طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ملتقى الخطباء

(232)
6519

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1441/05/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

الشيخ صلاح نجيب الدق

 

المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء وخاتم المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

 

فقد بعث الله تبارك وتعالى الأنبياء والمرسلين بمهمة سامية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وقد بين الله عز وجل المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه كل من يتصدى للقيام بهذه الرسالة السامية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾[1].

 

ولما أساء كثير من الناس – وبخاصة الشباب – فهم الطريقة المثلى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قمنا بجمع هذه الرسالة الموجزة والتي تناولنا فيها الحديث عن معنى المعروف ومعنى المنكر، وفضل الأمر بالمعروف في القرآن والسنة، والآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف وحكم النهي عن المنكر، وشروط وآداب الناهي عن المنكر، ودرجات تغيير المنكر، ثم ذكرنا كيفية أمر ولاة الأمور بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مستدلين بالقرآن الكريم والسنة الشريفة وأقوال أهل العلم، وأخيراً ذكرنا في خاتمة الرسالة النتائج التي توصلنا إليها من هذا البحث.

 

 

 

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن يجزل الثواب لكل من ساهم في طبع هذه الرسالة.

وصل اللهم وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

المعروف لغة:

قال ابن منظور: (المعروف: الجود).

وقيل اسم لما تبذله وتسديه، قال الزجاج: «المعروف: ما يستحسن من الأفعال»[2].

 

والمعروف مأخوذ من المعرفة، وهي في أصل اللغة العربية: اسم لما يعرفه القلب ويطمئن إليه، وتسكن إليه النفس، قال الله تعالى: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾[3].

 

 

 

المعروف شرعاً:

 

المعروف: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس.

 

 

 

المنكر لغة:

 

اسم لما تنكره النفوس وتشمئز منه ولا تعرفه، والمنكر من الأمر خلاف المعروف، قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾[4] أي أقبح الأصوات[5].

 

 

 

المنكر شرعاً:

 

اسم جامع لكل ما عرف بالشرع قبحه، من معصية الله تعالى وظلم عباده.

 

 

 

عدد مرات كلمتي المعروف والمنكر في القرآن: ورد لفظ المعروف في القرآن الكريم ثمانياً وثلاثين مرة[6] وورد لفظ المنكر في القرآن ست عشرة مرة[7].

 

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم:

 

لقد تحدث القرآن الكريم في كثير من آياته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحثنا الله تبارك وتعالى على هذه المهمة السامية:

 

1- فقال تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[8] فجعل سبحانه الفلاح في الدنيا والآخرة مرتبطاً بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

2- ويقول الله عز وجل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾[9].

 

♦ يقول الإمام القرطبي – رحمه الله -: هذه الآية مدح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ويظل هذا معها ما أقاموا ذلك، فإذا تركوا ذلك التغيير زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شرط الخيرية[10].

 

♦ ويقول الإمام ابن كثير – رحمه الله -: يخبر تعالى عن الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾.

 

 

 

♦ قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان عن ميسرة، عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ قال خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام[11] ثم قال رحمه الله تعالى: ﴿ والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾ِ[12].

 

 

3- ويقول الله أيضاً: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[13].

 

في هذه الآية المباركة يبين الله تعالى أن من أسباب رحمته سبحانه وتعالى للمؤمنين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

4- ويقول سبحانه وتعالى كذلك: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾[14].

 

 

 

وفي هذه الآية الجليلة يوضح الله تعالى أن الغاية من التمكين في الأرض والظفر بالسلطان والحكم، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السنة:

 

لقد جاءت السنة المطهرة تحث الناس على ضرورة القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يتضح جلياً في كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما يلي:

 

1- روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[15].

 

 

 

2- روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»[16].

 

 

 

3- روى الشيخان من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم»[17].

 

 

 

4- روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»[18].

 

 

 

الآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف:

 

لقد حذرنا الله تبارك وتعالى من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك يترتب عليه كثير من المفاسد في البلاد والعباد، وقد جاء هذا التحذير في آيات كثيرة نذكر منها ما يلي:

 

1- قال الله تعالى: ﴿ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾[19].

 

قال ابن جرير الطبري: (كان العلماء يقولون ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية ولا أخوف عليهم منها)[20].

 

2- وقال الله تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾[21]. في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى أن سبب لعن بني إسرائيل هو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللعن هو الطرد من رحمة الله التي وسعت كل شيء.

 

 

 

الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر أمته:

 

لقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كثير من أحاديثه الشريفة نذكر منها ما يلي:

 

1- روى مسلم من حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم، قال: لا ما صلوا»[22].

 

 

2- روى الترمذي من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمر بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»[23].

 

 

3- روى أبو داود من حديث جرير بن عبدالله البجلي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه، فلا يغيروا إلا أصابهم بعذاب قبل أن يموتوا»[24].

 

 

 

عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله:

 

إن من أسوأ الأمور أن يأمر العبد الآخرين بالمعروف وينسى نفسه، وينهاهم عن فعل المنكر ويأتيه، وقد ذم الله تعالى في كتابه العزيز هذا الصنف من الناس، فقال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[25]، وقال سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾[26].

 

 

 

وقال سبحانه حكاية عن شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾[27].

 

 

 

قال القرطبي – رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية «أي لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به»[28].

 

 

 

♦ ولقد جاءت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين عقوبة من يفعل هذا العمل القبيح.

 

 

 

♦ روى الشيخان من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه»[29].

 

 

 

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 

قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: «إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو كمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف»[30].

 

 

 

والدليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ما يلي:

 

قوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾[31].

قال ابن كثير: «والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن»[32].

وقوله تعالى أيضاً: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾[33].

 

وهكذا، فإن هذه الفرقة التي تفقهت في الدين، هي التي تستطيع أن تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

أعظم المعروف: الدعوة إلى التوحيد الخالص:

 

إن أعظم معروف ذكره الله تعالى في كتابه العزيز هو الدعوة إلى توحيده سبحانه وتعالى، وإخلاص العمل له وحده، والتوحيد هو الرسالة التي أرسل الله بها رسله إلى الناس كافة.

 

1- قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾[34].

 

 

 

2- وقال سبحانه: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾[35].

 

 

 

3- وقال جل شأنه: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾[36].

 

 

 

أعظم المنكر: الشرك بالله تعالى: ينبغي أن يكون من المعلوم أن أعظم المنكر، هو الشرك بالله تعالى، لأنه محبط للأعمال، ولا يغفره الله تعالى.

 

1- يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾[37].

 

 

2- ويقول سبحانه أيضاً: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾[38].

 

 

3- وقال سبحانه كذلك: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾[39].

 

 

 

شروط من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:

 

لقد وضع العلماء شروطاً لمن يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فاتفقوا في بعضها واختلفوا في البعض الآخر وسوف نتناولها بالبيان[40].

 

أولاً: الشروط المتفق عليها:

 

1- الإسلام:

 

يجب على من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مسلماً، لأن ذلك نصرة لدين الله عز وجل، فلا يقوم به كافر أو جاحد لدين الله تعالى، فهو ممنوع من ذلك لما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من السلطة والعزة، وصدق الله تعالى إذ يقول في محكم التنـزيل: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾[41].

 

2- التكليف:

 

إن التكليف من شروط وجوب جميع العبادات التي فرضها الله على عباده المسلمين، فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصبي الصغير أو على المجنون، لأن التكليف مرفوع عنهما، ولكن لو أنكر الصبي المميز شيئاً جاز وحصل على ثواب الله تعالى، ولم يكن لأحد من الناس منعه من ذلك، لأنها قربة إلى الله تعالى، وهذا الصبي المميز من أهل أدائها لا من أهل وجوبها.

 

 

 

3- الاستطاعة:

 

ومن شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاستطاعة، بحيث يكون المسلم قادراً على تغيير المنكر، وذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾[42]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه»[43].

 

ثانياً: الشروط المختلف فيها:

 

أما شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اختلف أهل العلم فيها، فبيانها كما يلي:

 

العدالة:

لقد اشترط بعض أهل العلم فيمن يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون عدلاً فليس لفاسق أن يقوم بهذه المهمة السامية، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴾[44].

 

 

 

وقوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[45].

 

♦ وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن العدالة ليست شرطاً من شروط الوجوب.

 

 

 

فقد قال الإمام النووي – رحمه الله -: (قال العلماء: لا يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه أمران… أن يأمر نفسه وينهاها، وأن يأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما، كيف يحل له الإخلال بالآخر)[46].

 

 

 

وقال الإمام القرطبي – رحمه الله -: (قال حذاق أهل العلم: ليس شرط الناهي أن يكون سليماً عن المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضاً).

 

 

 

وقال – رحمه الله – أيضاً: (قال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضاً).

 

 

 

وقال أيضاً: (ليس من شرط الناهي أن يكون عدلاً عند أهل السنة، خلافاً للمبتدعة، حيث تقول: (لا يغيره إلا عدل، وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس[47].

 

 

 

والدليل على أن العدالة ليست شرطاً ما يلي:

 

روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»[48].

 

 

 

الرأي الراجح:

 

وعلى ضوء ما سبق من الأدلة وأقوال أهل العلم، أرى أن رأي الفريق الثاني، وهو الرأي الذي يقول بأن العدالة ليست شرطاً فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هو الرأي الأرجح، والله تعالى أعلم.

 

 

 

الإذن من الإمام:

 

ذهب بعض أهل العلم إلى أن من شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحصول على الإذن من الإمام.

 

 

 

وهذا الشرط قال عنه الإمام الغزالي – رحمه الله -: (شرط فاسد، فإن الآيات والأخبار تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه، عصى أينما رآه، وكيفما رآه على العموم بلا تخصيص، فشرط التفويض من الإمام بحكم لا أصل له)[49].

 

 

 

ويؤيد هذا القول حديث أبي سعيد الخدري في الإنكار على مروان بن الحكم في تقديمه الخطبة على الصلاة في العيد[50].

 

 

 

وقال الإمام النووي: (قال العلماء: لا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين)[51].

 

 

 

آداب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر:

 

لقد ذكر أهل العلم آداباً ينبغي أن يتحلى بها كل من يريد أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نوجزها فيما يلي:

 

إخلاص العمل لله وحده:

 

إن أساس قبول الأعمال، وحصول ثواب الله تعالى هو إخلاص الأعمال لله تعالى؛ فإن من احتسب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقه الله تعالى للقيام بهذه المهمة السامية، قال الله تعالى في محكم التنـزيل: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾[52].

 

 

 

♦ روى البخاري من حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»[53].

 

 

 

العلم:

 

لا بد لمن يقوم بالأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون على علم بموقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون على علم بحال من يأمره وينهاه، حتى يقتصر في تصرفه على حدود الشرع الحنيف، لأنه إذا كان جاهلاً بهذه الأمور، فإنه سوف يفسد أكثر مما يصلح، ولذا قال بعض العلماء: (إن على من يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون عالماً بما يأمر به وعالماً بما ينهى عنه)[54].

 

 

 

الرفق وحسن الخلق:

 

يعتبر الرفق وحسن الخلق من صفات من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالعنف والغضب المفرط في الدعوة قد يؤديان إلى مفسدة عظيمة لا يحمد عقباها، وهذا الخلق المبارك من الرفق ولين الجانب، هو الذي تربى عليه الأنبياء والمرسلون، وساروا عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام وعامة الناس.

 

 

 

♦ قال تعالى عند الحديث عن موسى وهارون: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾[55].

 

 

 

♦ وقال الله تعالى أيضاً مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم ومخاطباً كل من يدعو إلى الله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾[56].

 

 

 

♦ وقال سبحانه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾[57].

 

 

 

♦ روى مسلم من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»[58].

 

 

 

قال سفيان الثوري رحمه الله: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى»[59].

 

 

 

♦ وقال الشيخ سيد قطب – رحمه الله -: «إن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ»[60].

 

 

 

الصبر وتحمل الأذى:

 

يعتبر الصبر على الأذى من الدعائم التي يجب أن يستند عليها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وطالما كان هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر، فالغالب أن يصاحبهما أذى من الناس، ويظهر هذا جلياً في وصية لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾[61].

 

 

 

ولذا أوصى الله تبارك وتعالى الرسل بالصبر، فقال سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾[62].

 

 

 

وقال أيضاً: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾[63].

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد من العلم والرفق والصبر، فالعلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده»[64].

 

 

 

فهم خاطئ والرد عليه:

 

أولاً: يعتقد بعض الناس أن عدم توافر هذه الصفات السابقة لديهم يسقط عنهم مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

فهل معنى هذا أن يترك الناس هذه المهمة الجليلة حتى تتوافر لديهم هذه الصفات، وحتى يصلوا بأنفسهم إلى الأخلاق الفاضلة والطاهرة الكاملة؟

 

 

ويجيب على هذا التساؤل بعض علماء السلف الصالح، مثل:

 

سعيد بن جبير:

 

روى الإمام مالك عن ربيعة قال – سمعت سعيد بن جبير يقول: «لو كان المرء لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر».

 

 

 

قال مالك «صدق ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟»[65].

 

 

 

الحسن البصري:

 

قال الحسن البصري لمطرف بن عبدالله الشخير: «عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل.

 

 

 

قال: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول! يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر!»[66].

 

 

 

ثانياً: يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾[67]. يخطئ بعض الناس في فهم هذه الآية، ويعتقد أنه إذا استقام على طاعة الله، فلا يضره ما يقوم به الآخرون من المنكرات وأن ذلك يسقط عنه النهي عن المنكر مع قدرته على تغييره، يقول الإمام ابن كثير: «ليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكناً»[68].

 

 

 

♦ روى أبو داود من حديث أبي بكر الصديق قال: «يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فيم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا، ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب»[69].

 

 

 

شروط الفعل المطلوب إنكاره:

 

لقد اشترط أهل العلم للفعل المطلوب إنكاره شروطاً[70] يمكن أن نوجزها فيما يلي:

 

أن يكون الفعل منكراً:

 

لا بد للفعل المطلوب إنكاره أن يكون قبيحاً شرعاً، ولا يختص وجوب الإنكار على الكبائر دون الصغائر، ولا يشترط أن يكون معصية، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب الخمر، فعليه أن يمنعه، وإن كان هذا لا يسمى منكراً في حق الصبي والمجنون.

 

 

 

أن يكون المنكر موجوداً:

 

ويشترط في الفعل المنكر المطلوب منعه أن يكون مستمراً، فإن من فرغ من شرب الخمر مثلاً، لم يكن لأحد من الناس الإنكار عليه إلا بالوعظ والتعريف، إذا أفاق من سكره، ومن الأفضل الستر عليه مع ذلك، حتى لا يقام عليه الحد إذا وصل أمره إلى الإمام[71].

 

 

 

وذلك بدليل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة»[72].

 

 

 

أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسس:

 

لا يجوز للمحتسب التجسس من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الله حرم التجسس على عورات الناس، فقال سبحانه: ﴿ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾[73].

 

 

 

أن يكون المنكر معلوماً بغير اجتهاد:

 

قال الإمام النووي: (إن العلماء إنما ينكرون على ما أجمع على إنكاره، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن

 

 

 

على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم)[74].

 

 

 

كيف تنهى عن المنكر؟

 

ذكر الإمام ابن قدامة في كتابه مختصر منهاج القاصدين[75] درجات لنسير عليها، عند تغيير المنكر وهي بالترتيب كما يلي:

 

أولاً: التعريف بالمنكر:

 

قد يقدم العبد على فعل المنكر، وهو لا يدري أنه منكر، ومثل هذا الشخص ربما إذا علم أن ذلك منكر، أقلع عنه في الحال، فيجب تعريفه باللطف والرفق، ويقال له مثلاً: إن الإنسان لا يولد عالماً، وإننا كنا كذلك فسخر الله لنا من علمنا، وليس من العيب أن نخطئ، ولكن من العيب أن نعلم الخطأ ونستمر في عمله.

 

 

 

ثانياً: النهي عن المنكر بالوعظ، والنصح، والتخويف بالله:

 

إذا أقدم إنسان على فعل منكر مع علمه بأن ذلك حرام، مثل: الغيبة والنميمة والرشوة، والتعامل بالربا، وأكل أموال اليتامى ظلماً، فإن مثل هذا ينبغي أن ينصح بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يذكر بآيات القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة التي تحتوي على التهديد والوعيد من رب العالمين، وينبغي للمحتسب أن ينظر إلى فاعل المنكر بعين الرحمة، وأن يتخيل نفسه مكانه، فكيف يجب أن يعامله الآخرون في مثل هذا الموقف؟

 

 

 

وليتذكر المحتسب أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[76].

 

 

 

ثالثاً: النهي عن المنكر بالتغليظ في القول:

 

إذا رأى من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن صاحب المنكر لم يرجع عنه بالتعريف، ولا بالوعظ، ولا التخويف بآيات الله، وعلم أنه مصر على الاستمرار في عمل المنكر وأظهر الاستهزاء، فإن الناهي ينتقل إلى التغليظ في القول، مثل أن يقول له: يا من لا يخاف الله، يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل مع الحذر من استرسال الناهي في تغليظ القول حتى لا يقول ما لا يجوز شرعاً.

 

 

 

وقد جاء بيان هذه الدرجة من النهي عن المنكر في كلام إبراهيم لقومه،حيث يقول الله تعالى: ﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[77].

 

 

 

رابعاً: النهي عن المنكر عن طريق التهديد بالأذى:

 

إذا رأى الناهي عن المنكر أن التغليظ في القول لا تأثير له على صاحب المنكر، فإنه ينتقل إلى التهديد بإيقاع الأذى كأن يقول لصاحب المنكر: إن لم تتوقف عن فعل هذا الأمر، لأفعلن بك كذا وكذا، فلعل هذا التهديد يجعله يترك هذا المنكر.

 

 

 

ويراعى أن يكون التهديد بشيء يقدر عليه الناهي كطرد صاحب المنكر من العمل، أو السكن، أو بإبلاغ ولاة الأمر عنه.

 

 

 

خامساً: النهي عن المنكر عن طريق التغيير باليد:

 

إذا رأى الناهي عن المنكر أن هذا الفعل المنكر الذي هو بصدده لم يتوقف باستخدام التعريف، أو الوعظ، أو التغليظ في القول، أو التهديد بالأذى فإنه يلجأ إلى تغيير هذا المنكر باليد، وذلك بشرطين كما يلي:

 

أولاً: أن تكون لديه القدرة على هذا التغيير، كأن يكون ولي أمر، أو محتسباً من قبل الإمام.

 

 

 

ثانياً: ألا يؤدي هذا التغيير إلى منكر أكبر، فإذا ترتب على ذلك مفسدة عظيمة، أصبح عدم التغيير واجباً.

 

♦ وقال بعض العلماء: إن التغيير باليد يكون لولاة الأمور فقط، حتى لا تحدث مفسدة بين الناس، وأن يُعطى الإذن للمحتسب للتغيير باليد.

 

 

 

ومن أمثلة التغيير باليد إراقة الخمر، وكسر آلات اللهو، وغير ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يلي:

 

 

 

♦ روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: «أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً»[78].

 

 

 

وقال الإمام القرطبي – رحمه الله -:

 

قال العلماء: «الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء يعني عوام الناس»[79].

 

 

 

وقال بعض أهل العلم:

 

يجوز للمتطوع من العامة أن يقوم بالتغيير باليد بشرط توافر الشروط والصفات فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وألا يترتب على التغيير باليد مفسدة أكبر من المنكر الموجود، والذي يراد تغييره.

 

 

 

سادساً: التغيير بضرب صاحب المنكر:

 

إذا لم ينته صاحب المنكر عنه بعد التخلص من الآلات التي يستخدمها في عمل هذا المنكر، فإن للناهي عن المنكر أن يضربه باليد، أو العصا، أو غير ذلك مع عدم الاسترسال في الضرب حتى لا يؤدي إلى منكر أكبر، مع مراعاة أن هذه الطريقة تكون من ولي الأمر، أو من فوضه ولي الأمر.

 

 

 

سابعاً: النهي عن المنكر عن طريق الاستعانة بالناس:

 

إذا وجد الناهي عن المنكر أنه لا يستطيع التغيير بنفسه، ورأى أنه يحتاج إلى الاستعانة بالناس، فله ذلك بشرط الحصول على إذن من ولاة الأمور، لأن صاحب المنكر ربما يستعين بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى قتال بين الناس ويترتب على ذلك فساد كبير.

 

 

 

أحوال تغيير المنكر:

 

قسم الإمام ابن قدامة أحوال تغيير المنكر إلى أربعة أحوال هي:

 

الحالة الأولى: أن يعلم المسلم أن المنكر يزول بقوله، أو فعله من غير مكروه يلحقه، فهذا يجب عليه الإنكار؟

 

 

 

الحالة الثانية: أن يعلم الناهي أن كلامه لا ينفع، وأنه إن تكلم ضرب، فهذا يرتفع عنه الوجوب.

 

 

 

الحالة الثالثة: أن يعلم المسلم أن إنكاره لا يفيد، ولكنه لا يخاف مكروهاً، فلا يجب عليه الأمر بالمعروف لعدم الفائدة، ولكن يستحب الإنكار لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بالدين.

 

 

 

الحالة الرابعة: أن يعلم الناهي عن المنكر أنه يصاب بمكروه وحده، ولكن يبطل المنكر بفعله، فإنه يسقط عنه الوجوب ويبقى الاستحباب.

 

ويجب أن تعرف أن المقصود بالعلم في هذه الأحوال الأربعة هو غلبة الظن[80].

 

 

 

كيف ينهى الولد والديه عن المنكر؟

 

قال الإمام الغزالي عند الحديث عن كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الوالدين، قال – رحمه الله – «قد رتبنا للحسبة خمس مراتب، وللولد الحسبة بالرتبتين الأوليين، وهما التعريف ثم الوعظ، والنصح باللطف. وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد، ولا بمباشرة الضرب»[81]. ويجب أن نراعي أن تغيير المنكر مع الوالدين إذا ترتب على هذا التغيير مفسدة أعظم من المنكر الموجود فلا يجوز تغييره.

 

 

 

تغيير المنكر الذي يترتب عليه ضرر للآخرين:

 

ينبغي أن نعلم أنه إذا غلب على ظن من ينهى عن المنكر أنه إذا قام بتغيير هذا المنكر، فإنه يتعدى الضرر والأذى الكبير إلى أحد من أقاربه، أو أصحابه، أو جيرانه، أو يُعتدى على محارمه، أو غيرهم من الناس وهم غير راضين عن ذلك، فلم يجز له تغيير هذا المنكر، ويصبح ترك النهي عن المنكر في هذه الحالة واجباً، لأن التغيير لا يتحقق إلا بمنكر أعظم منه[82].

 

 

 

قال الإمام أبو حامد الغزالي – رحمه الله تعالى – في الحديث عن الحسبة:

 

«فإذا كان يؤدي ذلك إلى أذى فوقه ليتركه، وذلك كالزاهد الذي له أقارب أغنياء، فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان، ولكنه – أي السلطان – يقصد أقاربه انتقاماً منه بواسطته، فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه، وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محظور، كما أن السكوت على المنكر محظور»[83].

 

 

 

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام وولاة الأمور:

 

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام، وولاة الأمور، من المسائل الهامة، والتي إذا أساء الناس فهمها، لترتب على ذلك فتن عظيمة، ومفاسد كبيرة في البلاد والعباد، ويجب أن نعلم أن الله قد أرسل رسولين كريمين، وهما موسى وهارون إلى حاكم كافر، ادعى أنه رب لهذا الكون وأنه إله للناس، وهو فرعون والله تعالى يعلم أن فرعون سوف يموت على كفره وعلى الرغم من ذلك طلب منهما أن ينهياه عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى *قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى *فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى *إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾[84].

 

 

 

فانظر أخي الكريم: إذا كانت هذه هي كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحاكم الكافر، فكيف تكون إذاً مع الحاكم المسلم؟ إنها لا شك يجب أن تكون أكث ليناً في الكلام مع استخدام حسن الأدب في الحوار.

 

 

 

نصيحة ولاة الأمور تكون سراً:

 

ينبغي أن تكون النصيحة للحكام، وولاة الأمور سراً، ودون التشهير بهم أمام عامة الناس، وذلك بدليل ما يلي:

 

 

 

روى أحمد في مسنده من حديث عياض بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يُبْدِ لَهُ علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا قد أدى الذي عليه له»[85].

 

 

 

أقوال العلماء في كيفية الأمر بالمعروف مع ولاة الأمور:

 

سوف نذكر فيما يلي أقوال السلف الصالح في الطريقة المثلى في كيفية نهي الحكام، وولاة الأمور عن المنكر.

 

 

 

الإمام أحمد بن حنبل:

 

اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الخليفة الواثق إلى أحمد بن حنبل، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا، يعنون إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك، وقالوا: لا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، وقال: ليس هذا صواباً، هذا خلاف الآثار[86].

 

 

 

أبو الفرج بن الجوزي:

 

قال ابن الجوزي – رحمه الله -: «من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين، الوعظ والتعريف، فإما تخشين القول نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف على نفسه، فهو جائز عند جميع العلماء، والذي أراه المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قصد إزالته»[87].

 

 

 

ابن حجر العسقلاني:

 

روى الشيخان من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية»[88].

 

 

 

قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: قال ابن بطال: «في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار».

 

 

 

وقال ابن حجر: «وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء.

 

 

 

وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها»[89].

 

 

 

الإمام النووي:

 

روى الشيخان من حديث عبادة بن الصامت قال: «دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»[90].

 

 

 

قال الإمام النووي – رحمه الله -: «ومعنى الحديث ألا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك، فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا بأنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضاً، فغلط من قائله، مخالف للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه، ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه»[91].

 

 

 

القاضي عياض:

 

قال القاضي عياض – رحمه الله -: «قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل – الحاكم – بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك»[92].

 

 

 

أحمد بن تيمية:

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمور بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذنوب، وإذا كان قوم على بدعة أو فجور، ولو نهوا عن ذلك، لوقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة،لم ينهوا عنه»[93]

 

 

 

الإمام ابن النحاس:

 

قال ابن النحاس: «ليس لأحد أن يمنع السلطان بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحاً، أو يجمع له أعواناً، لأن ذلك تحريك للفتن وتهييج للشر، وإذهاب لهيبة السلطان من قلوب الرعية وربما أدى ذلك إلى تجرئهم على الخروج عليه، وتخريب البلاد»[94].

 

 

 

الإمام ابن رجب الحنبلي:

 

قال ابن رجب: «وأما الخروج عليهم – أي الحكام – بالسيف، فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين، وإن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله أو جيرانه، لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره»[95].

 

 

 

الإمام ابن مفلح الحنبلي:

 

قال ابن مفلح الحنبلي: «ولا ينكر أحد على سلطانه إلا وعظاً له، وتخويفاً، أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك»[96].

 

 

 

الإمام أحمد بن قدامة المقدسي:

 

قال ابن قدامة في كتابه (مختصر منهاج القاصدين) بعد أن ذكر درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجائز من ذلك مع السلاطين: «القسمان الأولان هما التعريف والوعظ»[97].

 

 

 

الإمام أبو حامد الغزالي:

 

قال الإمام الغزالي عند الحديث عن مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وأما الرعية مع السلطان، فالأمر فيها أشد من الولد فليس لها معه إلا التعريف والنصح[98].

 

 

 

الأنبياء هم الأسوة الحسنة:

 

إن الله تعالى جعل الأنبياء والمرسلين هم الأسوة الحسنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الناس، ولذا سوف نذكر بعضاً من النماذج الرائعة للرسل مع أقوامهم، لتكون نبراساً يسير عليه الذين يريدون النهي عن المنكر مع الناس عامة، ومع الوالدين ومع ولاة الأمور.

 

 

 

نوح مع قومه:

 

يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ *قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ *أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِين ﴾[99].

 

 

 

هود مع قومه:

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ *قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين *أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾[100].

 

 

 

إبراهيم مع والده الكافر:

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً *إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً *يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً *يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً *قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً *قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً *وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً ﴾[101].

 

 

 

شعيب مع قومه:

 

يقول الله تعالى: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ *وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾[102].

 

 

 

موسى وهارون مع الحاكم الكافر:

 

يقول الله تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى *قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى *قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى *فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى *إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾[103].

 

 

 

خاتمة الرسالة

 

أخي القارئ الكريم:

 

بعد أن انتهينا بجهدنا المتواضع من عرض موجز لمسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ضوء الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

 

1- القرآن الكريم والسنة الصحيحة، هما المورد العذب لمعرفة الطريقة المثلى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

2- المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو سر خيرية الأمة الإسلامية على غيرها من الأمم.

 

 

 

3- الإخلاص، والعلم، والرفق والصبر على الأذى، أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

4- يجب على كل مسلم النهي عن المنكر على حسب علمه وقدر استطاعته.

 

 

 

5- أعظم المعروف هو الدعوة للتوحيد الخالص لله تعالى، وأعظم المنكر الشرك بالله.

 

 

 

6- يجب أن نربي أبناءنا منذ الصغر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

7- ترك النهي عن المنكر، سبب لغضب الله تعالى، ولعنته على المجتمع.

 

 

 

8- الأمر بالمعروف يزيل عوامل الفساد والشر من الأمة.

 

 

 

9- لا يشترط في الناهي عن المنكر أن يكون سليماً من المعاصي.

 

 

 

10- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ولكن قد يتعين أحياناً.

 

 

 

11- لا يجوز تغيير المنكر الذي يترتب على تغييره منكر أعظم مفسدة منه.

 

 

 

12- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ولاة الأمور، يجب أن يكون بالتعريف، والموعظة الحسنة فقط، ويستحب سراً.

 

 

 

13- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو أساس لعزة المسلمين والتمكين في الأرض.

 

 

 

14- تعلم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة شرعية.

 

 

 

15- من السنة ستر عيوب المسلمين عامة وولاة الأمور خاصة.

 

 

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

[1] سورة النحل آية (125).

 

[2] لسان العرب ج4 من ص2899: ص2900.

 

[3] سورة لقمان آية (15).

 

[4] سورة لقمان آية (19).

 

[5] لسان العرب ج6 من ص4539.

 

[6] المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص458: ص459.

 

[7] المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص719.

 

[8] سورة آل عمران آية (104).

 

[9] سورة آل عمران آية (110).

 

[10] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص173.

 

[11] البخاري مع الفتح ج8 كتاب التفسير حديث 4557.

 

[12] تفسير القرآن العظيم ج3 ص141 (طبعة مكتبة أولاد الشيخ).

 

[13] سورة التوبة آية (104).

 

[14] سورة الحج آية (110).

 

[15] صحيح مسلم بشرح النووي ج2 ص21.

 

[16] البخاري مع الفتح ج5 حديث 2465/ مسلم ج2 حديث 2121.

 

[17] البخاري مع الفتح ج13 حديث 7056/ مسلم بشرح النووي ج12 ص228.

 

[18] حديث صحيح- صحيح أبي داود ج3 حديث 3650.

 

[19] سورة المائدة آية (62، 63).

 

[20] جامع البيان للطبري ج6 ص298.

 

[21] سورة المائدة (78، 79).

 

[22] مسلم بشرح النووي ج12 ص243.

 

[23] حديث حسن/ صحيح- سنن الترمذي ج حديث 1762.

 

[24] حديث/ صحيح – أبي داود ج3 حديث 3646.

 

[25] سورة البقرة آية (44).

 

[26] سورة الصف آية (2، 3).

 

[27] سورة هود آية (88).

 

[28] الجامع لأحكام القرآن ج9 ص89.

 

[29] البخاري مع الفتح ج6 حديث 3267/ مسلم ج4 حديث 2989.

 

[30] مسلم بشرح النووي ج2- كتاب الإيمان ص 23.

 

[31] سور آل عمران آية (104).

 

[32] تفسير القرآن العظيم ج3 ص138. (طبعة مكتبة أولاد الشيخ).

 

[33] سورة التوبة آية (122).

 

[34] سورة النحل آية (36).

 

[35] سور الأعراف آية (59).

 

[36] سورة الأعراف آية (65).

 

[37] سورة النساء آية (48).

 

[38] سورة الحج آية (31).

 

[39] سورة الزمر آية (65: 66).

 

[40] الموازين لابن النحاس من ص 15 إلى ص17.

 

[41] سورة النساء آية (141).

 

[42] سورة البقرة آية (286).

 

[43] مسلم ج2 حديث 1337 من حديث أبي هريرة.

 

[44] سورة الصف آية (3).

 

[45] سورة البقرة آية (44).

 

[46] مسلم بشرح النووي ج2 ص23.

 

[47] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص47.

 

[48] البخاري مع الفتح ج11 حديث 6606/ مسلم ج1 حديث 111.

 

[49] الموازين لابن النحاس ص17.

 

[50] مسلم كتاب الإيمان حديث 49.

 

[51] مسلم بشرح النووي ج2 ص 23.

 

[52] سورة البينة آية (5).

 

[53] البخاري مع الفتح ج1 حديث 1.

 

[54] مختصر منهاج القاصدين ص164.

 

[55] سورة طه آية (43: 44).

 

[56] سورة النحل آية (125).

 

[57] سورة آل عمران آية (159).

 

[58] مسلم ج4 حديث 2593.

 

[59] جامع العلوم والحكم ج3 ص963.

 

[60] في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب ج4 ص2302.

 

[61] سورة لقمان آية (17).

 

[62] سورة الأحقاف آية (35).

 

[63] سورة المزمل آية (10).

 

[64] مجموع فتاوى ابن تيمية ج28 من ص134 إلى ص 137.

 

[65] تفسير القرآن العظيم ج1 ص383 (طبعة مكتبة أولاد الشيخ).

 

[66] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج1 ص367.

 

[67] سورة المائدة آية (105).

 

[68] تفسير ابن كثير ج5 ص394 (طبعة مكتبة أولاد الشيخ).

 

[69] حديث صحيح (صحيح أبي داود) ج3 حديث 3644.

 

[70] الموازين ص18 إلى ص 21.

 

[71] الموازين- شروط الفعل المنكر- من ص18 إلى ص21.

 

[72] البخاري مع الفتح ج5 حديث 2442/ مسلم ج4 حديث 2580.

 

[73] سورة الحجرات آية (12).

 

[74] مسلم بشرح النووي ج2 ص23، 24.

 

[75] مختصر منهاج القاصدين ص 161 إلى ص164.

 

[76] البخاري مع الفتح ج1 حديث 13/ مسلم ج1حديث 45.

 

[77] سورة الأنبياء آية (67).

 

[78] مسلم ج1 حديث 567.

 

[79] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج4 ص49.

 

[80] مختصر منهاج القاصدين من ص159 إلى ص160.

 

[81] إحياء علوم الدين ج2 ص495 (طبعة دار الحديث).

 

[82] مختصر منهاج القاصدين بتصرف ص160.

 

[83] إحياء علوم الدين ج2 ص504 (طبعة دار الحديث).

 

[84] سورة طه الآيات (43: 48).

 

[85] حديث حسن لغيره/ مسند أحمد ج24 ص48 حديث 15333 (طبعة مؤسسة الرسالة).

 

[86] الآداب الشرعية ج1 ص175.

 

[87] الآداب الشرعية ج1 ص176.

 

[88] البخاري مع الفتح ج13 حديث 7053/ مسلم ج3 كتاب الإمارة حديث 56.

 

[89] فتح الباري ج13 ص9.

 

[90] البخاري مع الفتح ج13 حديث 7055/ مسلم –كتاب الإمارة حديث 42.

 

[91] مسلم بشرح النووي ج12 ص229.

 

[92] مسلم بشرح النووي ج12 ص229.

 

[93] مجموع فتاوى ابن تيمية ج14 ص472.

 

[94] الموازين لابن النحاس ص34.

 

[95] جامع العلوم والحكم ج3 ص955.

 

[96] الآداب الشرعية ج1 ص175.

 

[97] مختصر منهاج القاصدين ص169.

 

[98] إحياء علوم الدين ج2 ص496 (طبعة دار الحديث).

 

[99] سورة الأعراف الآيات 59 إلى 64.

 

[100] سورة الأعراف الآيات من 65 إلى 68.

 

[101] سورة مريم الآيات من 41 إلى 48.

 

[102] سورة الأعراف الآيات من 85 إلى 87.

 

[103] سورة طه من الآية 43 إلى 48.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات