طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > زلزال آسيا – صبري

ملتقى الخطباء

(2٬787)
51

زلزال آسيا – صبري

1431/02/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

 

 

عكرمة بن سعيد صبري

 

الخطبة الأولى

 

يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18]، ويقول سبحانه وتعالى في السورة نفسها: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]، ويقول رب العالمين في سورة القمر: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:49-51].

 

أيها المسلمون، قبل أيام (يوم الأحد في 25/12/2004) أفاق العالم من سكرته على الزلازل والبراكين التي اجتاحت عدة أقطار من جنوب شرق آسيا، حيث الملاهي والموبقات والمعازف والمغنيات، فأصبحت قاعا ونسفها ربها نسفا.

 

هذا الزلزال الذي وصلت قوته إلى تسع درجات على مقياس ريختر، أما البراكين فقد حركت أمواج المحيطات بسرعة سبعمائة كيلومتر في الساعة، وكانت قوة تفجيراتها تفوق مليون قنبلة ذرية، وأن عدد القتلى تجاوز مائة وخمسين ألف شخص حتى الآن، ولا تزال فرق الإنقاذ والإطفاء تجمع ما تستطيع جمعه من الجثث التي تقذفها الأمواج، أما الجرحى والمشردون فلم يستطيعوا حصرهم، فهم بالملايين.

 

لقد زالت جزر بأكملها، وتغيرت المعالم الجغرافية للمنطقة. هذه الزلازل والبراكين التي خربت جنوب شرق آسيا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ,فهذه ظواهر طبيعية في هذا الكون الرهيب مرتبطة بقدرة الله العلي القدير.

 

أيها المسلمون، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42]. السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع البشرية جمعاء بما لديها من تقدّم علمي وتكنولوجي وتقني أن توقف وقوع الزلازل والبراكين؟! والجواب: أن الزلازل والبراكين وغيرها من الظواهر الطبيعية هي بيد الله الواحد القهار خالق السموات والأرض، وهو الذي يسيرها بنظام دقيق، فيقول في سورة يونس: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [يونس:22]، ويقول في سورة الكهف: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، ويقول في سورة الأنبياء: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء:33]، ويقول في سورة يس: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تؤكد قدرة الله عز وجل في تسيير الكون وتنظيمه.

 

أيها المسلمون، أما العلوم التقنية والاستكشافات التكنولوجية فمهمتها الكشف عن الظواهر الطبيعية في الكون من الزلازل والبراكين والمد والجزر والرياح والفيضانات والخسوف والكسوف. ولا يزال الإنسان يكتشف كل يوم أمورا جديدة في هذا الكون الرهيب، ولكن يستحيل على العلم أن يوجد هذه الظاهر، كما يستحيل عليه أن يمنع وقوعها وحدوثها. ويمكن للعلم أن يخفف من الأضرار الناجمة عن الزلازل والبراكين مثل ما قامت به اليابان من إشادة البنايات والعمائر على كرات حديدية كبيرة بحيث تتحرك مع اهتزازات الزلزال، وما قامت به المغرب من ربط أساسات العمائر والبنايات في جسر موحد حينما أعادت بناء مدينة أغدير في المغرب.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن العلم الحديث ليقف عاجزا عن إيجاد الحياة والروح في الخلية التي هي أصغر جزء في الإنسان وفي الكائنات الحية الأخرى؛ لأن ذلك مرتبط بقدرة الله عز وجل وحده القائل في سورة الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85]، والقائل في سورة يس: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:82، 83].

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حصلت الزلازل والبراكين في أقطار جنوب شرق آسيا ولم تحصل في مواقع أخرى؟! وما الحكمة من حصول الظواهر الطبيعية والآيات الكونية؟! والجواب عن ذلك يكمن في قوله عز وجل من سورة الأنبياء: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، ومن جهة أخرى فإن الله العلي القدير يوضح لنا الحكمة من هذه الآيات والظواهر في سورة الإسراء بقوله: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء:59]، وفي سورة القمر بقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:15] أي: ليتذكر الناس قدرة الله رب العالمين وليتعظوا وليخافوا عقابه.

أما شاهَد العالم عبر المحطات والفضائيات صورة أحد المساجد في بلاد أندونيسيا لم يصب بأي أذى رغم أن جميع المباني التي حوله من جميع الجهات قد دمرت تدميرا كاملا؟!

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، هذه لمحة عن الزلازل والبراكين التي أصابت جنوب شرق آسيا وعن بيان قدرة الله رب العالمين من خلال هذه الزلازل والبراكين التي حصلت قبل أيام وعلى مرأى ومسمع العالم الذي أصيب بالرعب والذهول، والسؤال: ما بالكم ـ يا مسلمون ـ في الزلزال الأخروي يوم القيامة؟! لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89]، يوم يجعل الولدن شيبا. وهناك مئات الآيات الكريمة التي تتحدث عن أهوال يوم القيامة، كيف لا وإن اليوم الآخر هو ركن من أركان الإيمان؟!

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن زلزلة الآخرة شيء عظيم لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، ولقوله عز وجل: إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:1، 2].

فالمسلم الذي يتعظ بما يجري في الدنيا ويجهّز نفسه لذلك اليوم يوم الحساب يوم الجزاء والعقاب، ويتوجب على الدول الكبرى المتغطرسة والمتمرّدة على أحكام الله يتوجّب عليها أن تثوب إلى رشدها وأن ترتدع عن كفرها وأن تكفّ أذاها عن الشعوب المستضعفة وأن تنهي احتلالها لأراضي المسلمين.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، في بيت المقدس أرض المحشر والمنشر، إن اليوم الرهيب يوم تجتمع الخلائق، إنهم يقفون بين يدي الله الواحد القهار فيقول عز وجل: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48]، لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].
وتشير الأحاديث النبوية الشريفة إلى أن العرق يتصبّب من الإنسان على ضوء أعماله في هذا اليوم، فمن الناس من يصل العرق إلى قدميه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى وسطه، ومنهم ما يصل إلى أذنيه، ومنهم من يغرق في عرقه، ومنهم من يغمره العرق غمرا بحيث يتمنى أن يخرج من هذا الموقف الرهيب ومن هذا العذاب العظيم، أعاننا الله وإياكم على هذه المواقف الرهيبة.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، توبوا إلى الله توبة نصوح، وفروا إلى الله مولاكم، واحتكموا لهذا الدين العظيم الذي جاء لسعادة البشرية في الدنيا والآخرة، جاء في الحديث النبوي الشريف قال رسولنا الأكرم : ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).

الخطبة الثانية

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، بحلول العام الميلادي الجديد يتشرّف أدعياء السلام بيوم السلام العالمي، وأيّ سلام يريدون؟! وهل يلتقي السلام العادل مع الاحتلال والاستعمار والاستيطان؟!

فأقول للذين يتسترون وراء شعارات السلام، أقول لهم: يتوجب عليكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن تقفوا في وجه المخططات العدوانية والتوسعية والاستعمارية من قبَل الدول الكبرى ضد الشعوب المغلوبة والضعيفة، عليكم أن تطبقوا الشعارات على أرض الواقع، وإلا فهي شعارات خادعة زائفة، ويتوجب على الحكام في العالم العربي والإسلامي أن يتقوا الله في أنفسهم وديارهم وشعوبهم وأن يوحدوا صفوفهم وأن يعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله .

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، أما على المستوى المحلي فأين السلام الذي تريده السلطات المحتلة؟! هل السلام هو الذي يدعو إلى قتل الأبرياء ونسف المنازل وتجريف الأراضي؟! وهل الذي يريد السلام يقيم المستوطنات والمستعمرات في فلسطين؟! وما نشر في الصحف المحلية قبل يومين عن مخطط لربط مستوطنة "معالي أدوميم" بالقدس بالإضافة إلى المزيد من مصادرة الأراضي في منطقة بيت لحم، كل ذلك يؤكد أن السلام غير وارد لدى السلطات المحتلة. ثم أين الانفراج الذي يترقبه أهل فلسطين؟! هل يكون هذا الانفراج مرتبطا بالمخططات التصفوية لهذا الشعب الصابر المرابط؟! إن السلطات المحتلة ماضية في مخططاتها، وتريد أن تكسب الوقت لاستكمال هذه المخططات بإطلاق بالونات إلهاء وخداع.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، لقد وزع بيان موجه إلى جميع المسلمين الساكنين في أرض إسرائيل بهذا العنوان، وزع البيان للمرة الثانية يدعو إلى رحيل المسلمين من فلسطين وأن يأخذوا التعويضات اللازمة ليسكنوا في البلاد العربية المجاورة، أما فلسطين فهي أرض إسرائيل وللشعب اليهودي فقط كما يزعم هذا البيان.

وبالرغم من أن البيان لم يوقع من جهة محددة إلا أن البيان مزود برقم الهاتف والعنوان البريدي وصفحة الإنترنت لمن يريد المزيد من المعلومات. والذي يقرأ هذا البيان يلمس روح العنصرية والعداء كما يلمس فيه التناقض: إنهم يطالبون أهل فلسطين الأصلية بالرحيل ثم يزعمون بأنهم ـ أي: اليهود ـ يريدون أن يعيشوا بسلام مع أهل فلسطين، ونحن نقول لهم: نحن أصحاب الحق الشرعي ولن نرحل، ومن يطالبنا بالرحيل هو الذي ينبغي أن يرحل عن هذه البلاد المباركة المقدسة، وإن ديننا الإسلامي العظيم هو دين السلام وليس الاستسلام، هو دين يحق الحق ويقيم العدل، هو دين يدعو إلى سعادة البشرية.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، يثار بين الفينة والأخرى موضوع اللاجئين من حيث التعويض أو توطين اللاجئين في البلاد العربية، ونحن نقول: إن حقنا الشرعي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وسبق أن أصدرنا الفتوى الشرعية في حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وديار أبائهم وأجدادهم، ولا مجال للتفاوض والمساومة في هذا الموضوع، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].