طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > تعظيم شعائر الله (1) – السُّدَيس

ملتقى الخطباء

(3٬945)
33

تعظيم شعائر الله (1) – السُّدَيس

1431/02/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 


الشيخ عبد الرحمن السديس

حجاج بيت الله! عظموا -رحمكم الله- شعائر ربكم وشرائعه { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } [الحج:32] واعقدوا العزم الأكيد على العمل بدينكم، مصدر عزكم ونصركم وسعادتكم في الدنيا والآخرة، واجعلوا من مناسبات الإسلام العظيمة نقطة تحولٍ إيجابية في حياتكم، وانطلاقة جادةً لتصحيح أحوالكم، وتقويم أوضاعكم، وصفحةً جديدة للعمل البنَّاء المثمر؛ فيما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ومحطة تزود من وقود القلوب؛ للإيمان والتقوى، والتخفف من الذنوب والمعاصي، وصفحةً جديدة للإقبال على الله، والتوبة الصادقة، ومحاسبة النفوس، والإقلاع عن كل ما حرمه الشرع ونهى عنه.

فالواجب على أهل الحلِّ والعقد في بلاد الإسلام، أن يستغلوا فرصة هذا الاجتماع العظيم، لتقويم مسيرتهم، وحل مشكلاتهم بأنفسهم، وعلى علماء الإسلام، وقادة المسلمين، ودعاة الخير والإصلاح، أن يجعلوا من حِكَم ومقاصد هذه الشريعة من هذا الاجتماع الكبير، انطلاقة جادةً للدعوة إلى الله، ونشر العلم الشرعي، بمنهجٍ سليمٍ وعرضٍ صحيح، وحكمةٍ نافذةٍ، وبصيرةٍ نيِّرة، إن لم يكن اجتماع المسلمين في هذا المؤتمر الإسلامي الكبير نقطةً لاجتماع كلمتهم على الحق، وتوحيد صفوفهم وتضامنهم؛ فمتى يكون ذلك؟
فلا بد من إعداد العدد، وتنسيق الخطط، وتوحيد الجهود لحل مشكلات المسلمين.

أوضاع الأمة الإسلامية

إن أمة الإسلام اليوم بحاجةٍ ماسة إلى الاستفادة من مواسم الإسلام المباركة، وآثارها العظيمة، ومنافعها الجمة؛ لتنطلق للإصلاح من نقطة الانطلاقة الأولى، من هذه البقاع المباركة، فمتى تظل الأمة تراوح مكانها؟ وتأسى على أوضاعها؟ وتندب حظها؟ دون تحركٍ جاد في العمل للإسلام وبالإسلام.

فهل تذكرتم -يا حجاج بيت الله الحرام وأنتم تحلون في رحاب هذا البيت العتيق- أباكم إبراهيم عليه السلام،وابنه إسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت؟!
وهل تذكرتم نبيكم المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو يقوم بالدعوة إلى الله من هذه البقاع المقدسة؟!
هل تذكرتم كيف نمت دوحة الإيمان، وترعرعت دعوة الإسلام؛ التي حملها رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟!

أسباب تردي أوضاع الأمة

ثم هل تفكرتم بما آل إليه أمركم في هذا الزمان، وعرفتم ما هو السبب في ذلك الخذلان؟
إنه -والله- التساهل في أمر هذا الدين، ووجود الخلاف والفرقة بين أبناء المسلمين، هو الذي سبب تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، واحتلال مقدسات المسلمين وإحلال الفساد والدمار فيها.

هل تذكرتم -يا إخوة الإسلام، ويا أيها الحجاج الكرام- وأنتم تنعمون في ظل هذا البيت الآمن أخاه المسجد الأقصى المبارك الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، من أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية وإسرائيل في هذه الأيام في فلسطين و لبنان خافٍ على كل ذي لبٍ من الناس!
هل تذكرتم مآسي إخوانكم في العقيدة في كثيرٍ من بقاع المعمورة، في البوسنة والهرسك وفي كشمير وفي الشيشان وغيرها ؟!
هل وهل أسئلةٌ عظيمة ومهمة؛ يجب أن تدور في خلد كل حاج، لينطلق لإصلاح نفسه، وليعرف مكانته ودوره في هذه الأمة، وأنه واحدٌ من المسلمين، ولبنةٌ من لبنات المجتمع الإسلامي، عليه مسئوليةٌ كبرى -على حسب موقعه- في سلامة سفينة الأمة من الغرق، كي تصل إلى برّ الأمان، وشاطئ السلام، رائدها كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قُدسية الحرمين الشريفين

حجاج بيت الله الحرام! إن واجب المسلمين أن يرعوا قدسية الحرمين الشريفين، فلا يجوز أبداً أن تحول البقاع الآمنة إلى أماكن تجمعات ومظاهرات، وتنظيم تحركات ومسيرات، ورفع لافتات وشعارات وصورٍ ومجسمات، لزعامات وكيانات، ويأبى الله ثم يأبى المؤمنون أن تجرح قدسية البيت الحرام، والشهر الحرام، بالتهريج السياسي والشغب الغوغاء، ولا يرضى الله ولا عباد الله أن يدخل على الدين الحق ما ليس منه؛ من المهاترات الكلامية، والمزايدات السياسية، والشعارات الجاهلية، فأي دينٍ عند هؤلاء، بل أي إسلامٍ عند من يساعد على تعكير أمن بلاد الحرمين الشريفين، بجلب أسلحةٍ ومتفجرات، أو ترويج مسكراتٍ ومخدرات، أو ما إلى ذلك من الجرائم المنكرة، وشتان شتان بين عمل أهل الإيمان والإسلام، وعمل أهل التخريب والإجرام، وإن بدعة المسيرات بدعةٌ منكرة لا سند لها من المعقول والمنقول، وليست أقل سوآت القوم، مما كشفه التاريخ في قديم الزمان وحديثه، والله دون حرمه ودون كل من أراد الإلحاد فيه أو الظلم، فهو سبحانه سيكشف سترهم، ويفضح سرهم: { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ } [فاطر:43].

 

وإن جموع الحجيج الذين يجدون في هذه الأيام فرصةً عظيمة، ومناسبةً كبيرة، لغسل القلوب مما علق بها من أدران الذنوب والمعاصي ليتطلعون إلى كل ما من شأنه شيوع الأمن وعموم السلامة لهم، في أديانهم وأبدانهم مما تشرف بلاد الحرمين حكومةً وشعباً بتحقيقه ولله الفضل والمنة.

 

وإن واجبات الحكومات الإسلامية أن تتعاون في ذلك، وأن تقوم بتوعية حجاجها، بما يجب عليهم معرفته من حرمة الزمان والمكان، وكيفية العمل بالشعائر والمشاعر على الوجه الشرعي والسنن النبوي.

 

كما أن واجب المطوفين والمسئولين عن حملات الحج والعمرة عظيم، ومسئوليتهم كبيرة، تجاه من اؤتمنوا عليه، من رعاية الحجيج، وليعلموا أنها أمانةٌ وديانه قبل أن تكون تجارة، وتحية تقدير وإجلال، لكل من يعملون في خدمة الحجيج؛ فإن خدمة الحجيج شرفٌ أيما شرف، جعله الله في موازينهم.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة:197].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

 

 

روحانية الحج ومناسكه

الحمد لله، جعل المناسك، وأوضح لعباده المسالك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

 

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله!
اتقوا الله يا حجاج بيت الله! واشكروه -جلَّ وعلا- على ما هيأ لكم من الوصول إلى بيته العتيق، والاجتماع حول هذه الكعبة المشرفة، حيث تسكب العبرات، وتتنزل الرحمات، وتُرفع الدرجات، وتقال العثرات، وتُكفر السيئات، وتغفر الذنوب والخطيئات، فيا لها من مواقف تهذب فيها النفوس، وتصقل فيها القلوب، وتحيا فيها الضمائر، وتصفو فيها المشاعر، ويفرح بها أهل الإيمان! فاستغلوا -رحمكم الله- وجودكم في هذه البقاع العظيمة، والعرصات الكريمة، حيث تنعمون بشرف الزمان والمكان، لا سيما ونحن نعيش العشر الأولى من ذي الحجة، وهي ما هي شرفاً وقدراً، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -أي: أيام عشر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله! إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء }.
الله أكبر! يا لها من فرصٍ عظيمة! لا يُفرِّط فيها إلا مغبون، ولا يتساهل فيها إلا محروم .

بيان مناسك الحج

فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا وفود الله! واعرفوا لهذا الزمان والمكان حرمته، ولهذه الفريضة مكانتها، وتوِّجوا ذلك عملاً صالحاً، وسلوكاً مقبولاً؛ تكونوا من الموفقين في الدنيا والآخرة.

حجاج بيت الله الحرام! استغلوا هذه الأيام المباركة بالأعمال الصالحة، بالذكر والدعاء، والتلاوة والتكبير، والطواف والصلاة، وسائر الأعمال، فإذا جاء يوم الثامن من ذي الحجة، فتوجهوا إلى منى ، وبيتوا بها ليلة عرفة ، استحباباً، فإذا طلعت الشمس من يوم التاسع فتوجهوا إلى عرفة وابقوا بها إلى غروب الشمس وجوباً، واجتهدوا هذا اليوم العظيم بالدعاء، والضراعة إلى الله سبحانه، فما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي فيه ملائكته، فيقول: { أتوني شعثاً غبراً؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم } ثم تبيتون بـ المزدلفة وجوباً، ثم تفيضون منها إلى منى لرمي جمرة العقبة، ولبقية أعمال المناسك، ثم إذا أردتم الخروج من مكة فاختموا بطواف الوداع، وبذلك تتم المناسك.

فاتقوا الله عباد الله! واتقوا الله -يا حجاج بيت الله الحرام- وأدوا المناسك على خير وجه، متأسين بنبيكم صلى الله عليه وسلم، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، وصونوا حجكم عن النواقض والنواقص، ولا تتساهلوا بشعائر الله، واجتنبوا اللغو والرفث، والفسوق والجدال، واعمروا أوقاتكم بالطاعة، واعملوا -رحمكم الله- بالتقوى والعمل الصالح، وتجنبوا المحرمات والمنكرات، والأذى قولاً وفعلاً.

تقبل الله منا ومنكم، وأعانكم على أداء مناسككم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وأعادكم إلى بلادكم سالمين غانمين، ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك.