطُف بهذه البلدة وأهلها، وأن يحفظها دائما لأمَّة الإسلام، وأن يلهم المصابين وذويهم السكينة والرحمة، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يجعل هذا الخسف لنا رادعًا يردُّنا إلى الدين الحقِّ ردًّا جميلا، وآية مخيفة لأهل الفساد من العباد، عسى أن يتوبوا فيتوب الله عليهم ويصلح الحال، والله المستعان.
 

 

الخطبة الثانية

 

يعيش الناس هذه الأيَّام هلعًا متزايدًا جرَّاء تتابع هزَّات الخسف الذي وقع بنا.
أيُّها الناس، يجب أن تعلموا أوَّلاً أنَّنا جميعًا في قبضة الله تعالى، فأين المفرُّ؟! كلاَّ، من أحبَّ أن يفرَّ فليفرَّ إلى الله تعالى، إلى رحمته ومغفرته، فليفرَّ من موجبات سخطه وغضبه وهي الذنوب والخطايا، وعلى رأسها الشرك بالله تعالى والابتداع في الدين وترك الصلاة وترك الزكاة والتعامل بالربا والرشوة والمجاهرة علنًا بالفاحشة والإصرار عليها. وإلى من تفرُّ إذا لم تفرَّ إلى الله ربك خالقك وفاطرك؟! ومن ذا ينجيك من الله ربِّك ومليكك؟!

 

ويجب أن تعلموا ثانيًا أن المؤمن الصادق يعلم أنَّ في الكون أسبابًا وأن لأحداثه عللاً، ولكنَّه يؤمن أن الله خالق هذه الأسباب وأنَّه موجد هذه العلل، فلا يتحرَّك متحرِّك إلاَّ بأمره، ولا يسكن ساكن إلاَّ بأمره: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

 

وإذا علم العبد بأنَّ الأمر كلَّه بيد الله، وأنَّ كلَّ ما في الكون يتحرَّك بأمر الله ويسكن بأمر الله، وأنَّه وحده هو القادر على أن يوقف هذه الزلازل، وأنَّه وحده هو القادر على إصلاح الحال، فلنطمئنَّ إلى الله عزَّ وجل، لا إلى غيره، ولنرغب إلى الله في ذلك، لا إلى غيره، ألم تقرؤوا قول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:94-96].

 

واعلموا ثالثًا ـ عباد الله ـ أنَّ مما يلزمنا التوبة والرجعة إلى الله سريعًا، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50]، من قبل أن يحل بنا ما حل بغيرنا، ولا تأمنوا من مكر الله. قال تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126].

 

وأنت ـ يا أيها العاكف على المعصية المصرُّ عليها ـ ما لك؟! أعمِي قلبك عن هذه الآية، أم أمنت عذاب الله وعقوبته؟! قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:80].

 

وعليكم رابعًا بالدعاء والتضرُّع إلى الله ليخفِّف المصاب ويرفع البلاء والعقوبة، وأن يرحم الله عباده ويتوب عليهم.
فتضرَّعوا إلى الله بالدعاء، فإنَّ الله يقول: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43]، فهو يحبِّ أن نتضرَّع إليه بالدعاء في حال البأس والملمات لتفريج الكربات.

ولا تنسوا تسلية أهل المصائب ومواساتهم وإمدادهم بالمعونات المادية والمعنوية، ومن أهمِّها تذكيرهم بالله وبالتوبة إليه.