طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    رمضان شهر القربات والبركات - ملف علمي    ||    ثلاثون مسألة فقهية معاصرة عن الصوم    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الصفات القيادية في الداعية (محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجا)

ملتقى الخطباء

(78)
6706

الصفات القيادية في الداعية (محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجا)

1441/07/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

سلطان بن علي بن ثابت الجرادي

 

مما يتطلبه الواقع المعاصر في العمل الدعوي، وجود الداعية القائد الذي يمتلك عقلًا ذكيًّا، وقلبًا نقيًّا، وخطوةً صائبةً يقود بها الركب، فيهديه ويسدده وينميه ويرشده، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا كاملًا يُحتذى به في جميع المجالات، منها في الدعوة والقيادة، فهو المعلم والمربِّي والناصح والداعي إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة على هدًى وبصيرةٍ من ربِّه.

 

ولقد اتَّسمت حياتُه صلى الله عليه وسلم الدعويةُ بصفات قيادية ناجحة، استطاع من خلالها توحيد الصف، ولمَّ الشمل، وجمْعَ الكلمة، وإقامة الدولة التي بلغ صداها المشرق والمغرب.

 

وكان لقيادته الحكيمة صلى الله عليه وسلم لأُمَّته، نجاحٌ باهرٌ، فقادها إلى ما فيه خيرها وصلاحها في الدنيا والآخرة، وكان وراء ذلك النجاح والتميُّز- بعد توفيق الله وعونه – صفات قيادية وشمائل وأخلاق كريمة أهَّلته صلى الله عليه وسلم لأن يكون مثالًا ونموذًجا كاملًا في القيادة الحكيمة الناجحة القادرة على السير بالأُمَّة إلى تحقيق الأهداف والغايات التي جاءت من أجلها رسالة الإسلام، وفي هذه المقالة سنذكر على عجالة أهم الصفات القيادية المتمثلة في شخصية الداعية القدوة، والمعلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهي على النحو التالي:

 

أولًا: العفو والتسامح:

فالقائد يحتاج إلى هذه الصفة كي ينجح في قيادتِهِ بكسب ولاء وطاعة من يقودهم؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ [آل عمران: 159]، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قائدًا متسامحًا، يعفو عن المسيئين، ويلتمس لهم الأعذار، ويتجاوز عنهم، فشمل عفوه الأعداء فضلًا عن الأصدقاء.

 

ويتجلَّى عفوُه صلى الله عليه وسلم أكثر وبأروع صورِهِ، يوم فتح مكة؛ يوم أنْ دخلها فاتحًا منتصرًا والمشركون لا ملجأ لهم ولا مفرَّ، فتظهر مكارم أخلاقه، وطيب معدنه بقوله لهم كما قال يوسف لإخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، [الأثر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥٣ – ٧٣].

 

ثانيًا: الحزم في الأمور:

على الرغم من سماحته صلى الله عليه وسلم وسهولته، فإنه كان حازمًا في اتِّخاذ الأمور، لا يتراجع في إصدار القرارات وتنفيذها حينما يستدعي الأمر ذلك، ومن ذلك: أمره صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون إرصادًا لمن يحارب الله ورسوله؛ [انظر: تفسير القرآن العظيم، ج4، ص 214- 210].

 

ومن مواقف الحزم له صلى الله عليه وسلم: أمره بقطع يد المرأة المخزومية التي سرقت، وعدم تراجُعه في تنفيذ الحدِّ عليها، وقام خطيبًا في قريش بشأنها يقول: ((وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))؛ [متفق عليه].

 

ثالثًا: أخذ الرأي والمشورة:

من صفاته صلى الله عليه وسلم القيادية أنه كان كثيرًا ما يستشير أصحابه في الأمور المهمة، فيأخذ بالرأي السديد، والمنطق الرشيد فيما لا وحي فيه من الكتاب والسنة؛ تعويدًا لهم على التفكير بالمشاكل العامة، وحرصًا على تربيتهم على الشعور بالمسؤولية، ورغبة في تطبيق الأمر الإلهي بالشورى، وتعويد الأمة على ممارستها.

 

 

ومن ذلك: مشورته صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في أسرى بدر، وأخذه بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه يوم الأحزاب بحفر الخندق، وبمشورة الحباب بن المنذر في بدر بالنزول في المكان المناسب …إلخ.

 

رابعًا: تأليف القلوب وإزالة الشحناء من النفوس:

القائد الناجح يحتاج إلى هذه الصفة لتوحيد الصف، وجمع الكلمة، وزيادة الأُلْفة والمحبَّة، وله صلى الله عليه وسلم العديد من المواقف في ذلك منها: ما قام به عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة في حدث المؤاخاة الشهير بين المهاجرين والأنصار، كما أن من سياسته صلى الله عليه وسلم الحكيمة أنه كان يستميل قلوب الناس الذين أسلموا حديثًا من أهل مكة بدفع الغنائم والأموال لهم تارة، وبالكلمة الطيبة وثنائه عليهم تارة أخرى، فكان يسلك هذا المسلك فيؤثِر حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال، وقد كان يعطي أشراف قريش وغيرهم من المؤلَّفة قلوبهم؛ لتلافي أحقادهم، ولتحبيبهم إلى الإسلام؛ وذلك لأن الهدايا تجمع القلوب، وتُؤلِّف بينها ((تهادُوا تحابُّوا))؛ [رواه البخاري في الأدب المفرد ٥٩٤، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم: ٣٠٠٤].

 

خامسًا: توزيع المهمات والأدوار:

من صفات القائد الناجح أنه يُوظِّف المهمات والأدوار فيمن يقودهم كل حسب طاقته، وميوله، وكفاءته، فإن من الحقائق المتفق عليها في القيادة: أن معظم الناس لا ينالون النجاح إلا من خلال مساعدة الآخرين لهم؛ [فن القيادة ص٣].

 

وللنبي صلى الله عليه وسلم المثل الأسمى في العمل بهذه الصفة، فقد كان على معرفة تامَّة بقُدرات أصحابه، فيعلم ما يتناسب معهم، وما يميلون إليه، ومن ذلك إرساله صلى الله عليه وسلم بعضًا من أصحابه؛ ليكونوا سفراءَ خيرٍ ودُعاةً إلى الله تعالى؛ كمصعب بن عمير، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وكاختياره صلى الله عليه وسلم بعضًا آخر منهم لبعض مهماته من سفر وجهاد وتعليم وغيره، ومن ذلك قوله: ((أفرضكم زيد))؛ [رواه الترمذي، وحسَّنه ابن حجر بشواهده في الإصابة، ج١، ص٥٦١]، وقوله: ((أعلمكم بالحلال والحرام: معاذ بن جبل، وأقرأكم لكتاب الله: أُبيُّ بن كعب، وأمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح))؛ [صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم ٢٢٣ /٢٢٤]، وكجعل أبي بكر وعمر وزراءً له، وحذيفة بن اليمان صاحب سرِّه، وخالد بن الوليد سيفًا من سيوف الله المسلولة على الأعداء في المعارك والغزوات، وبعضًا منهم في مجال التجارة، وآخرين في مجال الزراعة، وبعضًا في مجال الطب …إلخ.

 

فتوزيع القائد مثل هذه الأدوار والوظائف فيمن يقودهم كلٌّ حسب قدرته وكفاءته يَخلُق مجتمعًا متكاملًا قويًّا متماسكًا يعجز الأعداء عن كسر شوكته.

 

سادسًا: الاعتناء بالرجال وتقديرهم:

من الصفات القيادية الناجحة: اعتناء القائد برجاله والاهتمام بهم وتقديره لهم، فقد كان صلى الله عليه وسلم مُحبًّا لأصحابه، معتنيًا بهم، مدافعًا عنهم، وصولًا لهم، رحيمًا بهم، ومن ذلك قوله: ((لا تسبُّوا أصحابي))؛ [رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم ٣٨٦١]، وقوله: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))؛ [رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم ٥٤٥]، وقوله: ((أحسنوا إلى أصحابي))؛ [رواه ابنُ حِبَّان، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم ٤٣٠ /٧٩٢]، وقوله: ((دعوا لي أصحابي))؛ [رواه أحمد، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع برقم  ٣٣٨٦]، ومنها تبشيره لبعضهم بالجنة، ومواساته لهم، وتفقُّده إيَّاهم، وتعليمه لهم الآداب والأخلاق الحسنة…إلخ.

 

أخيرًا: ترتيب الأولويات:

من الصفات القيادية التي يحتاج إليها القائد الداعية هو فقه ترتيب الأولويَّات وتقديم الأهم فالأهم والمقصود به: وضع كل شيء في مرتبته بالعدل من الأحكام والقيم والأعمال، فيقدم الأول فالأول، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح؛ بل يقدم ما حقُّه التقديم، ويُؤخِّر ما حقُّه التأخير، ويضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم، فتُقدم المصلحة العامة على الخاصة، ويُقدم دفع المفاسد على جلب المصالح، وتُقدم العقيدة والتوحيد على ما سواه ((ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة ألا إله إلا الله))؛ [متفق عليه].

 

ففقه القائد لسياسة ترتيب الأولويَّات مع من يقودُهم في واقعه المُعايَش، ومع ما يعيشه من معطيات وأحداث له علاقة كبيرة في النجاح والنصر والتمكين.

 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

المصادر والمراجع:

1- القرآن الكريم.

2- صحيح البخاري.

3- صحيح مسلم.

4- سنن الترمذي.

5- مسند أحمد.

6- السلسلة الصحيحة؛ للألباني.

7- صحيح الجامع الصغير وزيادته؛ للألباني.

8- المعجم الأوسط؛ للطبراني.

9- الأدب المفرد؛ للألباني.

10- تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير.

11- تاريخ دمشق؛ لابن عساكر.

12- الإصابة في تمييز الصحابة؛ لابن حجر.

13- فن القيادة ل د. وليام، أ/كوهين.

14- موسوعة الأخلاق؛ إعداد: القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية.

15- مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة؛ لسعيد بن علي بن وهف القحطاني.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات