طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح في ضوء القرآن الكريم

ملتقى الخطباء

(70)
6731

منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح في ضوء القرآن الكريم

1441/07/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

السيد طه أحمد

 

الحمد لله رب العالمين. أمر بالإصلاح وأثنى على المصلحين، ونهى عن الفساد وذم المفسدين.. فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾ [النحل: 90].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. جعل نشر الصلاح والإصلاح، ومقاومة الفساد والإفساد سببًا في دفع العقوبات، وحلول البركات فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود: 117].

 

وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ساومته قريش على أن يترك مهمة الإصلاح التي بعثه الله تعالى لأجلها، وأغروه بأعلى الجاه، وأوفر المال، فما قبل مساومتهم، ولم يخضع لتهديداتهم، ومضى في إصلاحه حتى أظهره الله تعالى عليهم، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم (يا عمّ والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته).

فاللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين…

 

أما بعد. فيا أيها المؤمنون.

 

فإن من سنن الله تعالى في البشر أن أوجد فيهم المصلحين والمفسدين، وجعل الصراع بين الفريقين إلى آخر الزمان، وحين أخبر الله تعالى أنه مستخلف بشرًا في الأرض خاف الملائكة من فساد البشر.. فقال تعالى ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ [البقرة: 30]، فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، وما يعلمه سبحانه وتعالى أن سعي المصلحين بالصلاح في الأرض فيه من المصالح ما يربو على فساد المفسدين، ويكفي المصلحين شرفًا وعزًّا أن الله تعالى نوّه بهم في أول خطابات خلق البشر، كما تدل هذه الآية على أهمية الإصلاح في الأرض، وأن كثرة المصلحين خير للبشرية كما أن وجود المفسدين شؤم عليها.

 

وتتابعت شرائع النبيين عليهم السلام تسعى بكل أنواع الإصلاح، وتحارب الفساد في كل مجالاته فقال تعال: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56].

 

واجتمعت كلمة أنبياء الله تعالى عليهم السلام لأقوامهم على قولهم كما قال تعالى ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [البقرة: 60]، ولأهمية الإصلاح في الأرض كان موضوعنا ( منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح في ضوء القرآن الكريم) وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية:

 

1 – تعريف الصلاح والإصلاح و العلاقة بينهما.

2 – منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح.

3 – أهم صفات المصلحين.

4 – الإصلاح مهمة الجميع.

5 – آثار الإصلاح في الأرض.

6 – عاقبة ترك الإصلاح.

 

العنصر الأول: تعريف الصلاح: –

الصلاح مختص في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القران تارة بالفساد وتارة بالسيئة، قال تعالى ﴿ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾ [التوبة: 102]، وقال أيضا ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56].

 

والصلاح هنا يراد به أن يكون الإنسان صالحاً في ذاته، قد بدأ بنفسه فطهرها وهذبها وأقامها على الصراط فأصبحت نفساً طيبة صالحة.

 

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: ( فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ).

 

تعريف الإصلاح:

يقول الإمام الغزالي رحمه الله بعدما وضّح واجب المسلم تجاه نفسه بتهذيبها، شرع في بيان معنى الإصلاح فقال: ( ثم يعلم ذلك أي الذي قام بتهذيب نفسه وصلاحه ثم أهل بيته و يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل السواد المكثف، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم)، وبتوافر عنصري الصلاح في النفس والإصلاح للنفس يتحقق للإنسان اكتمال فضيلة أخلاقية قرآنية ذات شقتين، يكمل احدهما الأخرى وهي (الصلاح والإصلاح ).

 

والعلاقة بين الصلاح والإصلاح أكيدة ولا ينفكان عن بعضهما البعض، وإلاّ فما الفائدة من الصالحين؟

 

فالإصلاح قوام بقاء المجتمع وخيريته، لكن لا تنفك علاقته عن الصلاح، فلا صلاح بدون إصلاح، ولا إصلاح بدون صلاح، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]

 

وقد ورد في الأثر رَوى سُفيان بن عيينة عن سُفيان بن سعيد عن مِسْعَر قال: بَلَغَنِي أنَّ مَلَكًا أُمِر أن يَخْسِف بِقَرْيَة، فقال: يا رَبّ فيها فُلان العَابِد، فأوْحَى الله تعالى إليه أن بِـه فَابْـدَأ، فإنه لَم يَتَمَعَّر وَجْهُه فيَّ سَاعَة قَط.

 

 

 

وقال مالك بن دينار: إن الله عز وجل أمَرَ بِقَرْيَة أن تُعَذَّب، فَضَجَّتِ الْمَلائكَة، قالت: إنَّ فِيهم عَبدك فُلانا. قال: أسْمِعُونِي ضَجِيجَه، فإنَّ وَجْهَه لَم يَتَمَعَّر غَضَبًا لِمَحَارِمِي ) (هو صالح في نفسه لكنه ليس مصلحا).

 

فان الأمم المنتصرة على أعدائها، أمم حققت نصراً داخلياً أولاً، وحقق كل واحد من أبنائها نصراً على الصعيد الشخصي من خلال تغييره ما في نفسه.

 

إن الاهتمام بإصلاح الدنيا من شيمة المؤمن: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105]

 

ومهمة الصالحين هي العناية بالأرض والعمل على استقامة الحياة البشرية وأن يكون زمامها بيد الصالحين المصلحين، وكما يكونون ورثة ( الفردوس ) في الآخرة، لابد وأن يكونوا ورثة الأرض، فهل من الممكن أن يكونوا وارثين مكفوفي الأيدي؟. لا طبعا.

 

والصلاح والإصلاح: ضد الفساد ونقيضه، وهي مصطلحات شرعية ربانيَّة، أوْرَدَها الله تعالى في كتابه المحكَم العزيز، وجاءتْ في القرآن على نحو كبيرٍ يربو على السبعين بعد المائة من آيات القرآن.. فعلى سبيل المثال لا الحصر.

 

قال تعالى: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: 39].

 

ويقول تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 146].

 

ويقول تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 119]

 

وقال تعالى في النهي عن الفساد في الأرض قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11].

 

وقال تعالى في الإصلاح بين المتخاصمين أو المتنازعين في الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ [النساء: 35]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128].

وقال تعالى أيضًا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات: 9].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10].

وقال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114].

 

وواقع المسلمين اليوم يُنبئ عن وجود حاجةٍ وضرورة ماسَّة وملحَّة إلى الإصلاح الشامل،  حيث تتجاذب الاتجاهات والأفكار، وغيرها إلى ميدان الإصلاح، وكل اتجاه يحسب أنه المصلح لهذه الأمة حتي تاهت الأمة، وضاعت معالمها، ولكي نصلح من حال أمتنا لابد من التعرف على منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح في ضوء القرآن الكريم.

 

 

 

العنصر الثاني: منهج الأنبياء والرسل – عليهم السلام – في الإصلاح يتمثل: –

وإذا أردنا النهوض بأمتنا إلى بر الأمان وإنقاذها مما هي فيه من الهوان فعلينا أن نستوعب منهج الأنبياء والرسل في الإصلاح، وكيف دعوا أقوامهم إلى الفلاح بعد أن كانوا مختلفين وعن الحقيقة متفرقين، كما قال الله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ [البقرة: 213] (.أي كانوا أمة واحدة فاختلفوا؛ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (قال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).

 

وقال تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165].

 

لذا كان منهج الأنبياء يتثمل في المحاور الآتية: –

 

أولاً: تحقيق التوحيد الخالص: لكي يتحقق وعد الله بالاستخلاف في الأرض، والتمكين ونشر الأمن بعد الخوف، لابد من تحقيق التوحيد الخالص، كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]

 

ولقد بعث الله الأنبياء لمهمة واحدة، هي عبادة الله وحده لا شريك له كما جاء في كتاب الله تعالى:

1 – نوح عليه الصلاة والسلام ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 59]

 

2 – هود عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65].

 

3 – صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 73].

 

4 – إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 16].

 

5 – شعيب عليه الصلاة والسلام ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [الأعراف: 85].

 

6 – موسى عليه الصلاة والسلام ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [طه: 98].

 

7 – عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران: 51]

 

8 – محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت: 6] ويجب على المسلم أن يفرق بين توحيد الأنبياء وتوحيد المشركين. فالتوحيد الذي جاء به الأنبياء هو توحيد الألوهية، وهو: توحيد الله بأفعال العباد. وأفعال العباد هي: الدعاء والركوع والسجود والذبح والنذر والاستغاثة والاستعانة.

 

فلا ندعو إلا الله، ولا نركع إلا لله، ولا نسجد إلا لله، ولا نذبح إلا لله، ولا نستغيث إلا بالله، ولا نستعين إلا بالله، فمن حقق هذا التوحيد فقد حقق التوحيد الذي جاء به الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام -، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]

 

وأما التوحيد الذي آمن به المشركون ولم يُدخلهم في الإسلام فهو توحيد الربوبية، أي: توحيد الله بأفعاله. وأفعال الله هي: الخلق والرزق وتدبير الأمور والإحياء والإماتة. وهذا التوحيد لا يدخل به المرء في الإسلام، ولا ينفعه يوم القيامة، إلا إذا آمن بتوحيد الأنبياء؛ لأن مشركي العرب كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 31]

 

ثانياً: إصلاح الأوضاع الفاسدة: –

يتمثل إصلاح الأوضاع القائمة في مرحلتين مستقلتين عن بعضهما:

 

المرحلة الأولى: الإصلاح قبل التمكين:

بعد أن دعا أنبياء الله إلى التوحيد الخالص قاموا بإصلاح ما أفسده الناس في جميع شؤون الحياة، ومن تلك الإصلاحات:

 

إصلاح الوضع السياسي:

لقد تمكن فرعون وملؤه من صد الناس عن عبادة الله بالهيمنة على الوضع السياسي القائم، إذ أجبروا مجموعة من الشبان على تعلم السحر؛ ليفرضوا سيطرتهم على المجتمع ويصدوهم عن عبادة الله تعالى. قال ابن عباس رضي الله عنه (أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يُعلَّّموا السحر، وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض)، فبعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى وحدانية الله، وأبطل ما كانوا عليه من السحر بالمناظرة التي انتهت بإيمان السحرة، ويتبين ذلك من قول أولئك السحرة لما آمنوا بالله تعالى إذ لم يرهبهم التهديد والوعيد، قال تعالى: ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 73]

 

فالإصلاح السياسي لابد أن يبدأ من الحاكم بإقامة دين الله وتحري العدل وأن الدعائم التي تقوم عليها الدولة هي: الشورى، والعدالة، والمساواة، ووجود القوة والهيبة للدولة، مع الاهتمام ببطانة الحاكم وموظفيه. فقام الأنبياء بإصلاح هذه الأشياء.

 

إصلاح الوضع الاقتصادي:

استطاع الملأ من أهل مدين أن يصدوا الناس عن عبادة الله وحده بالسيطرة على الوضع الاقتصادي من خلال تطفيف الكيل والميزان، فبعث الله إليهم شعيباً عليه الصلاة والسلام فدعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، ثم أبطل ما كانوا عليه من الظلم في تطفيف الكيل، وبخس الناس أشياءهم والإفساد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 85]

 

وقال عليه الصلاة والسلام بعد أن نهاهم عن التطفيف في الكيل والوزن ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]. أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تنصلح أحوالكم وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي. وقد توعد الله تعالى هؤلاء المطففين بالويل والهلاك فقال تعالى ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 1 – 6].

 

وقام سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في علاج الأزمة الاقتصادية بوضع خطة خمس عشرية كما أخبر القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: 46 – 49].

 

وقد وضع الله تعالى الحوافز الذاتية التي تجعل الإنسان يسعى لتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال المنهج الإسلامي.

 

فهناك حوافز روحية، وذلك من خلال النصوص القرآنية والنبوية التي تحث علي ذلك فيقول الله تعالى ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأحقاف: 19].

ويقول تعالى: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30].

ويقول تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة”. رواه البخاري ومسلم.

 

وفي مجال الحوافز الدنيوية، فقد وردت أحاديث كثيرة، فمثلاً في مجال الأعمال المخصوصة كالزراعة، جاءت أحاديث تجعل العمل الزراعي في الأراضي غير المملوكة سببًا في التملك، وهذا الحافز يتسم مع طبيعة الإنسان المجبولة على حب المال والتملك.

ومن ذلك قول النبي صلى اله عليه وسلم: “من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منه له به صدقة”.رواه الدارمي.

 

إصلاح الوضع الاجتماعي:

كان الصراع الطبقي من الأوضاع الفاسدة في قوم نوح، وكان الملأ يرفضون الاستجابة لدعوة نوح عليه الصلاة والسلام بحجة أن أتباعه من الفقراء والمساكين، كما قال الله حكاية عنهم ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ [هود: 27].

فلما جاء نوح عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى التوحيد، ثم أنكر عليهم فعلهم ﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [هود: 29] وأما الملأ من قومي عاد وثمود فقد استخدموا البنايات العظيمة ليصدوا الناس عن عبادة الله، فلما أرسل الله هوداً عليه الصلاة والسلام – إلى عاد دعاهم إلى التوحيد، ثم قال لهم: ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ [الشعراء: 128].

 

وكذلك ما قام به صالح عليه الصلاة والسلام من دعوة قومه إلى التوحيد، ثم قال لهم ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ [الشعراء: 149].

 

وقال أيضا والحسرة في قلبه على قومه: ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 79]. أي أنه: أبان عن نفسه أنه لم يأل جهداً في إبلاغهم الرسالة ومحض النصح.

 

وأما قوم لوط فقد ارتكبوا جريمة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، فلما جاءهم لوط عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى التوحيد، ثم أنكر عليهم فعلهم الشنيع ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: 55]. والإصلاح في المجتمعات لا يعنى تغيير الجبال والبيوت والأشجار إلى لون غير الأول، ولا تغيير الأوجه والمناظر ولا نقل الأودية، وهكذا لا يعني التغيير في أعضاء الإنسان بالزيادة فيها أوالنقصان، لكن يعنى تغيير الشعور الداخلي في نفس الإنسان وتزويده بالمكارم والفضائل ليصبح عنصراً ولبنة ذي دور في المجتمع.

 

والإصلاح الاجتماعي مرهون بإدراك كل فرد حقوقه وواجباته، فالمجتمع كله مسئول عنه، فإذا أدّى إلى خصومة أو نزاع بين أفراد المجتمع فلابد أن يتدخل كل بقدر طاقته، نستطيع أن نشبّه الأمراض الاجتماعية بالحريق، لكن حريق لا يدمر البنيان والحجارة ولا يهدم الجبال الرواسي، ولا يقطع منابع الماء ولكن يأكل القلوب والضمائر ويهدم كل معاني الألفة والمحبة والخير في الصدور، فعلى المجتمع أن يقوم لإخماد أي نزاع ولو كان ذلك بين زوج وزوجته، قال تعالى ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: 35].

 

إذا كان المجتمع يطالب بالإصلاح في نزاع وقع في أسرة فكيف بنزاع أكبر فيه هدم الأسر قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات: 9]

 

المرحلة الثانية: الإصلاح بعد التمكين:

في هذه المرحلة يغلب العدل مع الناس في تحقيق مصالحهم ولا يتحقق إلا بنصر الله تعالى في الأرض كي ينال المصلحون موعود الله بالاستمرار في النصر كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41].

 

في هاتين الآيتين أقسم الله سبحانه وتعالى أنه سينصر، من نصره ثم أكد النصر بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، ويتحقق التمكين والاستمرار في النصر بالشروط الأربعة:

 

1 – إقامة الصلاة أي: إقامة شروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها والحرص على سننها والمحافظة على الجمعة والجماعات وعدم التساهل في ذلك. واستتابة تارك الصلاة حتى يلتزم بأدائها فإن التزم بذلك وإلا قتل.

2 – إيتاء الزكاة أي: دفع الزكاة لمستحقيها بطيب نفس حتى لو تطلب الأمر أخذها بالقوة من الأغنياء، وردها إلى الفقراء، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

3 – الأمر بالمعروف أي: تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

4 – النهي عن المنكر أي: كل ما نهى الله عنه من المنكرات في العقيدة والشريعة والأخلاق.

 

العنصر الثالث: صفات المصلحين في القرآن:ــ

إن القرآن الكريم ملئ بالنماذج الحيّة التي تمثل أنموذج الشخصية الإصلاحية من الأنبياء والمصلحين الذين جعلهم القران بمثابة مؤسسة علمية كبيرة تعطي الضوء على كل ما يحتاجه المصلح في ميدان إصلاحه، كل في ميدانه، ومن خلال السماع إلى قصص المصلحين في القرآن الكريم ندرك أهمية هذه الصفات ونتطلع على جملة صفات، وهذه الصفات شروط في تحقيق الإصلاح العام، لمن أراده، ومن أهم هذه الصفات: –

 

1 – وضوح النيّة والوجهة: –

لقد أخبر الله تعالى عن حال الأنبياء والرسل في كتابه الكريم مع أقوامهم كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 109].

وقال تعالى: ﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأعراف: 59].

 

فكانت نياتهم في تغيير الواقع لله تعالى فقط، وكل يعقب على نيته بلسانه الخاص، كما قال تعالى ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

لذا وقع أجرهم على الله قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [الأعراف: 170].

 

2 – التوكل والثقة والصبر واليقين، والقدوة: –

فهذه مقومات لبناء النفس والأمم، ولم يأت نبي ولا مصلح إلاّ زود بهذه المقومات لأداء رسالته الإصلاحية، فإذا لم يتحلى المصلح بهذه العناصر فليس بإمكانه أن يجتاز أي مرحلة من مراحل الإصلاح، فلسان كل مصلح في القرآن ( وما توفيقي إلا بالله فهو القادر على إنجاح مسعاي). قال تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88].

ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً).

 

وجاء في وصف المصلحين أنهم غرباء يستغرب الناس فهمهم للإسلام، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {“إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء، قال: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس”} رواه الطبراني في مجمعه الأوسط.

 

3 – علو الهمة مع اللطف والألفة: –

من أبرز خصائص الشخص المؤثر الجذاب، علو الهمة مع اللطف والخلق الرفيع، ولاشك أن الشخص السيئ الخلق فرد منفرد إلى أبعد الحدود، وليس من سمات الصالحين فضلاً عن أن يكونوا مصلحين، ومن هنا فقد أكدت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أهمية الالتزام بالسلوك الجذاب المؤلِف، وعلى تجنب السلوك والتصرف المنفِّر، فجاء هذا التحذير الواضح قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34].

 

العنصر الرابع: الإصلاح مهمة كل مسلم: –

إن مهمة الإصلاح ليست مهمة الأنبياء والرسل والدعاة فقط بل مهمة كل مسلم غيور على دينه ووطنه، فأهل الفساد يبذلون ليل نهار من مال ووقت وجهد للنيل من الإسلام والمسلمين، فحري بأهل الصلاح أن يبذلوا ما في وسعهم من طاقة، لإصلاح ما أفسده الآخرون والأمر لا يحتاج شهادات ولا بلاغة في القول ولا فصاحة في اللسان، وإنما يحتاج إلي غيره وإيمان، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، فهذا رجل كان يعمل نجار ولكنه استشعر المسئولية أمام الله تعالى وهو حبيب النجار في قرية إنطاكية حينما أرسل الله تعالى لها رسولين فكذبوهما فعززنا بثالث وكذبت القرية الرسل الثلاثة ولكنه لم يقف ويقول ماذا أفعل بعد الرسل ليس من شأني، لا يقل هذا الكلام ولكنه جاء من أقصي المدينة يقوم بإصلاح قريته كما قال تعالى في سورة يس: ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس: 20 – 27].

 

العنصر الخامس: آثار الصلاح والإصلاح على الفرد والمجتمع الصلاح والإصلاح:

هما الحصن الحصين لبقاء المجتمع وتقدمه ويعتبران الحياة التي جاهد المصلحون من أجلهما. للصلاح والإصلاح في القرآن الكريم آثار كثيرة نذكر بعضاً منها: –

 

1 – جلب ولاية الله:

ومن آثار الصلاح أيضاً انه يجلب ولاية الله ورعايته لعبده الذي أخذ بين جنبيه نفساً صالحاً قام بتهذيبها، وقامت بدورها التي من أجلها خلقت وحينئذ يجلب الولاية، قال تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ [الأعراف: 196]، وأنها أي المنكرات انتهاك حرمات الله، والله تعالى يغار على حرماته أن يعتدي عليها، ومن شأن المؤمن الصالح أن يكون ولياً لله، يحب ما يحب الله ويبغض ما يبغض الله، ومعنى هذا أن من رأى حرمات الله تنتهك ولم يكن له غيرة تنزع به إلى الحفاظ عليها، وحمايتها من عدوان المعتدين واقتراف المقترفين، لم يكن ولياً لله ولا واقعاً موقع رضاه.

 

2 – صمام أمان للبشرية في الدنيا والآخرة: –

الإصلاح صمام أمان للبشرية في الدنيا والآخرة، قال تعالى في تأمين المصلحين من الفزع يوم القيامة ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأنعام: 48].

 

 

 

وقال تعالى في تأمين المصلحين من الهلاك في الدنيا ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [هود: 117] وعن النعمان بن بشيررضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا (رواه البخاري.

 

3 – جلب المغفرة والرحمة:

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 129].

 

العنصر السادس: عاقبة ترك الإصلاح: –

1 – تعميم العذاب في الدنيا: –

إذا تركت الأمة طريق الإصلاح واتصفت بالسلبية واللامبالاة عمها الله بالعذاب والعقاب: – قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25]، أي اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح، الطالح لفساده وظلمه والصالح لسكوته عن المنكرات، لأن السكوت عن الفساد يؤدي إلي عموم المفسدة وكثرة الخبث فيكون الهلاك للجميع، فروى البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استيقظَ يومًا من نومه فزِعًا وهو يقول: “لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا (وحلَّق بين أصبعيه السبابة والإبهام)”. فقالت له زينب رضي الله عنها: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَث”

 

 

(فساد في كل مجالات الحياة… الديني، الاجتماعي، الأخلاقي، السياسي، الاقتصادي، الصحي، الإعلامي).

 

فكيف يكثُرُ الخَبَث؟!

إنَّ المنكَر إذا أُعلن في مجتمع، ولم يجد مَن يقف في وجهه؛ فإن سوقـه تقوم، وعوده يشتد، وسلطته تَظْهَر، ورواقَه يمتد، ويصبح دليلاً على تمكُّن أهل الفساد وقوَّتـهم، وذريعةً لاقتداء الناس بهم، وتقليدهم إيَّاهم، وما أحرصَ أهلَ الفساد على ذلك!

 

وقد قصَّ الله عزَّ وجلَّ علينا خبر بني إسرائيل حين نهاهم أن يَعْدوا في السَّبت، ولنا في تلك القصة عبرة، قال تعالى ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [الأعراف: 163 – 166].

إذن؛ فقد أنجى الله تعالى الذين ينهَوْن عن السوء فقط، وأما البقيَّة؛ فقد عذَّبهم كلَّهم.

 

هذه سنَّتُه سبحانه في كل أمَّة يحقُّ عليها العذاب.

فإن لم يكن في الأمة من ينهى عن السوء والفساد؛ فلا نجاة لأحد منها، قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾ [هود: 116].

وفي حديث جرير: “ما من رجل يكون في قوم، يعملُ فيهم بالمعاصي، يقدِرون على أن يغيِّروا عليه، فلا يغيِّروا؛ إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا”.

 

 

إنَّ وجود المصلحين في أمَّة هو صمام الأمان لها، وسبب نجاتها من الإهلاك العام، فإن فُقِد هذا الصنف من الناس؛ فإنَّ الأمة – وإن كان فيها صالحون – يحلُّ عليها عذاب الله كلِّها؛ صالحها وفاسدها؛ لأنَّ الفئة الصالحة سكتت عن إنكار الخَبَث، وعطَّلت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاستحقَّت أن تشملها العقوبة.

وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: أنَّه قال: أيها الناس إنَّكم تقرؤون هذه الآية: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنَّ الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه؛ أوشك أن يعمَّهُم الله بعقاب منه”.رواه أبو داود، والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.

 

2 – الذلة والهوان والفقر:

إن الإصلاح أمر من الله، فضياع أمره يجلب الانتقام الإلهي، ولا بارك لأمة أن ينتقم الله منهم، قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه ( لما فتحت قبرص فرّق بين أهلها فبكي بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدر داء جالساً وحده يبكي: فقلت يا أبا الدر داء ما يبكيك في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال ويحك يا جبير: ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى ).

 

3 – عدم استجابة الدعاء:

إن ترك الإصلاح يؤدي إلى تعميم العذاب في الدنيا، والهلاك المعنوي، كالفقر والذلة والهوان، التي تعتبر من موجبات عدم استجابة الدعاء، فعن حذيفة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ). رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.

 

 

 

4 – ضرب القلوب بعضها ببعض:

قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه عن الحق أطراً أو ليضربن الله في قلوب بعضكم ببعض ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). “وضرب القلوب على القلوب المشار إليه في الحديث الشريف إشارة إلى مزجها وخلطها ببعض، بمعنى أن تمتزج القلوب الفاسدة مع القلوب السليمة وهذا من شأنه أن ينقل الفساد والاعتلال إلى القلوب السليمة الصحيحة لا العكس، فإن مخالطة الصحيح للمريض لا يمكن أن تنقل الصحة إلى المريض بل أن المريض هو الذي ينقل المرض إلى الصحيح بالعدوى، يقول الشاعر:

 

ولا تجلس إلى أهل الدنايا فان خلائق السفهاء تعدى ومن هنا كان واجباً على المجتمع المؤمن لكي يحتفظ بوجوده سليماً معافى من آفات العلل النفسية والأسقام الخلقية التي من شأنها لو تمكنت منه أن تدمره، وتأتي عليه كما يأتي الوباء على من ينزل به، نقول إن الواجب على المجتمع المسلم أن يتفقد مواطن المنكر التي وصله من بعض أفراده فيعمل على إجلائها من مواطنه بكل وسيلة ممكنة له، ومن ذلك إشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من شأنه أن يحقق وقاية وعلاجاً معاً “.

 

5 – اللعن والطرد من رحمة الله تعالى: –

اللعن هو الطرد من رحمة الله وتحت كنفه، كما أن رحمة الله تعم ميادين الحياة فإذا رفعها الله فسيحقق آثارها في كل الميادين، أي يأخذ اللعن كل نواحي المجتمع، بدءًا من صلاحية الأفراد وتنتهي بانهيار الحضارات، فلا تبقى لوجودها مقومات، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم ( إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل انه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه في الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما علموا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض )).

 

 

 

وقال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79].

 

ثُمَّ قَالَ: « كَلاَّ، وَاللَّه لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ » رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.

 

أما الحضارة وانهيارها وإصابتها بالطرد من كنف الله، كم امتدت جذورها فانّ من قبلنا عبرة ﴿ وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 89]

 

قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: 74]

 

إنهم كانوا في الحجر وهي بين الشام والحجاز، ونلمح من تذكير صالح لهم أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي كانوا يعيشون فيه، فهو سهل وجبل وقد كانوا يتخذون من السهل القصور وينحتون في الجبال البيوت، فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير.

 

وصالح يذكّرهم باستخلاف الله لهم من بعد عاد، وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة عاد، وإن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضاً، وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض محكمين فيها وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد، واغتراراً بالقوة والتمكين، وأمامهم العبرة ماثلة في عادٍ الغابرين.

 

 

ونتيجة اللعن ورفع الرحمة عن الأمة تأتي تقطيع الأمة إلى أمم شتى، كل واحدة على حدتها وهي المأزق الكبرى التي وقعت الأمة الإسلامية اليوم فيها، كان غضب الله على بني إسرائيل من هذا النوع، قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف: 168]

 

وإن ما وقع ببني إسرائيل تحت غضب الله ولعنته حتى رماهم بالتشريد ومزقهم في الأرض، وحصل ذلك لهم لأنّهم لم ينكروا المنكرات الشائعة فيهم، بل تركوها تتوالد وتتكاثر الجراثيم حتى اغتالت كل صالحة فيهم”.

 

وفي الختام.. إن قضية الإصلاح قضية مصيرية، يترتب عليها احتفاظ الأمة بمسارها الإسلامي ولن ينصلح حال الأمة إلا إذا قام كل فرد بدوره من إصلاح نفسه ومجتمعه، والاعتصام بحبل الله تعالى والبعد عن مواطن الخلاف والزلل. نسأل الله عز وجل أن يعصمنا من الفتن والزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يسخرنا لنصرة دينه وعون عباده، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين. اللهم آمين.

 

تمت بحمد الله وتوفيقه.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات