طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

(18)
7004

عيوب الخطابة

1442/03/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

موقع المنبر

يمكن تقسيم العيوب الحاصلة في هذا الفن ثلاثة أقسام:

الأول: عيوب في الخطيب، ومنها:
1 ـ اللحن:
وأفحشه ما كان في آيةٍ أو حديث، ثم ما غيّر المعنى، ثم ما كان في كلام الغير.
قال عبد الملك بن مروان: ” الإعراب جمال للوضيع، واللحن هُجنة على الشريف، والعُجب آفة الرأي”1، وكان يقال: “اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدَريّ في الوجه”2.
وإن أعظم أسباب اللحن الجهلُ بعلمي النحو والصرف. قال الأصمعي: “إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي فليتبوّأ مقعده من النار)) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه ولحنت فيه كذبت عليه”.
ولذا ينبغي للخطيب أن يتعلم من النحو واللغة ما يقوّم به لسانه، ويَسلم به من هذه الآفة.
2 ـ التصحيف:
وأكثر ما يقع لمن يقرأ من كتاب، فيصحف نظره بسبب رداءة الخط أو ضعف البصر أو عدم استيعاب ما يقرأ أو عدم التركيز فيه أو غير ذلك من الأسباب، وقد حصل لبعض الفضلاء أن قال في خطبته وهو يقرأ من ورقة: “ومن ترك واجبًا من واجبات الحج متعمدًا يأثم ويَكْفُر” بتخفيف الفاء، فنبّهه بعض الناس بعد قضاء صلاته، فبادر إلى تصحيح خطئه، وقال: “الصواب: يأثم ويُكفِّر” أي من الكفارة.
· الخطبة المكتوبة:
ومن العيوب التي ينبغي التنبيه إليها في هذا المقام ـ وإن كانت هي ليست من التصحيف ـ انتقال البصر من سطر إلى سطر آخر، أو من فقرة إلى فقرة أخرى، أو أن تنقصه ورقة، أو يختل ترتيب أوراقه، ولا يتنبّه لشيء من ذلك، وهذا بعض مساوئ الخطبة المكتوبة، وهي عيوبٌ حادثةٌ لم يذكرها المتقدمون؛ لأن الخطبة عندهم لا تكون بالقراءة من كتاب، فهذه قراءة وتلك خطابة، فهما فنّان مستقلان متباينان.

العقد الفريد (2/479)، والبيان والتبيين (2/216).
2 البيان والتبيين (2/216) وانظر العقد الفريد (2/478)، وعيون الأخبار (2/158).

3 ـ اللّفف والعجلة:
والمراد باللّفف التباطؤ في الكلام حتى كأن لسانه قد الْتفَّ، والمراد بالعجلة السرعة في الإلقاء، فكما أن الإسراع مذموم لما فيه من تفويت الفهم على السامع، فكذلك التباطؤ مذموم لما فيه من بعث الملل والضجر في قلوب السامعين، والسنة الاقتصاد في ذلك، فعن عائشة رضي الله عنه قالت: “ما كان رسول الله r يسرُد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بَيْنَه فصل، يحفظه من جلس إليه”1،
وقد تكون سرعة الإلقاء طبعًا في الخطيب وقد يكون سببها طول موضوع الخطبة، أو القراءة من كتاب.

4 ـ كثرة الحركة:
وذلك كالعبث باللحية أو الخاتم أو الساعة أو النظارات أو الثوب أو العمامة، فإنها منقصة من هيبة الخطيب، ومدعاة للازدراء والاحتقار، وأنشد بعضهم في ذم ذلك فقال:
مليٌّ ببُهر والتفاتٍ وسعلة ومسحة عثنونٍ وفتل الأصابع2
وسبب هذا العيب هو ترك سنة الاستناد أثناء الخطبة.
فينبغي للخطيب أن يعالج هذا العيب بوضع يديه على المنبر أو العصا، وأن يستشعر حرمة المقام ويراعي لحظ المخاطبين فيلزم السمت والسكون والوقار.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة اليسيرة الموزونة لا بأس بها، بل قد تكون أحيانًا مطلوبة لزيادة الإفهام، وهي التي كان النبي r يستعملها في بعض خطاباته كما في قوله r: ((بعثت أنا والساعة كهاتين))، وقوله: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين))، وكإشارته بالسبابة إلى السماء، وغير ذلك.
قال بعض الأدباء: “الإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط”3.
5 ـ البهر والارتعاش والرّعدة والعرق:
وهذا العيب من أشد العيوب وطأة على الخطباء، لأنه يعتري الخطيب قسرًا، ويغلبه قهرًا، فإذا اعتراه أفقده توازنه، وأوقعه في الاضطراب الشديد، وقد يصل به الأمر إلى أن يضطر إلى قطع خطبته فلا يستطيع إكمالها مهما حاول، حتى إن بعضهم لا يقوى على القيام.

أخرجه أبو داود [4839]، والترمذي [3639]، واللفظ له وحسنه، ووافقه الألباني.
2 العقد الفريد (4/55)، والبيان والتبيين (1/4).
3 البيان والتبيين (1/78).

وهذا العيب غالبًا ما يعتري المبتدئين الذين لم يستعدوا نفسيًا ولم يتدربوا لهذا المقام، وقد يعتري غير المبتدئين وذلك إذا علم أن من بين الحضور أناسًا يوقّرهم ويعظمهم ويُكبرهم.

6 ـ رفع اليدين:
رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة خلاف السنة، إلا في دعاء الاستسقاء فقد ثبت عنه r رفع اليدين فيه، أما غيره من الدعاء فلا يشرع للخطيب أن يرفع فيه يديه، فعن حصين أن بشر بن مروان رفع يديه يوم الجمعة على المنبر، فسبّه عمارة بن رؤيبة الثقفي وقال: “ما زاد رسول الله على هذا” وأشار بإصبعه السبابة1

7 ـ ضعف الصوت:
صوت الخطيب هو الآلة التي يبلّغ بها خطبته، فإذا كان صوته ضعيفًا كان التبليغ ضعيفًا، فلا يحصل مقصود الخطبة، ولذا كان النبي r إذا خطب احمرّت عيناه وعلى صوته كأنه منذر جيش. يقول: ((صبحكم ومساكم)).
وقد كانوا يمدحون الجهير الصوت ويذمون الضئيل الصوت، فقال طحلاء وهو يمدح معاوية بالجهارة وبجودة الخطبة:
رَكـوب المنابـر وثّابُها مِعَـنٌّ بخطبتـه مجهــرُ
تَريع إليه هوادي الكـلام إذا ضلّ خطـبتَه المهـذَرُ2
ويمكن للخطيب الذي بلي بهذا العيب أن يذهبه بالمراس والمِران.

8 ـ عدم التفاعل مع الخطبة:
لا يخفى أن الخطبة قد تشتمل على فنون شتى متغايرة؛ فقد تشتمل على الترغيب والترهيب، وعلى التحذير والتبشير، وقد تشتمل على ما يقتضي الحزن أو الفرح، أو الغضب أو الخوف، والخطيب الموفق يعطي كل مقام حقه من الانفعال والتغيّر.
وسبب هذا العيب في الغالب هو خروج الكلام من اللسان دون القلب، ومتى حصل ذلك لم تؤت الخطبة ثمارها. قال عامر بن عبد قيس: ” الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان”.
والتفاعل الذي ننشده هو التفاعل الحقيقي الصادق، وليس التفاعل الصوري المتكلّف، فهذا يضر صاحبه، ويجعله هزأة عند المستمعين.

رواه مسلم [874] والترمذي [514] والنسائي (3/108) واللفظ له.
2 البيان والتبيين (1/127). (معنّ) أي تعنّ له الخطبة فيخطبها مقتضبا لها، (وتريع إليه …) أي ترجع إليه أوائل الكلام إذا ضلت وذهبت عن المهذر الكثير الكلام.

وأشد عيبًا من عدم التفاعل التفاعل بما لا يناسب الكلام فإنه يبعث في السامع التعجب والحيرة فيشغله محاولة تفهّم هذا التصرف من الخطيب عن الإنصات لخطبته.
9 ـ استغلال المنبر لأغراض شخصية:
وهذا العيب من أخسّ العيوب، ويقع فيه بعض الخطباء لقلّة دينه وضعف إيمانه، أو لضعف شخصيته، ومن صوره أن ينتقم الخطيب لنفسه، أو يدافع على نفسه، أو يدعو إلى نفسه، وهذا من أكبر العدوان على المخاطبين، قال بعض الفضلاء: “إن شرّ السراق الخطباء الذين يستغلون المنبر لأغراضهم الشخصية؛ لأنهم يسرقون أعمار الناس، فهم شر ممن يسرق أموالهم”.
ومن مضار هذا العيب:
· الإضرار بالدعوة.
· وعدم أداء الواجب الشرعي.
· والمساس بقيمة الخطيب ومكانته.
· وانتهاك حرمة المنبر وتعطيل مهمته.
فالخطيب في حقيقة الأمر لا يمثل شخصه وإنما يمثل منصبًا شرعيًا، فإذا لم يؤد الذي ينبغي كما ينبغي كان فتنة على الشرع.
من أمثلة ذلك: خطيب بحضرة بعض الأغنياء، تناول موضوع فضل الصدقة، وحثهم على التصدق على أهل العلم والدعاة إلى الله، وغرضه من ذلك أن يتصدقوا عليه.
ومن أمثلته أيضًا: خطيب يردّ على شخص بعينه تصفية للحسابات، ومن أضرار ذلك أن لا يفهم الخطبة إلا قائلها، والمردود عليه، ومن عنده علم بقضيتهما، وقد وصل الحد ببعض الخطباء في بعض المجتمعات أن يمكث نصف عام من الزمن وهو في صراع ونزاع شخصي مع خصمه في كل جمعة صولة وجولة.
10 ـ استغلال المنبر لأغراض حزبية أو طائفية أو عصبية:
وذلك بنشر أهداف ومبادئ حزب ما، أو فرقة ما من خلال المنبر، وهذا كله على حساب الدين والدعوة، فهو مناف للغرض الذي أسس من أجله المنبر، بل هو مناف كذلك لرسالة الإمام الشرعية.
11 ـ محاكاة غيره من الخطباء في طريقة الإلقاء، وفي النبرات والسكتات، وفي الحركات والسكنات:
ومن أسباب هذا العيب ضعف شخصية الخطيب أو ولوعه بمن يحاكي ويقلد، ومن أضراره خروج الخطبة من كونها حقيقة إلى الصورية، فيصير الخطيب كأنه ممثل. وقد عاب المتقدمون الخطابة بخطب الغير، فكيف بمن يحاكي غيره من الخطباء.
قال أبو مسمار العكلي وهو يمدح عامرًا:
لله درّ عـامـرٍ إذا نطـق في حفل إملاك وفي تلك الحِلَق
ليس كقوم يعرفون بالسرَق من خطب الناس ومما في الورق
يلفقـون القول تلفيق الخلق من كل نضّاح الذفارى بالعرق
إذا رمته الخطْبـاء بالحدَق1

12 ـ التفيهق والتشديق والتقعير والتقعيب:
وهو أن يتكلم بأقصى قعر فهمه، وقد عاب النبي r ذلك في قوله: ((وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)) قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارين والمتشدقين، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون))2.
قال المنذري: “الثرثار بثاءين مثلثتين مفتوحتين وتكرير الراء هو الكثير الكلام تكلفًا، والمتشدق هو المتكلم بملء شدقيه تفاصحًا وتعاظمًا واستعلاءً على غيره، وهو معنى المتفيهق أيضًا”.
وقال أصحاب البلاغة والخطابة وأهل البيان وحب التبيين: إنما عاب النبي r المتشادقين والثرثارين والذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، والأعرابي المتشادق، وهو الذي يصنع بفكيه وبشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب والذم له ألزم3.

  • تتبع الغريب والوحشي:
    وتجدر الإشارة هنا إلى أن من العيوب التي يقع فيها بعض الخطباء تتبع الغريب والوحشي من الألفاظ، فإن هذا مناف للمقصود من الخطبة فإن مدار أمر الخطابة على البيان والتبيين وعلى الإفهام والتفهيم فكلما كان اللسان أبين كان أحمد، والوحشي من الكلام يناسب الوحشي من الناس، ولا يعني هذا أن يستعمل الهجين العامي، والساقط السوقي، وإنما يستعمل ما يوصل إلى المطلوب، ويختار للمعاني الجليلة الألفاظ النبيلة.

13 ـ الجفاء والغلظة والقسوة على المخاطبين:
وذلك بتوجيه الألفاظ النابية وأصناف الشتائم وألوان السباب إليهم وتنزيل نصوص الوعيد عليهم، واحتقارهم والتكبر والتعالي عليهم، وجرح مشاعرهم، من ذلك مثلاً أن يقول: “إن أبناءكم
البيان والتبيين (1/133).
2 رواه الترمذي [2087] من حديث جابر وقال:”حديث حسن غريب” وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3/102) [2897].
3 البيان والتبيين (1/271).
قد بلغوا منتهى سوء التربية والخلق وإن أزواجكم قد خرجن عن حدود الأدب…” وكان ينبغي له إذا اضطر إلى مثل هذا الكلام أن يدخل نفسه في جماعتهم، وأن يشعرهم بأنه فرد من أفرادهم، فيقول: “إن أبناءنا… وإن نساءنا”.
ومن مساوئ هذه الآفة أن يمقت الناس الخطيب فلا يُصغُون إلى كلامه ولا يستفيدون من وعظه، بالإضافة إلى ما يلزم من ذلك من تزكية الخطيب لنفسه وإعجابه بها، واغتراره وكبره.
ولتجنب ذلك ينبغي للخطيب أن يكون حكيمًا، وأن يستعمل التواضع والتودد والرفق واللين، وأن يشعر المخاطبين بأنه يريد نفعهم، وأنه حريص على نجاتهم في الدنيا والآخرة، قال الحافظ ابن حجر:
“من آداب الخطيب في حال وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التواضع لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه”1.

14 ـ عدم الاعتناء بالهيئة:
وهذا خلاف السنة فإذا كان من السنة لعموم الناس يوم الجمعة أن يغتسلوا وأن يستنّوا وأن يتطيبّوا وأن يلبسوا من جميل الثياب، فكيف بالخطيب الذي ترمقه الأبصار وتتجه إليه الأنظار؟!
وإن الخطيب إذا ابتذل في مظهره احتقره الناس، وربما أهانوه، وصُرفوا عن الاشتغال بالإنصات إليه إلى الاشتغال بالنظر إلى هيئته.
وكما أن الابتذال في الهيئة عيب ومذموم فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك وأن لا يخرج عن المعروف المألوف.

15 ـ الصوت النمطي المطرد على وتيرة واحدة:
وذلك كأن يستوي عنده الاستفهام والتعجب والإنكار والإخبار والأمر وغير ذلك، ويستوي عنده أيضًا مقام الغضب ومقام الرضا، ومقام الفرح ومقام الحزن، ومن أسباب هذا العيب عدم تفاعله مع الموضوع أو عدم استيعابه له.
ومن أضراره أنه يصعب بسببه فهم كلامه، ويبعث الملل في نفوس السامعين ويقذف فيهم النعاس، وتشرد أذهانهم لأنه ليس في طريقة الإلقاء ما يشدهم ويلفت انتباههم.

16 ـ مناقضة لسانه لحاله:
وهذا من أعظم العيوب وأخطرها، وأشدها ضررًا على الخطيب وعلى الدعوة، وما أكثر الآيات والأحاديث التي تذم الذي يقول ما لا يفعل، وتبين ما له من الوعيد يوم القيامة.
ثم إن ضررها على الدعوة محقق لأن الناس ينظرون إلى الأفعال أكثر من نظرهم إلى الأقـوال فإذا وجدوا تنافرًا بينهما كان ذلك فتنة لهم.

فتح الباري (2/217) كتاب الكسوف الباب الثاني.

17 ـ النحنحة والسعلة:
وهذه الآفة تكون عيبًا إذا تكرر صدورها من الخطيب؛ بحيث تقطع كلامه، وتقلل الفائدة من خطبته، وقد ذموا ذلك فأنشد سحيم بن حفص وقال:
نعـوذ بالله من الإهمـال ومن كلال الغرب في المقال
ومن الخطيـب دائم السعال1

 

الثاني: عيوب في الخطبة:
وهي عيوب تكون في معنى الخطبة أو مبناها، ومنها:
1 ـ خلوّها من التشهد والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
قال صلى الله عليه وسلم: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء))2، أي كاليد المقطوعة أو المصابة بالجذام.
قال المناوي ـ نقلاً عن ابن العربي ـ : “أراد بالتشهد هنا الشهادتين، من إطلاق الجزء على الكل كما في التحيات”، ثم نقل عن القاضي قوله: “أصل التشهد الإتيان بكلمة الشهادة، وسمي التشهد تشهدًا لتضمنه إياهما ثم اتسع فيه فاستعمل في الثناء على الله تعالى والحمد له”3.
وقد كانت العرب تذم الخطبة إذا لم يكن في أولها حمد لله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خطب الفضل بن عيسى الرقاشي إلى قوم من بني تميم، فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال: “توسلْتَ برحمة، وأدليت بحق، واستندت إلى خير، ودعوت إلى سنة، ففرضك مقبول، وما سألتَ مبذول، وحاجتك مقضية إن شاء الله تعالى”، قال الفضل: “لو كان الأعرابي حمد الله في أول كلامه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم لفضحني يومئذ” أي لبلاغته وفصاحته4.
وقد كان خطباء السلف الطيب وأهل البيان من التابعين بإحسان، يسمون الخطبة التي لم تبتدأ بالتحميد وتستفتح بالتمجيد: “البتراء”، ويسمون التي لم توشَّح بالقرآن وتزين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: “الشوهاء”5.
2 ـ الطول الممل والقصر المخل:
البيان والتبيين (1/40).
2 أخرجه أبو داود [4841]، والترمذي [1106] من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: ” هذا حديث حسن صحيح غريب”. ورمز السيوطي لصحته، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة [169].
3 فيض القدير (5/18).
4 البيان والتبيين (4/73).
5 البيان والتبيين (2/6).

إن المقصود من الخطبة هو إفهام المخاطبين وإقناعهم بمضمون الكلام الموجه إليهم، فكل ما يحول دون ذلك عيب يجب اجتنابه، وأعظم ذلك الإطالة التي هي أدعى لسقطات اللسان، وتبعث الملل والسآمة في الإنسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا))1.
وقوله: ((مئنة من فقهه)) أي علامة على فقهه ودليل عليه.
قال بعض الأدباء: “للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعتَ الحكماء يعيبونه”2.
لكن ينبغي للخطيب وهو يراعي مجانبة هذا العيب أن يجانب أيضًا الوقوع في ضدّه وهو القِصر المخلّ، وخير الأمور الوسط، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: “كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا”3.
ويندُّ عن الذم ما يقتضيه الحال والمقام من طول أو قصر، ومما مدحوا به الطول والإيجاز إذا وقعا موقعهما قول داود بن حريز الإيادي:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحيَ الملاحظ خيفة الرقباء4
3 ـ خلوها من نصوص الكتاب والسنة:
وقد عد بعض الفقهاء من أركان الخطبة ذكر آية من كتاب الله تعالى، فلا يحسن بالخطيب أن يخلي خطبته من القرآن الكريم، وكذا من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار، والرقة وسلس الموقع.
وقد كانت العرب تعيب ذلك فقال بعضهم في خطيب مصقع: “هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن”5.
وكان صلى الله عليه وسلم يعظ في خطبه بالقرآن الكريم، فعن صفوان بن يعلى عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: {ونادوا يا مالك}6، بل ربما قرأ سورة بأكملها، فعن

أخرجه مسلم (2/594) [869] من حديث عمار رضي الله عنه.
2 البيان والتبيين (1/99).
3 أخرجه مسلم (2/590) [866].
4 البيان والتبيين (1/155).
5 انظر البيان والتبيين (1/118).
6 أخرجه مسلم (2/594 ـ 595) [871].

أخت لعمرة قالت: أخذت {ق والقرآن المجيد} من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة1.
4 ـ كثرة الشعر فيها:
وقد يصل الحد ببعض الخطباء إلى أن يُنزل الشعر منزلة الكتاب والسنة، فيستدل به كما يستدل بالكتاب والسنة، بل بعضهم قد لا يستدل إلا به، وهذا عيب كبير وطريق إلى تقرير الباطل إذا كان ذلك الشعر مشتمل على باطل.
قال الجاحظ: “وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر”2.
على أن الاستشهاد بالشعر الذي له وقع في النفس، ويؤيد المعنى الذي نسج له الكلام لا بأس به إذا كان بقدر وناسب المقام، وقد كان بعض خطباء العرب تفعله3.
5 ـ اشتمالها على ألفاظ منكرة شرعًا أو عرفًا:
مثال الألفاظ المنكرة شرعًا أن يقول: “ما شاء الله وشاء فلان”، أو يقول: “من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما”، أو يقسم بغير الله تعالى أو غير ذلك من الألفاظ المنهية4.
عن عدي بن حاتم أن رجلاً خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى))5.
والمراد بالألفاظ المنكرة عرفًا ما اتفقت طباع القوم على استقباحه واستهجانه، فعلى الخطيب أن يتجنبه وأن يعدل عنه إلى بديل يعرفه القوم ولا ينكرونه، وهذا يختلف باختلاف البقاع والأصقاع، فربّ لفظ حسن شريف عند قوم قبيح هجين عند آخرين، وعليه يلزم من أراد أن يخطب في قوم أن يعرف لسانهم وعاداتهم وأعرافهم حتى لا يقع فيما يصدهم عنه ويسقطه في أعينهم.
6 ـ اشتمالها على باطل:
وهذا من أخطر العيوب وأشدها ضررًا على الناس، وبخاصة إذا كان الخطيب مصقعًا مفـوهًا،

أخرجه مسلم (2/ 595) [872].
2 البيان والتبيين (1/118).
3 انظر البيان والتبيين (1/119 ـ 120).
4 انظر كتاب معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ.
5 أخرجه مسلم (2/594) [870].

فيتوصل بحسن كلامه وتنميق عباراته إلى تقرير باطل كعقيدة فاسدة، أو بدعة محدثة، أو معاملة محرمة، أو معصية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
7 ـ اشتمالها على أحاديث ضعيفة أو موضوعة:
وهذا العيب قلّما يسلم منه خطيب في العالم الإسلامي، وذلك لعدم التحرّي والتثبت من صحة الحديث، ويخشى على من وقع في مثل هذا أن يتناوله الوعيد الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين))1، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع))2.
ويشتد هذا العيب ويتفاقم إذا كان موضوع الخطبة كله مبنيًا على حديث ضعيف أو موضوع، كمن يخطب في قصة ثعلبة بن حاطب ويستخرج منها العبر والعظات، وهي غير ثابتة، أو يخطب في قصة الغرانيق وهي أيضًا لا تثبت.
8 ـ طغيان الأسلوب العلمي على الأسلوب الأدبي:
من مظاهر هذا العيب أن يستعمل الخطيب مصطلحات علمية دقيقة لا يدركها عامة الناس.
ومن مظاهره أيضًا التوسع في تخريج الأحاديث وعزوها والكلام على طرقها وعللها.
ومن مظاهره أيضًا خلو الخطبة من الأساليب الإنشائية كالأمر والنهي والاستفهام والتعجب والدعاء وغير ذلك، مما يخرجها من حد الخطابة إلى حد المقالة.
9 ـ عدم إيفاء الموضوع حقه:
وذلك بأن لا يتناول جميع عناصره، أو أن يستطرد ويفرع حتى يخرج عن الموضوع الذي يخطب من أجله، أو أن يشتت الموضوع ويبعثر الأفكار ولا يربط بينها.
10 ـ خلوها من الإرشاد والتوجيه الفوري:
وذلك بأن يغض الطرف عمن يتخطى رقاب الناس، فلا ينهاه عن ذلك، ويسكت عمن جلس دون أن يركع ركعتين فلا يأمره بهما، ويحصل بين يديه منكر فلا ينهى عنه.
11 ـ اشتمالها على ألفاظ ثابتة لا تتغير، يفتتح بها ويختم بها وكأنها سنة ماضية:
وذلك كقولهم: “أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم…”، وقولهم: “بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…”, وقولهم: “فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له…” وغيرها من العبارات التي يلتزم بها بعض الخطباء كأنها ركن من أركان الخطبة، وواجب من واجباتها.

أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما.
2 أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

12 ـ غلبة الترخيص عليها:
قال الحافظ ابن حجر: “من آداب الخطبة ترجيح التخويف فيها على التوسع في الترخيص لما في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جبلت عليه من الشهوة، والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها”1

 

ثالثًا: عيوب نسبية:
قد يكون الخطيب مصقعًا متوفرًا فيه جميع شروط الخطابة وخاليًا من العيوب، وتكون خطبته بالغة الغاية في الجودة مبنى ومعنى، ولكن خطبته لا تناسب المكان الذي هو فيه، أو الزمان الذي هو فيه، أو الناس الذين يخطب فيهم، هذا ما نعني بالعيوب النسبية.
1 ـ عدم مناسبة الخطبة للمخاطبين:
وسبب هذا العيب في الغالب هو الجهل بواقع المخاطبين وأحوالهم ومستوياتهم وأعرافهم، فلا يراعي في خطبته المستوى العلمي واللغوي لدى المخاطبين، فيتناول موضوعا يفوق أفهامهم، ويستعمل ألفاظًا لا يدركها أكثرهم، ولتحاشي هذه الآفة على الخطيب أن ينوع في استعمال المرادفات حتى يقع على اللفظ الذي يفهمه السامع ويصل به إلى المعنى الذي يريد أن يبلغه.
وعن بعض الأدباء: “وليس يشرف المعنى بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتصنع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة من الخطاب، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. فمن تمكن من البلاغة في البيان على أن يفهم العامة معاني الخاصة، ويكسو الخطبة بالألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء فهو البليغ التام والخطيب المصقع”2.
وقال بشر بن المعتمر: “ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”3.
2 ـ عدم مناسبة الخطبة للمكان:
وذلك كأن يتناول في قلب الصحراء موضوع المنكرات التي تحصل في شواطئ البحار، أو يتكلم عن أحكام زكاة الزروع والضروع في مكان ليس فيه زرع ولا ضرع، أو غير ذلك، فعـلى

فتح الباري (2/618).
2 مستفاد من العقد الفريد (4/55 ـ 56).
3 البيان والتبيين (1/138 ـ 139).

الخطيب أن يراعي المكان الذي هو فيه، وأن تكون خطبته مواتية للظرف الذي يخطب فيه.
3 ـ عدم مناسبة الخطبة للزمان:
وذلك كأن يتبيِّن فضل الجهاد وبعض أحكامه في زمان فتنة، أو يتكلم عن فضل العشر الأواخر من رمضان في أشهر الحج، أو يتناول فضل الحج في شهر رمضان، أو غير ذلك من نظائرها مما يقع فيه الخطباء كعدم مراعاة الأحداث، والمناسبات الشرعية ذات الشأن.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات