طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > مكافحة المنكرات في تاريخ مصر

ملتقى الخطباء

(63)
6572

مكافحة المنكرات في تاريخ مصر

1441/05/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

حسن عبدالوهاب

 

 

إن المتتبِّعَ لحوادث التاريخ الإسلامي يرى أن مَيل الناس إلى اللهو، واندفاع النساء وراء التبرُّج ومسايَرة الموضات وتطورها – كان مشكلةَ كل عصر، حتى إن الحكومات الإسلامية كانت تصدر المراسيم بمنع الاحتفال بمواسم كانت تجمع بين الملاهي والطرب، وكثيرًا ما أصدرت مراسيم لمنع زراعة الحشيش ومُصادَرة وإراقة الخمور، هذا عدا المراسيم المتضمِّنة تحذير النساء من التبرُّج، ومنع لبس ثياب خاصة، أو لتحديد أطوال تلك الثياب وسَعتها وأشكالها، أو لمنعهنَّ من الخروج إلى المتنزهات والمقابر والحمامات وغير ذلك؛ كمنع سيرهنَّ خلف الجنازات، ومنْع النادبات، ومطاردة الفجور والقائمين به، وطُبِّقت على مخالفي تلك الأوامر الحدودُ الشرعية، هذا عدا التشهير والتعزير، مما كان له أثرٌ في عدم انتشار تلك المخازي، وحصرها في دائرة ضيقة.

 

 

 

وكانت تلك الأوامر تُذاع على الجمهور في المساجد، وبالمناداة في الطريق، وأحيانًا مع الجرس، كما كانت تُذاع بالصورة المنفِّرة التي تُمثِّل عقابًا للمخالفين.

 

 

 

وفيما يلي نماذج من هذه الأوامر:

 

في سنة 253 هـ / 867م ولي شرطة مصر أزجور بن أولغ، وكان شديدًا، فمنع النساء من ارتياد الحمامات والذهاب إلى المقابر، وسجَن المؤنَّثين، ومنَع النَّوح في الجنائز وشقَّ الأثواب، وعاقب من خالف ذلك بشدة.

 

 

 

وفي سنة 365 هـ / 975م أمر العزيز بالله بإراقة الأنبذة، وكسْر أوعيتها، وهدم مواضِعها، فكُسرت جرار الخمر.

 

 

 

وفي سنة 395هـ / 1004م ضُرب بالجرس في الشوارع والأسواق، ونودي أن لا يدخل أحد الحمام بدون مِئزَر، ولا تسير امرأة سافرة ولا تتبرج، ثم قبضوا على جماعة وُجدوا في الحمام بغير مئزر، فضُربوا وشُهِّر بهم؛ لمخالفتهم الأوامر.

 

 

 

وفي سنة 401هـ / 1010م منَع الحاكم بأمر الله اللهو والغناء، كما منَع بَيع المُغنيات، ومِن الاجتماعات بالصحراء، كما أمر بمنع بيع الزبيب وحمله، وألقى في النيل منه شيئًا كثيرًا، ومنَع النساء من زيارة القبور، كما منعهنَّ مِن الاجتماع بشاطئ النِّيل.

 

 

 

وقد جرَت عادة الفاطميِّين منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري أنه ابتداء مِن آخر جمادي الآخرة إلى نهاية شهر رمضان مِن كل سنَة يأمرون بإغلاق جميع قاعات الخمارين بالقاهرة ومصر وسائر أعمال الدولة، وأن يُنادى بأن مَن تعرَّض لبيع شيء مِن المُسكرات أو لشرائها سِرًّا أو جهرًا، فقد عرَّض نفسه لهلاكها.

 

 

 

وفي سنة 567هـ / 1171م نودي في القاهرة بالجرس بألا يتأخَّر أحد عن أداء فريضة الجمعة وبقية الفرائض، ومَن خالَف عوقبَ بالحبْس والتعزير.

 

 

 

ونظرًا لما كان يَحدث في الخليج مِن مجونٍ وخلاعة، فقد صدرت الأوامر في سنة 594هـ / 1197م بمنع ركوب المُتنزِّهين في المراكب في الخليج، وعدم اختلاط الرجال بالنساء، وعوقب مَن خالف هذه الأوامر من رؤساء المراكب.

 

 

 

ورحم الله زمانًا كان العلماء فيه يؤدُّون رسالتهم الدينية مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانوا لا يتأخَّرون عن الجهر بذلك والسعي به لدى وليِّ الأمر؛ فمما يؤثر عن سلطان العلماء عبدالعزيز بن عبدالسلام (العز بن عبدالسلام) أنه لما قَدِم مصر سنة 639هـ / 1241م تقدَّم إلى الملك الصالح نجم الدِّين وهو في جلال ملكه يوم الاحتفال بالعيد بقلعة الجبل، وقال له: “ما حُجتك عند الله إذا قال لك: ألم أُبوِّئ لك ملك مصر ثم تُبيح الخمور؟”، فقال له: هل جرى هذا؟ فقال: نعم؛ “الخان الفلاني تُباع فيها الخمور وغيرها مِن المنكرات”، فأمر السلطان بإغلاق الخان ومُصادَرة ما فيه.

 

 

 

وفي دولة الظاهر بيبرس البندقداري تقدَّم إليه أحد الصالحين، وقال له: إن القمح الذي جعله الله -تعالى- قوتًا للعالَم يُداس بالأرجل ويُعمل منه المِزْر[1]، فأصدرَ أمرَه في سنة 665هـ بإبطال المِزْر، وإسقاط ضريبته، وكتَب المراسيم بذلك، وقُرئت على المنابر في مصر والشام.

 

 

 

وفي سنة 662هـ / 1263م نودي في القاهرة ومصر بمنع النساء مِن لبس العمائم، ومِن التزيِّي بزيِّ الرجال، ومَن خالفت ذلك بعد ثلاثة أيام سُلبت ما عليها من ملابس.

 

 

 

وفي سنة 665 – 666هـ / 1266 – 1267م أمر الملك الظاهر بيبرس البندقداري بإراقة الخمور ومنع البِغاء في مصر والقاهرة، فأُغلقَت الحانات التي كانت مخصَّصةً لذلك، وأمَر بنفي القائمين عليها، وحُبست النساء حتى تزوَّجنَ، وكُتب إلى جميع البلاد بمثل ذلك.

 

 

 

وفي ذلك الوقت أُحضر إلى السلطان شخص يُسمى ابن الكازروني وهو سكران، فأمر بصلبه بعد حدٍّ عظيم، وعُلقت الجرة والقدح في عنُقه، فلما عاين المُستهتِرون مِن محبي الخلاعة والمجون ما أصاب ابن الكازروني، امتثلوا، وأنشد الشاعر:

لقد كان حدُّ السُّكْر مِن قبل صلبه

خفيف الأذى؛ إذ كان في شَرعِنا جَلدَا

فلما بدا المصلوب قلتُ لصاحبي

ألا تبْ؛ فإن الحدَّ قد جاوَز الحَدَّا

 

 

 

وفي 17 ذي الحجة سنة 669 هـ / 1271م أريقت الخمور، وصدر مرسوم بذلك قُرئ على المنابر.

 

 

 

وافتُتح عام 670 هـ / 1271م بإراقة الخمور والتشدُّد في إزالة المنكرات، وكان يومًا مشهودًا في القاهرة.

 

 

 

وفي سنة 674 هـ / 1275م أُبلغ الظاهر بيبرس أن الطواشي شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز يَشرب الخمر، فلما تحقَّق مِن صحَّة الخبر، أمر بشنقه تحت قلعة الجبل.

 

 

 

ومن رسالة للأديب شمس الدِّين بن دانيال لما قَدِم القاهرة في دولة الظاهر بيبرس ووجَد سوق الفجور كاسدة:

 

“قدمتُ مِن الموصل إلى الديار المصرية في الدولة الظاهرية، سقى الله مِن سحب الإنعام عهدَها، وأعذب مشارب وردها، فوجدتُ مواطن الأنس دارسة، وأرباب اللهو والخلاعة غير آنسة، ومِن لذة العيش آية، وهزَم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولى الخوات والي القاهرة إهراق الخمور، وإحراق الحشيش، وتبديد المِزْر، واستتابة المخنثين واللواطيِّين، وحَجر البغاة والخواطي، وشاعت بذلك الأخبار، ووقَع الإنكار، واختفى المَسطول في الدار، وقد آذى الخلاعةَ غاية الأذية، وصلب ابن الكازروني وفي رقبته نباذية”.

 

 

 

وفي سنة 724 هـ / 1324م عين الأمير سيف الدِّين قدادار واليًا على القاهرة، وكان حازمًا شديد البطش، فكافح جشَع التجار، ثم أخذ في مكافحة الخمر ومنع تقطيره، وتحرَّى عن المشتغلين بعصيره، فأحضر رئيس الحمالين وألزمه بإحضار مَن حملوا عِنبًا منهم؛ فلما حضروا عنده استملاهم أسماء مَن يَشتري العنب، ومواضع مساكنهم؛ ثم أحضر خفراء الحارات والأخطاط وتعرَّف منهم على المشتغلين بعصيرها وقبَض عليهم، فحوَّل أهل حارتَي زويلة والروم وغير ذلك مِن الأماكن ما عندهم من الخمر وصبُّوها في الأقنية والأزقة.

 

 

 

ثم قام بحملة تفتيشية على خطِّ باب اللوق، وصادر ما فيه مِن الحشيش وأحرقه عند باب زويلة، واستمرَّ على ذلك مدة شهر، ما من يوم إلا وتهرق فيه خمر أو يُحرق حشيش.

 

 

 

وفي عصر السلطان حسن أسرفَ النساء في عمل القمصان الجرارة ذات الأكمام الواسعة، وبلغَت نفقات القميص ألف درهم، وبلغ ثمن الخفِّ والسرموزة ما بين خمسمائة إلى مائة درهم؛ ففي سنة 751 هـ / 1351م عهد إلى الأمير منجك بمكافحة اندفاعهنَّ وراء هذه الأزياء، فأمر الوالي بقطع أكمام النساء، ونُودي في القاهرة بتحريم هذه الملابس والقبْض على مَن تُخالف ذلك، وإمعانًا في إرهابهنَّ؛ وضع على سور القاهرة تماثيل لنساء عليهنَّ تلك القمصان وقد قتلهنَّ عقوبةً لهنَّ على لبسِها.

 

 

 

على أن هذا المنع لم يَمكث طويلاً، فانتهزْنَ الفرصة في سنة 793 هـ / 1390م وعدْنَ إلى لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة، فصدرت الأوامر بمنعها وبتحديد سعتِها، ونودي بذلك.

 

 

 

وفي يوم الاثنين 2 ذي القعدة سنة 793 هـ / 1390م أرسل الأمير الكبير كمشبغا طائفة من أعوانه للمرور في أسواق القاهرة وقياسرها، فقطعوا أكمام النساء، فامتنعْنَ مِن لبسِها.

 

 

 

وحوالي سنة 818 هـ / 1415م في دولة الملك المؤيد شيخ المحمودي، كان محتسب القاهرة الأمير منكلي بغا الظاهري، فشدَّد على النساء ومنعهنَّ مِن التبرج، حتى قيل: “لا تُمسِك طرفي؛ منكلي خلفي، عَلقتو مائتين قبل ما يعفي”.

 

 

 

وفي سنة 876 هـ / 1471م أمر السلطان قايتباي بمنع النساء من لبس العصابات المقنزعة (مائلة على الجبين)، وأن يكون طول العصابة ثلث ذراع، ومختومة مِن الجانبَين بختم السلطان، وأعلن بذلك بائعو العصابات، ونودي به في القاهرة، وعُهد إلى المحتسب بمراقبة تنفيذه؛ فأرسل أعوانه ورسله للطواف في الأسواق، فإن وجدوا امرأة خالفتَ الأمر ضربوها وشنّعوا عليها والعصابة معلقة في عنقها، فامتثلنَ ولبسْنَ العصائب التي أمر بها السلطان، وأنشد الشاعر زين الدين بن النحاس:

أمَرَ الإمامُ مليكُنا بعصائبٍ

في لُبْسِها عسْرٌ على النِّسوانِ

فقَلقْنَ ثم أطعْنَه ولبسْنَها

ودخلْنَ تحتَ عصائبِ السُّلطانِ

 

 

 

وفي سنة 910 هـ / 1504م أمر السلطان الغوري بإراقة الخمور ومنْع بيعها، ومنع البغاء، وألا يعمل عزاء بنادبات، وعُهد إلى المحتسب تنفيذ ذلك، فقبض على نائحة عملتْ عزاءً بطارات، فشهر بها على حمار، والطار مُعلَّق في عنقها، ووجهُها ملطَّخ بالسواد.

 

 

 

وفي سنة 925 هـ / 1519م توقَّف النِّيل عن الزيادة فصدَرت الأوامر بإبطال النبيذ والحشيش ومنْع البغاء، ونفَّذ ذلك والي القاهرة، وقُبض على امرأة اسمها أنس كانت تدير منزلاً للبغاء في الأزبكية، وغرقها في النِّيل عقابًا لها.

 

 

 

وكان يُشرف على تنفيذ هذه الأوامر والي الشرطة والمُحتسب؛ فقد كان مِن اختصاص المُحتسب الإشراف على الآداب؛ فيقوم بمنع الرجال مِن الجلوس في الطرقات، ومعاقبة مَن يتطلَّع على جيرانه من النوافذ والسطوح، ومن اختصاصه منْعُ المنكرات وبيعِها، وإذا رأى رجلاً حاملاً خمرًا أراقَها وعاقبه، ومِن اختصاصه المرور في الأماكن التي تجتمع فيها النساء؛ مثل: سوق الغزل والحرير، وشواطئ النِّيل، ويمنعهنَّ مِن التبرُّج أو التبذُّل ومخالطة الرجال، ويوقع العقوبة على المتبرِّجات منهنَّ أو المخالِفات لمراسيم وقته؛ كما يراقب الشبان الذين يتسكَّعون في هذه المواضع لمُعاكَسة النساء؛ فإن رأى أحدهم عزَّره ومنعه من الوقوف هناك.

 

 

 

وعليه مراقبة مجالس الوعاظ؛ فلا يدع الرجال يختلطون بالنساء، ويجعل بينهم ستارة، وكذلك يتفقَّد المآتم والمقابر، فإن رأى نائحةً أو نادبةً، عزَّرها.

 

 

 

وإذا سمع المحتسب بامرأة فاجرة استتابها عن معصيتها وراقبَها، فإن عادت عاقبها وأمر بنفْيِها مِن البلد، وكذلك يصنع بالمُخنثين وفاسدي الأخلاق، ومَن خالف يؤدِّبه ويقيم عليه الحدود مِن جلْد ورجم عقابًا وتشهيرًا.

 

 

 

ومِن استعراض اختصاص المحتسب – خصوصًا وأنه كان في الدولة الفاطمية يجمع بين وظيفته والشرطة – نجده يقوم بمهمَّة بوليس الآداب أيضًا.

 

 

 

وكان مرهوب الجانب، يُنفِّذ أحكام التأديب وقتيًّا ما بين ضرب وتشهير، فقد كان لوازم المحتسب عدا أعوانه وعُرَفائه: السوط، والدرَّة، والطرطور.

 

 

 

أما السوط، فيكون وسطًا حتى لا يؤلم الجسم ولا يُخشى غائلته، وأما الدرة فتكون مِن جلد البقَر محشوة بنوى التمر، وأما الطرطور فيكون مِن اللبد منقوشًا بالخِرَق الملوَّنة والخرز وأذناب السنانير والثعالب؛ وتكون هذه الأشياء جميعها معلقة على دكة المُحتسب يشاهدها الناس، فترتعد منها قلوب المفسدين، فإذا عثر بشارب خمر جلَده، فيُجرده المحتسب من ثيابه ويجلده؛ وإن كان زانيًا غير مُتزوِّج جلَده في ملأ من الناس، وإن كانت امرأة جلدها في إزارها وثيابها، وأما المتزوِّج فيُرجم؛ وهكذا يُنفِّذ الحدود الشرعية بعد ثبوت التهمة عند الإمام.

 

 

 

وأما التعزير، فعلى قدر أحوال الناس وعلى قدر الجناية؛ فمن الناس مَن يكون تعزيره بالقول والتوبيخ، ومنهم مَن يُضرَب بالسوط، ومنهم مَن يُضرب بالدرة ويلبس الطرطور ويركب على حمار أو جمل ويُشهر به في أنحاء القاهرة.

 

 

 

واستمر المُحتسب يؤدي وظيفته إلى عصر محمد علي باشا؛ فقد كان المحتسب يسير في موكب كبير وأمامه وخلفه عدة مِن الأعوان والخَيَّالة بكرابيجهم لضرب مُستحقي العقاب؛ فكان يطوف بالأسواق ويضرب مَن يضبطه يُنقص الميزان أو المكيال، ويشدِّد على صيانة الآداب، وكانت له حرمة ومهابة شملت الكبير والصغير، وكان لها أحسن الأثر في حفظ الأمن والآداب.

 

[1] – المرز: نوع من الجعة.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات