طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||
ملتقى الخطباء > الملفات العلمية > سياحة التأثير (د. سعد البريك)

ملتقى الخطباء

(3٬396)
2

سياحة التأثير (د. سعد البريك)

1430/07/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
اقتباس

جميل أن يرتاح الإنسان بعد كد، وأن يتنفس بعد عناء، والترفيه البريء والترويح المباح، لا غضاضة فيه، بل قد يكون مطلوبًا أحيانًا لما فيه من الإعانة على الطاعة وتنشيط النفس بعد كسلها من عناء العمل وغير ذلك، لكن الواجب ألا يقتحم هذا الترفيه أسوار ما حرم الله، وإذا كان الإسلام لا يحجر على المسلمين أن يروِّحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم، وأن يقوموا بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً، فإنه يمنع أن يُستغَل ذلك فيما …

 

 

 

 

د. سعد البريك

أقف مع من حزموا الحقائب ورتبوا الحجوزات وقطعوا التذاكر ووضعوا البرامج وأحكموا الخطط لقضاء الإجازة في بقاع موبوءة وأجواء محمومة وبؤر مشبوهة.
جميل أن يرتاح الإنسان بعد كد، وأن يتنفس بعد عناء ، والترفيه البريء والترويح المباح، لا غضاضة فيه، بل قد يكون مطلوبًا أحيانًا لما فيه من الإعانة على الطاعة وتنشيط النفس بعد كسلها من عناء العمل وغير ذلك، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحنظلة الصحابي رضي الله عنه: “ولكن يا ‏حنظلة ‏ساعة وساعة”.

لكن الواجب ألا يقتحم هذا الترفيه أسوار ما حرم الله، وإذا كان الإسلام لا يحجر على المسلمين أن يروِّحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم، وأن يقوموا بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً، فإنه يمنع أن يُستغَل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهزُّ العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والمثل.
ومع الممارسات الخاطئة في السفر إلى الخارج لقضاء الإجازة، رغم النصائح المتتالية والتحذيرات المتعاقبة من ذلك، يحسن الوقوف قليلاً مع ما يكتنف ذلك من مخاطر على دين المرء وصحته، واستنزاف ميزانيته وإنفاق المال في أوجه لا يجني منها سوى فوائد موهومة وسعادة مزيفة.
أقف مع من حزموا الحقائب ورتبوا الحجوزات وقطعوا التذاكر ووضعوا البرامج وأحكموا الخطط لقضاء الإجازة في بقاع موبوءة وأجواء محمومة وبؤر مشبوهة لأقول: حذار من إلقاء الحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية، فتنهشه أنيابها وتخمشه مخالبها دون أن يدري، وربما علم بعد فوات الأوان، وقد يتعدى شؤم معصيته إلى من حوله، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة والصغير والكبير والشاب والعجوز.
رجل تجاوز الستين من عمره، اعتاد السفر إلى الخارج في الإجازة بعد أن أدمن الليالي الحمراء والأضواء الخافتة، أصيب بعد عودته بانحطاط جسدي عام وعند الكشف عليه تبين أنه مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الايدز)، وبعد فترة وجيزة مات بعد معاناة مريرة مع المرض، وكان إرثه الذي تركه لزوجته وابنته خبيئة فيها نسختان من هذا الفيروس لتبدأ كل واحدة منهما رحلة مريرة مع المرض القاتل، وكأنه لم يكتف بترويعهما حال مرضه وبوفاته، بل نقل إليهما المعاناة بعد موته أيضاً !.

إننا أصحاب رسالة، ومهمتنا تبليغها للعالم الظامئ إلى الحق والهدى، الذي يعاني الأزمات الأخلاقية والتفكك الاجتماعي والعقد النفسية، فهو أحوج ما يكون إلى ديننا وعقيدتنا وشريعتنا لحل مشاكله وباعتراف مفكريه.

 اعتزاز المسلم بدينه، وإظهاره لشعائره، مع القدرة على المواءمة بين الترفيه المباح وبين الدعوة إلى الله بالسمت الحسن والخلق الطيب والكلمة الرقيقة، هو من سياحة التأثير التي أدعو إليها..
 

يقول أحد الأطباء: دُعيتُ لمؤتمر طبي في أمريكا ، فبدا لي ألا ألبس الملابس الطبية ولبست ثيابي العادية ، بدأ المؤتمر وبعد فترة دخلت صلاة الظهر فاستأذنت وصليت ،وكان ذلك ملفتاً للنظر ، فشعرت بشخص يصلي بجانبي
ويبكي فلما انتهيت فإذا طبيب يمسح دموعه ويقول» هذه أول مرة أصلي فيها منذ أربعين سنة ، وقال: جئت إلى أمريكا منذ أربعين سنة وأحمل الجنسية الأمريكية و لكني تهاونت بالصلاة فتركتها فترة طويلة لم أصل قط ، ولما رأيتك تصلي تذكرت الصلاة التي طالما تهاونت بها .
وفي الحفل الختامي سألوني: لماذا لم تلبس لباس الأطباء؟

فشكرت اهتمامهم وقلت: هذه ملابسنا و لست في مستشفى، ثم أردت انتهاز الفرصة لدعوتهم فأشار المدير أن وقتي قد انتهى فخطر لي أن أثير علامة استفهام وأجلس فقلت: مؤتمر يكلف الملايين للبحث ما في داخل الجسم ، لكن لماذا خلق هذا الجسم ؟!! ثم ابتسمت ونزلت ، فلاحظ المدير دهشة الحضور، فأشار إليَّ أن استمر ، فحدثتهم عن الإسلام والغاية من الخلق ، ونهاية الدنيا فما إن انتهيت حتى أعلنت أربع طبيبات الدخول في الإسلام .
 

قال الأديب الانجليزي جورج برنارد شو: لقد درست محمداً باعتباره رجلاً مدهشاً ، فرأيته بعيداً عن مخاصمة المسيح ، بل يجب أن يدعى منقذ الإنسانية ، وأوربا في العصر الراهن بدأت تعشق عقيدة التوحيد ، وربما ذهبت إلى أبعد من ذلك فتعترف بقدرة هذه العقيدة على حل مشكلاتها.
هذه نظرة مفكري العالم لرسالتنا وديننا ، والمحزن أن البعض طغى عليهم الانتماء السلبي ورضوا بأن يكونوا في الهوامش وأسفل الحواشي ، في انهزامية ظاهرة وانبعاث محموم خلف الشهوات ورغبات النفس ولو كان فيها إساءة للدين وتشويه لصورته ، ولو كان فيها التخلي عن مهمتنا الخالدة التي رُسمت قنطرة نعبرها إلى بوابة الخيرية في قوله تعالى: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).
 

نعم لسياحة التأثير لا التأثّر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفلات.
سافر شاب إلى إحدى الدول الغربية لحاجة له ، واضطر بسبب غلاء الإيجارات إلى أن يستأجر غرفة في منزل امرأة طاعنة في السن تقيم فيه لوحدها ، فأثار انتباهها قيامه لصلاة الفجر ووضوؤه بالماء البارد ، وكان ذلك في فصل الشتاء ، ولما تكرر ذلك منه ، سألته مستغربة : لماذا تفعل ذلك ؟، فبيَّن لها أنها الصلاة المفروضة وأنه يجب المحافظة عليها وأنها من أسباب السعادة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة ، فاندهشت قائلة : إن ديناً يربي أتباعه على هذه القوة والصلابة على طاعة الله حتى في البرد والزمهرير، إنه دين حق ، ثم نطقت بالشهادتين وأسلمت.
 

هذه قصة تبين ما قَصَدتُه في عنوان هذه المقالة ، فاعتزاز المسلم بدينه ، وإظهاره لشعائره، مع القدرة على المواءمة بين الترفيه المباح وبين الدعوة إلى الله بالسمت الحسن والخلق الطيب والكلمة الرقيقة ، هو من سياحة التأثير التي أدعو إليها ، وهذه لا تحتاج إلى كثير جهد ، فمجرد إظهار شعائر الدين هو دعوة إلى الله ، ولكي تنتشر حلاوة السكر في كوب الشاي يكفي أن نحركه بالملعقة قليلاً .
 

كما أن هذا الأمر لا يحتاج إلى تبحر في العلم الشرعي وأساليب الدعوة وطرق الحوار كما يتوهم البعض ، والمؤمن كالنخلة كثير البركة دائم العطاء ، وحتى لو وقع في معصية أو زلت به القدم فإن إيمانه بربه وتمسكه بدينه سيعينه بإذن الله على النهوض من كبوته .
البعض يعتز بالإسلام ، والبعض يستنكف أن يظهر شعائر دينه في بلاد (الحرية!!).
 

 

استفضتُ قليلاً في مخاطبة من يريدون السفر إلى الخارج لقضاء الإجازة، ليقيني بأن ‏ما سأقوله قد لا يقنع بعضهم لقضاء الإجازة في هذه البلاد المباركة التي حباها الله ‏بمقومات شرعية وتاريخية وحضارية وبيئية تجعلها مؤهلة لتكون مقصدًا لكل من ينشد ‏السياحة بمفهومها الصحيح النقي

‏إن ما يبعث على الأسى هو أن في الأمة من لا يرى جدوى في السياحة إلى المناظر ‏الطبيعية الخلابة والأنهار الجميلة والشواطئ الساحرة، بل يراها في صالات العرض ‏‏(الخليع) والملاهي الليلية والتبرج الممقوت، ومجانبة الفضائل ونبذ الحياء!!

لستُ ضد السياحة، بل العكس هو الصحيح، فأنا أدعو إلى السياحة بمفهومها النقي ‏النظيف المنضبط بالضوابط الشرعية، وحري بكل مسافر أن يفكر أين سيضع قدمه ‏قبل أن يرفعها، هل سيضعها في مكان يغضب الله عز وجل ويسجل عليه في سجل ‏يسوؤه أن يراه يوم القيامة، أم يضعها فيما أباح الله من البلاد والأماكن والمنتزهات‏؟ وحري به أيضًا أن يفكر في أسرته وبناته وأبنائه، كيف سيكون حالهم في بلاد لا ‏تعرف من الطهر والعفاف إلا الشيء اليسير، وليحذر من أن يعودوا وقد أصيبوا ‏بشظايا قاتلة من القنابل الطنية التي تستهدف القيم والأخلاق، وتدمر سلوكهم ‏وشخصياتهم في لحظات، ناسفةً ما غرسه فيهم من مُثل وقيم طيلة عام كامل.‏

وماذا يضره لو جعل ضمن برنامج رحلته أن يكون هو وأسرته سفراء لبلادهم، ‏ممثلين لدينهم أحسن تمثيل، دعاة بأفعالهم وسلوكهم، مصطحبين معهم رسائل ‏تشرح الإسلام وتبيِّن محاسنه وتعاليمه السمحة.‏

في جولة دعوية قادتني إلى عدد من الدول الأوروبية؛ سألت بعض الفضلاء القائمين ‏على المراكز الإسلامية هناك: من يزوركم من المسلمين؟ فأجابوا: لا يزورنا إلا ‏من قدموا للعلاج من المرض، أما السواح وغيرهم فلا نراهم!

فلو خصص المسافر جزءًا من إجازته لزيارة المركز الإسلامي القريب منه أو المساجد ‏الموجودة، والتقى القائمين عليها وأثنى عليهم وعلى جهودهم وشد من أزرهم، ‏وأعانهم ولو بمصروف يوم واحد من مصاريف أطفاله في الإجازة لحصل خير كثير ‏ونفع عظيم، وإني أرجو أن تُكتب رحلته وسفره وسياحته في ميزان حسناته، ‏والعاقل هو من يجعل من المباح زيادة في الثواب، ومن النافلة عزمًا على الفريضة.

إنما استفضتُ قليلاً في مخاطبة من يريدون السفر إلى الخارج لقضاء الإجازة، ليقيني ‏بأن ما سأقوله في الأسطر المقبلة قد لا يقنع بعضهم لقضاء الإجازة في هذه البلاد ‏المباركة التي حباها الله بمقومات شرعية وتاريخية وحضارية وبيئية تجعلها مؤهلة لتكون ‏مقصدًا لكل من ينشد السياحة بمفهومها الصحيح النقي ووجهها المشرق البهي، والتي ‏خُيِّل للبعض أنها لا توجد إلا في بلاد الفجور والانحلال.‏

لقد منَّ الله على هذه البلاد بالحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين ومنَّ عليها ببيئة ‏وأجواء فريدة تشكل تنوعًا فريدًا لا نظير له في العالم أجمع. فمن البقاع المقدسة إلى ‏الشواطئ الجميلة، ومن الجبال الشاهقة بهوائها العليل إلى الأودية الخلابة والصحاري ‏البديعة، ومن الوهاد الواسعة إلى البطاح الشاسعة برمالها الذهبية وشمسها البهية، ‏وحدِّث ولا حرج كرم الضيافة العربية وأنس اللقاء وبشاشة المنظر وطيب السكن ‏وحسن الجوار بما يحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والنقاء والفضيلة والخير والحياء، ‏التمتع بأجواء سياحية آمنة تسدُّ الطريق أمام الأبواق الناعقة، والأقلام الحاقدة، التي ‏تسعى لجرِّ هذه البلاد المباركة وأهلها إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش ‏أصالتها وثوابتها.

المصدر: موقع الشيخ سعد البريك
http://www.saadalbreik.com/saad/index.php?t=content&tid=311&cid=1203
 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
ادارة الموقع
امام مسجد
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات