طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > تعظيم شعائر الله (2) – القرني

ملتقى الخطباء

(3٬697)
32

تعظيم شعائر الله (2) – القرني

1431/02/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

الشيخ عائض بن عبدالله القرني

 

إنَّ الحمد لله، نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار.

أيها الناس:

المؤمن يُحسن ويخاف والمنافق يسيء ويرجو .. المؤمن مرهف الإحساس، المؤمن حي العاطفة، المؤمن يعظم شعائر الله وحرمات الله، المؤمن يراقب الله في السر والعلن، وفي الجلوة والخلوة، المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يخاف أن يسقط عليه، والمنافق يرى ذنوبه كأنها ذباب مر على أنفه فقال به هكذا فلا يخاف منها، المنافق يخاف من الناس أعظم من خوفه من الله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108]، يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، يقدِّرون الناس ويوقرون الناس، ولا يعظمونه – تبارك وتعالى – !! فتعالوا نرى كيف كان السلف الصالح يخافون الله ويراقبونه:

سُبْحَانَ مَنْ يَعْفُو وَنَهْفُو دَائِماً وَلَمْ يَزَلْ مَهَمَا هَفَا الْعَبْدُ عَفَا
يُعْطِي الَّذِي يُخْطِي وَلا يَمْنَعُهُ جَلالُه عَنِ الْعَطَا لِذِي الْخَطَا

عمر – رضي الله عنه وأرضاه – كلّكم يعرف عمر، كان من أخوف الناس لله، ومع ذلك كان صادقاً مع الله، صادقاً مع الناس، وصادقاً مع نفسه – قائم الليلِ، صائمَ النهارِ، عادلاً فيمن ولاه الله، زاهداً في الدنيا يبكي طويلاً ويقول يا لَيتني كنت شجرة تعضد كان يقول لحذيفة رضي الله عنه، وقد علَّمه – صلى الله عليه وسلم – أسماء المنافقين. الرسول – صلى الله عليه وسلم – علَّم حذيفة بينه وبينه سرّاً أسماء المنافقين الذين لا يدخلون الجنة، فأتى عمر يبكي عند حذيفة ويقول يا حذيفة أسألك بالله أَسَمَّاني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مِنَ المنافقين؟ لا إله إلا الله … إذا لم تكن يا عمر مؤمناً فمن هو المؤمن؟!! وإذا لم تكن صادقاً فمن هو الصادق وإذا لم تكن مخلصاً فمن هو المخلص؟ لا إله إلا الله بذلت مالك ودمك في خدمة لا إله إلا الله، وتبكي على نفسك أن تكون منافقاً!

جلس الصحابة في مجلس فقال عمر – رضي الله عنه وأرضاه – لأصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم -: أيكم يحفظُ قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا قال إنك عليها لجريء. أي تستطيع أن تتكلم في هذه المواضيع الخطيرة. قال: نعم. قال: ماذا سمعت الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول في الفتنة؟ قال: …

يقول: ((فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصومُ والصلاةُ والصدقةُ)) يعني سَبَّه وشَتْمه لأهْلِه وأخطاءه مع أهله كفارتها الصوم والصدقة والصلاة – قال عمر: لست عن هذا أسأل، لكن أسألك عن الفتنة التي تموج موج البحر ما هي كفارتها؟! الفتنة التي تموج موج البحر فتنة الدماء فتنة أن يُسلّ السيف على المسلمين … فتنة الاختلاف … فتنة الزندقة والنفاق والإلحاد. قال حذيفة: يا أمير المؤمنين لا تخف إن بينك وبينها باباً، قال: أيفتح الباب أم يُكسر؟ والباب هو عمر … الباب عن الفتنة عمر بن الخطاب … يوم قتل بدأت الفتنة!! يوم ذُبح سُلَّ السيف على الأمة المحمديَّة. يوم اغتيل – رضي الله عنه وأرضاه – بدأت الفتن التي تموج موج البحر. قال حذيفة: وحدثته أن بينه وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يكسر. قال: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يُكسر والله!! يعني أن هذا الباب رجل لا يموت، وإنما يذبح كما يذبح العظماء، فدمعت عينا عمر، وقال: الله المستعان. قالوا لحذيفة: أدرى عمر من هو الباب؟!! قال: إي والذي نفسي بيده إنه علم كما أن دون الليلة البارحة [1]، ويوم أتته سكرات الموت واغتيل – رضي الله عنه وأرضاه – ما بكى أطفالَه وما بكى أموالَه وما بكى منصبَه ووظيفته، بكى ذنوبه وخطاياه …

 

حَيَاءً مِنْ إِلَهي أَنْ يَرَانِي وَقَدْ وَدَّعْتَ صَحْبَكَ وَاصْطَفَاكَ

فيقول: يا ليت أمي لم تلدني .. ودماءه تنزف، مات شهيداً، ذبح شهيداً في سبيل الله .. قالوا: ما لك؟ قال: ذنوبي وخطاياي، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة فأعضد، يا ليتني ما توليت الخلافة، يا ليتني ما عرفت الحياة، هذا هو عمر – رضي الله عنه وأرضاه – فكيف بنا أهل الذنوب والخطايا، ذاك هو المؤمن الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويعمل صالحاً ويتوب ويخاف من الذنوب … والمنافق يترك الصلوات، ويلعب في المحرمات، وينتهك حدود الواحد الأحد ربِّ الأرض والسماوات، ويضحك!! يتكلم بالنفاق، ويعمل بالنفاق، ويضحك!!

إذا بايع الناس غشَّ وظلم، وإذا أخذ المال وأعطاه رابى، تعامل بالربا، إذا خاصم فجر، وشهد شهادة الزور، ولعن وتعدى وهو يضحك.

قاطع للرحم، عاقٌّ للوالدين، فاجرٌ في بيته، فاجرٌ في مجتمعه فاجرٌ مع أمته وهو يضحك، ولذلك كان أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم – أخوف الناس لله، أتى أحدهم والرسول – صلى الله عليه وسلم – محاصَرٌ في خيبر وقيل غيرها من قرى اليهود فأرسله – صلى الله عليه وسلم – أرسل هذا الصحابي – قال: اذهب إلى أهل هؤلاء الحصن من اليهود وفاوضهم، علَّهم أن ينزلوا على حكم الله، فدخل على اليهود، فقال اليهود له وهم يتباكون نساءً ورجالاً وأطفالاً: أما ترى ماذا يصنع بنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخذته الرحمة لكن في غير موضعها والرقة بأعداء الله، إخوان القردة والخنازير فأشار إليهم ألا ينزلوا وهي خيانة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكن لم يتكلم. قال بيده على عنقه هكذا، يعني انتبهوا لا تنزلوا فإنه سوف يذبحكم ذبحاً – وخرج من الحصن، وشعر أنه خان الله، وخان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخان دين الإسلام … فذهب إلى المسجد فربط نفسه بحبل بسارية المسجد وقال: والله الذي لا إله إلا هو لا أفكّ نفسي، ولا أطلق نفسي، حتى يطلقها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأخذ يبكي صباح مساء … وأتت التوبة من السماء لأنه اعترف بذنبه وخطيئته فتاب الله عليه، فأتى – صلى الله عليه وسلم – بيده الشريفة، ففكّ الحبل فمضى وهو تائب لا أحد أسعد منه على وجه الأرض.

* أنزل الله قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2].

معناه أنه يقول للصحابة: لا ترفعوا أصواتكم تأدبوا عند المصطفى، تأدبوا عند صاحب الرسالة الخالدة – صلى الله عليه وسلم – فلما نزلت أتى ثابت بن قيس بن شماس، وهو خطيب الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يخطب في حماية الإسلام، وفي الدفاع عن الإسلام، فيرفع صوته على صوت الرسول – صلى الله عليه وسلم – وليس هو المقصود في الآية، لأن الآية تعني الذين لا يتأدبون، أما هو فيرفع صوته لرفع راية الحق فذهب فأغلق عليه بابه في البيت، فبكى حتى كادت أضلاعه أن تختلف، وقال: والذي لا إله إلا هو لا أخرج من بيتي حتى يتوب الله عليَّ أو أموت في بيتي. فسأل الرسول – صلى الله عليه وسلم – سعد بن معاذ، فقال: ((يا أبا عمرو ما شأن ثابت؟ أشتكى؟)) قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكوى، فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال ثابت: أُنْزِلَتْ هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتاً على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((بل هو من أهل الجنة))[2].

وهذا هو فعل المؤمن، وخوف المؤمن، يتقي الله – عزَّ وجلَّ – ويخاف ألا يقبل الله منه، ويعظم حُرمات الله.
والشاهد من هذا الكلام أنه ينبغي لنا – أيها المسلمون الأبرار، أيها الأخيار – أن نعظِّم حرمات الله – تبارك وتعالى.

حقٌّ على المسؤول فينا ألا يتصرف ولا يعمل إلا والله – عزَّ وجلَّ – حافظه ومتوليه وراعيه، وأن يراقب الله في السر والعلن، وحقٌّ على من يكتب مقالة نثرية أو شعرية في الصحف، أو في الكتب، أو في المصنفات، أن يتقي الله في نفسه، فإنه مسؤول أمام الله – عزَّ وجلَّ – يوم القيامة.

ولقد رأينا من أناس كتبوا فما خافوا الله، كتب أحدهم إلحاداً وزندقة لأنه نسي الله، فأنساه الله نفسه. يقول أحدهم يخاطب الأمة العربية، والأمة العربية بلا إسلام أصفار، والأمة العربية بلا دين بادية مضمحلة وسياج من الغنم، والأمة العربية بلا إله إلا الله محمد رسول الله، أمة مهزومة فاشلة، يوم دخلت الأمة العربية بدن لا إله إلا الله محمد رسول الله ساقها اليهود، وساقوا كتائبها من سيناء وفلسطين، وفي كثير من بقاع الأرض، ساقوها بطائراتهم فما أسقطتها الصيحات ولا الخطب، الأمة العربية إذا نزع الإيمان منها فَقُلْ عليها السلام، أتى هذا المجرم، لبناني يكتب في صحف لبنان ومن شعرائها الكبار، يقول للأمة العربية في حربها مع إسرائيل:

هَبُوا لِيَ دِيناً يَجْعَلُ الْعُرْبَ أُمَّةً وَسِيرُوا بِجُثْمَانِي عَلَى دِينِ بَرْهَمِ

ثم يقول:

بِلادُكَ قَدِّمْهَا عَلَى كُلِّ مِلَّةٍ وَمِنْ أَجْلِهَا أَفْطِرْ وَمِنْ أَجْلِهَا صُمِ

يقول: اتخذ منهجاً يجمع العرب ولو كان قومية أو بعثية أو حزبية غير الإسلام، ولو كان دين برهم الهندوسي المجرم اللعين، تعالى الله عما يقوله هذا المجرم الملحد علوّاً كبيراً.

 

ويقول الثاني: وقد وقف أمام سلطان من سلاطين الدنيا شاعر يمدح السلطان ونسي عظمة الله: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} [مريم: 93-95ٍ]. {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً} [الفرقان: 3]. يقول هذا السفيه الخرافي الذي نسي الله فأنساه نفسه، والإنسان الذي نسي الله يكتب بلا إيمان، ويتكلم بلا يقين، وينافق الناس وينسى الواحد الديَّان، يقول هذا السفيه لسلطان من السلاطين وكبير من الكبراء:

مَا شِئْتَ لا مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ الْقَهَّارُ

سبحان الله، يقول هذا لفقير هزيل لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً فضلاً عن غيره، وينسى أن الذي خلقه ورزقه هو الله – عزَّ وجلَّ!!

سبحان اللهّ! فابتلاه الله بمرض جعله طريح الفراش، بقي مريضاً ينبح من المرض كما ينبح الكلب؛ لأن الذي لا يعرف الله في الرخاء يُعَرِّفُه الله بنفسه في الشدة.

 

فرعون ما عرف الله وهو على كرسي الحكم يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} [الزخرف: 51]. فقاده الله بتلابيب ثيابه حتى أنزله في الطين والوحل، وأجرى الأنهار والمياه من على رأسه، فعند ذلك عرف الله وندم، ولات ساعة مندم، قال: {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]. الآن يا دجال … الآن يا لعين، وقد نسيت الله وعظمة الله وجلال الله.

هذا الشاعر ابتلاه الله بمرض فبكى وأبكى، وأخذ يتقلَّب على فراشه ويقول. يخاطب رب العزة – سبحانه وتعالى – معتذراً:

أَبِعَيْـنِ مُفْتَقِـرٍ إِلَيْـكَ نَظَـرْتَنِـي    ***   فَأَهَنْتَنِي وَقَذَفْتَنِي مِنْ حَالِقِي
لَسْتَ الْمَلُومَ أَنَا الْمَلُومُ لأَنَّنِي   ***    عَلَّقْتُ آمَالِي بِغَيْرِ الْخَـــالِقِ

 

من يُعَلِّقْ آماله بغير الله يقطع الله حبله وولايته عنه، ويكله إلى نفسه والشيطان، وقد سمعنا ورأينا من الذين أساءوا إلى الإسلام ولو كانوا يدعون الإسلام، ولو سكنوا في بلاد الإسلام، ولو تكلموا بلغة الإسلام، أتوا فلما حلّت بهم الأزمات إما مرض عضال، وإما كارثة في أطفاله وزوجته، أو في أمواله وتجارته، ندم يوم أن ضيع دين الله – عزَّ وجلَّ – واستهان بشرعه.

 

* فالشاهد يا عباد الله: تعظيم حُرمات الله في المجالس … في مجالسنا، في اجتماعاتنا، وفي مكاتبنا وفي مدارسنا. هناك كلمات تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفً، يطلقها قائلها بلا اعتبار، يستهزئ بالإسلام، يستهزئ بالرسول – صلى الله عليه وسلم – يستهزئ بالسنة الخالدة، يستهزئ بالدعاة والدعوة، وما علم أنه بذلك يستهزئ برب العالمين سبحانه وتعالى: {قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66].

 

ولكنه الكفر، والنفاق: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4]. {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 8-10]. وفي قلوبهم مرض، ما دخل النور قلوبهم ما دخل الإيمان قلوبهم: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{10} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} [البقرة: 10-11]، لا تفسدوا في إعلامنا وصحفنا، لا تفسدوا في كتبنا ومصنفاتنا، لا تفسدوا عقول أبنائنا وبناتنا، لا تفسدوا في عقائدنا وتاريخنا، لا تفسدوا في دوائرنا ومدارسنا: {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11].

 

نحن أهل التطور، وأهل التقدم، نحن نعارض الرجعية، وهم الرجعيون المتخلفون المتأخرون: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء} [البقرة: 13]. الفقراء الضعفاء المهازيل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} [البقرة: 13-14]. كذباً ونفاقاً إذا جلسوا مع العلماء والدعاة والأخيار والعباد والزهاد، لبسوا جلود الضأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب، {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]، في مجالسهم: {قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤونَ} [البقرة: 14]. {اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]. أتدرون ما معنى الاستهزاء هنا: يروى في الآثار الصحيحة أن الله يأتي بهم يوم القيامة فيجعل لهم نوراً على الصراط، فيظنون أن هذا النور بإيمانهم، وأنه سوف ينجيهم على الصراط، والجو على الصراط جو ظلمة، نسأل الله أن ينور لنا ولكم الصراط، من الناس من يأتي ونوره يلمع كالنجم.

 

ومنهم من يأتي ونوره كالقمر، ومنهم من يأتي نوره كالشمس فيأتي الله بهؤلاء، فيوقد لهم نوراً، فيظنون أنهم ناجون فإذا أصبحوا على الصراط انطفأ نورهم فوقعوا على وجوهم: اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ{16} مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ{17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 15-18].

 

فالله الله في تعظيم حرمات الله، {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30]، {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. أسماء الله، صفات الله، كتب الله، أنبياء الله، مساجد الله، أولياء الله، كل ما يمت للإسلام بصلة .. عظِّمه ليعظمك الله سبحانه وتعالى …

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله .. الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً … والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً … بلَّغ الرسالة … وأدَّى الأمانة … ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المسلمون:

من الصور التي يُنَبَّه عليها لتعظيم حرمات الله – عزَّ وجلَّ – وشعائره صورة ولو أنها سهلة عند كثير من الناس. لكنها عظيمة … صورة امتهان أسماء الله – عزَّ وجلَّ – في الصحف والجرائد والمجلات، فلقد رأينا من أناس كثيرين يقعون في امتهانهم لهذه الصحف والمجلات، وفيها آيات الله المحكمات … وأسماؤه المشرقات، توضع موائد وسُفَراً لطعام، وتمزَّق ويُرمى بها على الأرصفة، وفي الشوارع، والسكك، وفي المزابل، وهذا استهانة بأسماء الله وآياته – سبحانه وتعالى – وهذه الصُّحف يكتب فيها كثيرٌ من الآيات، هذه المجلات تحمل أسماء الواحد القهّار، كثيرٌ منها مقالات إسلامية، فيها سورٌ وأجزاء من القرآن، تؤخذ عند كثير من الناس لقلة عظمة الله في نفوسهم، فتوضع سُفَراً للطعام، فيضعون الطعام عليها، وعليها اسم الله، وأسماؤه العظمى الحسنى، ثم تُرمى في الزبالات مع الأطعمة، وهذا إن دل على شيء … فإنما يدل على أمرين اثنين:

* أولهما: قلة مراقبة الواحد الأحد. وقلة تعظيم الله في القلوب، وعدم الحياء من الله – عزَّ وجلَّ .

* وثانيهما: عدم الأدب والمستوى الراقي الذي بلغه هذا المجتمع، الذي يراد منه أن يكون قدوة للناس، ولذلك نسمع في مجالسنا أن مدناً كافرة في أوربا وأمريكا.

بلغت من التنظيف ومن ملاحظة أرصفتها وأماكن تجمعات الناس، وساحاتها وسككها، أمراً عجيباً، ونحن أهل الحضارة، ونحن أهل التقدم، ونحن أهل الرقي ترمى صحفنا وكتبنا وجرائدنا وفيها أسماءُ ربِّنا – تبارك وتعالى – في الشوارع وصناديق القمامة!! فهذا يدل على التخلف في عالم الأدب، وعدم الرقي في عالم الحضارة والمعرفة والثقافة …

 

* من الصور – أيضاً -: تساهل كثيرٌ من الناس في دخول بيوت الخلاء، أماكن قضاء الحاجة، بأسماء الله – تبارك وتعالى – تكون في أوراق، أو في مستندات، قطع من المصحف، أو المصحف كله، أو شيء من أحاديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وهذه استهانة!! وهي إما عن جهل، وأما عن قلة إيمان. جاهل لا يدري ما الحكم، فالفطن لا يدخل بشيء من كلام الله أو أسمائه هذه الأماكن، لأن كلام الله – عزَّ وجلَّ – وأسماءه ينبغي أن تُصان وأن تُعظَّم، القرآن يوضع في المساجد والأماكن الطاهرة، فأدعو نفسي وإخواني إلى تعظيم كلام الله – عزَّ وجلَّ – لأن ذلك دليل على تقوى الله – عزَّ وجلَّ – ومراقبته كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. وقد بلغ السلف الصالح في ذلك مبلغاً عظيماً.

* إبراهيم بن أدهم أحد الزهّاد كان في أول حياته مسرفاً على نفسه في الخطايا والذنوب، لكنه كان يحب الله، بعض الناس يُسيء ولكنه يحبُّ الله … يُذنب ولكنه يحبُّ الله ورسوله – نزل إبراهيم بن أدهم إلى السوق وهو مسرفٌ على نفسه فوجد ورقة قرطاس ملقاة على الأرض وقد كُتب فيها اسم الله – تبارك وتعالى – والناس يطؤونها بأقدامهم، وهم داخلون إلى السوق وخارجون ما يعلمون، فأخذ القرطاس، فنظر فإذا اسم الله فيه فبكى، وقال: سبحان الله يُهان اسمك هنا؟ لا والله، فرفع هذه الورقة وذهب بها وطيبها ورفعها في بيته، فلما أمسى سمع هاتفاً – وهذا ثابت عنه – يقول: يا مَنْ طيَّب اسم الله وعظَّم اسم الله ليعظمنَّ الله اسمك. فهداه الله إلى التوبة النصوح، فأصبح من زهاد الإسلام ومن عُبَّاد الإسلام الذين لما توفى اجتمعت مدينته في جنازته ألوفاً مؤلفة: الأمراء، وقادة الجيش، والفقراء والمساكين، حتى وصلوا المقبرة وقد تقطعت أحذيتهم من كثرة الزحام، لأن من يعظِّم الله يعظمه الله ومن يحتقر شيئاً من أسماء الله أو صفاته يحقره الله، ويذله الله ويفضحه الله – سبحانه وتعالى.

* مما ينبغي أن ننبه عليه كذلك قضية السلام والتحية في الإسلام، وهي من تقديس وتعظيم هذا الدين، ومن معالمه التي نبه عليها القرآن: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} [النساء: 86]. {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44].

وتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فمن تعظيم الله ألا نستبدل في مجتمعاتنا تحية أخرى بتحية الإسلام، وقد سمعنا من إذا لقي الناس قال: صباح الخير وترك السلام، أو قال: كيف حالكم، حياكم الله، وهذه جائزة وواردة وطيبة، ولكن بعد تحية السلام، بعد شِعَار الإسلام، نجد من الناس من يرفع الهاتف فلا يسلم ولا يرد السلام، وهذه أتتنا من عالم الخواجات، من عالم الوثنيات، من عالم الدعارة والانحطاط، ولم تأتنا من مكة أو المدينة من إرث محمد – صلى الله عليه وسلم .. تحيتنا السلام نسلم ونتقبَّل السلام ليبقى شعارنا شعار الإسلام؟

الله الله في المحافظة على شعائر السلام دخولاً وخروجاً واستئذاناً، وزيارة، لنبقى مسلمين، وهذه قضايا تطول وتطول … ولعل الله أن يهيئ من الأوقات ما يسمح لنا بالتعرف على شعائر الإسلام التي ينبغي لنا أن نحافظ عليها، لنكون معظمين لله الواحد الأحد، معظمين للإسلام وعمق الإسلام، وثقافة الإسلام، ودين الإسلام.

* عباد الله:
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].
 

 

اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، وأعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، اللهم وفقنا في اتباع سنته، والسير على منهجه، اللهم ارض على أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

ــــــــ
[1] أخرجه البخاري (8/96) كتاب الفتن، باب (17)، ومسلم (1/129) كتاب الإيمان، رقم (231).
[2] أخرجه البخاري (6/46) كتاب التفسير (سورة الحجرات)، ومسلم (1/110) كتاب الإيمان، رقم (187).

 

 

 المصدر: الألوكة