طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > النهي عن المنكر والسياج الحضاري للأمة

ملتقى الخطباء

(107)
6521

النهي عن المنكر والسياج الحضاري للأمة

1441/05/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

إسلام عبدالتواب

 

لا يمكن لمبدأ أو فكرة أو نظام حياة، أن يعيش ويستمر، فضلاً عن أن يَنتشر ويَسود، بدون سياجات متعددة، تَحميه وتحمي المؤمنين به من العُدوان على عقائد وأفكار ومبادئ وأخلاق هذا النظام.

والله – عزَّ وجلَّ – قد أنزل لنا الإسلام لنَدين به، وجعل فيه عقائد وأحكامًا وأخلاقًا، وأمرنا – عزَّ وجلَّ – بأن نعمل على تطبيق أحكام دينه في المجتمع المسلم، وأن نَنشر هذا الدين بين العالمين.

 

ولكنَّ مهمة كهذه لم يكن ليُكتَب لها النجاح ما لم يكن هناك سياجات تقوم على حفظ عقيدة الإسلام وشريعته وأخلاقه، فالإنسان بطبعه يَميل إلى التساهل والتفريط بمرور الوقت، فلئن بدأ إسلامه ملتزمًا مستمسكًا بأحكام دينه بشدة، فسوف تَضعُف نفسه شيئًا فشيئًا، وتميل إلى التفريط، وسوف يتدخل الشيطان بالتزيين للشهوات؛ حتى يَضعُف المسلم ويقع في المعصية، وهذا السيناريو أمْرٌ متكرر في البشر، ويُمكننا الاستغناء عن الاستطراد وراء موقف الفرد نفسه من معصيته، وهل سيتوب أم لا؟ وذلك لنتوقَّف أمام مسؤولية المجتمع المسلم، فهل سيترك المجتمعُ الفردَ لمعصيته ونفسه وشيطانه؛ ليقودوه إلى الانحراف واستمراء المعصية، أم سيقف بجانبه؛ ليَحميه من شرِّ نفسه وأعدائه، ويُنبِّهه للتوبة والعودة لطاعة الله؟!

 

ونستطيع أن نتقدَّم خطوة، فنقول: إن سهولة الوقوع في المعصية تُغري الإنسان بالوقوع فيها، مع تَمْنية الشيطان له بسهولة التوبة بعد ذلك، فإذا أُضيف إلى ذلك رؤية الإنسان لمن حوله وهم يقعون في المعاصي دون نكيرٍ عليهم من المجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى انتشار المعاصي، بل الفواحش؛ حتى يتَّسع الخرْق على الراتق، ويَعجِز المجتمع عن مواجهة الفاحشة والفساد، فيَحِلَّ عليه عقاب الله – عزَّ وجلَّ – ويَبوء بالخُسران المبين.

 

النهي عن المنكر هو السياج:

 

إن السياج الذي وضعه الله -عز وجل- لحِفظ هذه الأمة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن في حديثنا هنا نخصُّ النهي عن المنكر؛ لأنه تعرَّض لتشويه شديد على أيدي الإعلام في الدول الإسلامية، بالإضافة لتشويهه على أيدي بعض المُنتسبين للإسلام الذين فهِموه فَهمًا خاطئًا.

 

سُنة ماضية:

وليس ما نقوله ضربًا من الخيال أو الرؤية المتشائمة لمصير المجتمعات التي يغيب فيها النهي عن المنكر، وإنما هو سُنة إلهيَّة ماضية من الأُمم السابقة إلى يوم القيامة، وقد حكى لنا القرآن قصة شهيرة من هذا النوع.

 

 

 

إذ يقول تعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [الأعراف: 163 – 166].

 

فهؤلاء القوم منهم مَن قارَف المعصية وخالَف أمر الله، ومنهم مَن نهى العُصاة عن المنكر، ومنهم من لم يَقترف المعصية، ولكن لم يَنهَ عن المنكر، بل أخذ يَعيب على من أنكروا المنكر، وعندما جاء عقابُ الله، نال الجميعَ، عدا مَن أنكَر المنكر.

 

القرآن والسياج الحضاري:

 

لقد تحدث القرآن عن القيمة الحضارية للنهي عن المنكر في قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110].

 

 

 

فما علاقة كون الأمة خيرَ أُمة بنَهْيها عن المنكر؟

إنه ذلك المعنى الحضاري الكامن في الحفاظ على البشرية من العقاب الإلهي الشامل، فالقيام بواجب النهي عن المنكر يحمي البشرية من انتشار الفواحش والمُوبقات المُهلكة، التي قد تجتاح الحضارة البشرية وتقضي عليها.

 

لقد فَنِيت أُمم كاملة كانت لها حضارات عريقة؛ بسبب غياب فريضة النهي عن المنكر، فقد راحت الحضارة الرومانية ومعها الفارسية، وقبلهما الإغريقية لا لشيء إلا غياب تلك الفريضة، فقد عرَفت تلك الحضارات الظلم الفاحش، والعنصرية المتوحشة، وانتهاك الحُرمات بشكلٍ لم يَسبق له مثيلٌ، ولما غاب الناصح الناهي عن المنكر، وتواطَأ القوم على المُوبقات، جاءهم العقاب الإلهي، فقضى عليهم، وجعل حضارتهم أثرًا بعد عينٍ، وصاروا للناس عِبرة.

وهناك مِن أهل الكتاب الذين جاءهم كتاب سماوي، وتلقَّوا كتاب الله – عزَّ وجلَّ – وكلماته، ومع كل هذه البركة والنعمة، تركوا فريضة النهي عن المنكر، فكان عاقبتهم “اللعنة”! إي والله اللعنة.

﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78 – 79].

 

 

 

لقد ترَكوا واجب النهي عن المنكر، ومن ثَمَّ استحقوا اللعنة؛ يروي الإمام أحمد في مسنده عن عبدالله قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((لَمَّا وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نَهَتْهم علماؤهم، فلم يَنتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكَلوهم وشارَبوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعضٍ، ولعَنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون))، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مُتَّكئًا، فجلس، فقال: ((لا والذي نفسي بيده، حتى تأْطِرُوهم على الحقِّ أطرًا))[1].

 

حديث السُّنة المطهرة:

وقد أراد الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – أن يُبيِّن لنا تلك السنة الحضارية الإلهية، فصاغها في مثال جميل الصورة، عميق المعنى، فعن النعمان بن بشير – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استَهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقوا من الماء، مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرَقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نجَوا ونجوا جميعًا))[2].

 

 

 

فليست مسؤولية النهي عن المنكر خاصة بوَلي الأمر؛ أي: الحاكم بأجهزته الممثَّلة في الشرطة والحِسبة، وإنما هي مسؤولية المجتمع كافة؛ ليأخذ على يد الظالم المُفسد، وإن لم يفعل، فالعقاب الإلهي في الانتظار؛ ((فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا)).

 

وقد يتصوَّر الإنسان أن الأمور ليستْ بهذا الشكل الضخم، وأنه يُمكنه أن ينجوَ بدون هذا العقاب الأليم، ولكن يأتي الرسول – صلى الله عليه وسلم – ليوضِّح لهؤلاء الواهمين أن العقاب حقًّا أليمٌ، وأن المسلم الذي لا يَنهى عن المنكر قد يواجه عقوبة أشدَّ من الموت والهلاك؛ فعن عائشة قالت: سمِعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((مُروا بالمعروف وانْهَوا عن المنكر، قبل أن تَدعوا فلا يُستجاب لكم))[3].

 

وعلى الناحية المقابلة، فإن جزاء القائم بهذه الفريضة عظيم؛ فعن جابر – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمَره ونَهاه، فقتَله))[4].

 

فلماذا هذا الأجر وتلك المكانة؟

لأن الفريضة عظيمة من ناحية، وتقوم بدور حضاري كبير تَحفظ به الأمة والحضارة كلها، ومن ناحية أخرى لقلَّة مَن يقوم بتلك الفريضة، وخاصة في زمن الانحراف، وظُلم الحُكام، وغُربة الدين.

 

خاتمة:

من خلال هذا المنظور الحضاري لفريضة النهي عن المنكر، يجب على الأمة الإسلامية والمجتمع المسلم، تَفعيلُه بعيدًا عن الإفراط في التطبيق بما يَخرج عن حِكمته، والتفريط بتوسيع باب المباحات التي لا يتمُّ الإنكار عليها، بما يخالف الشرع ويَفتح الباب لانتشار المحرَّمات.

ونضَّر الله وجه مَن قام ليُنكر ما حرَّم الله، ويَحفظ على الأمة دينها وحضارتها.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات