طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > من أسباب شيوع الأخطاء اللغوية

ملتقى الخطباء

(249)
6478

من أسباب شيوع الأخطاء اللغوية

1441/04/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

د. أحمد بن المبارك أبو القاسم

 

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والصَّلاة والسَّلام على أشْرف المرْسَلين وآلِه وصحْبِه أجْمعين، والتَّابعين لهم بإحْسان إلى يوم الدّين.

 

 

تَحيَّة إسلاميَّة مباركة طيِّبة، إلى كافَّة أعضاء منتدى المجلس العلمي خاصَّة، وإلى زوَّارِه وروَّاده وقرَّائه عامَّة، ورمضان مبارك.

 

 

 

أمَّا بعد:

فقد رأيتُ من واجِبِي الإسْهام في هذا المنتدى المبارَك بِما تيسَّر من علوم اللّغة العربيَّة وآدابها، على شكل مقالات شبكيَّة، أو “إلكترونية” قصيرة؛ لأستفيد وأفيد، وأسأل الله – تعالى – لي ولكم التَّوفيق والرَّشاد، وأن تنتفِع الأمَّة الإسلاميَّة بهذا الموقع النيِّر، وأمثالِه.

 

 

 

وأودّ أن أبدأ هذه المقالات بهذا العنوان، ومُحْتوياته:

 

من أسباب شيوع الأخْطاء اللغويَّة:

 

لقد شاعَ في اللُّغة العربيَّة أخطاء كثيرة، لا تعدّ ولا تُحصى، فاهتمَّ بعض العلماء – قديمًا وحديثًا – بِجمعها وتصنيفِها، والتَّنبيه عليها، والإرشاد إلى الصَّواب فيها، ولسْنا بصدَد ذلك الآن؛ فسيأتي أوانه – إن شاء الله – فما هي أهمّ الأسباب التي أدَّت إلى شيوع هذا الكمّ المزعِج من الأخطاء في لغة الضَّاد، لغة آخِر رسالات الله – عزَّ وجلَّ – المنزَّلة على خاتم الأنبِياء والمرسلين ليبلغها عباد الله؟

 

 

 

وفيما يأتي جُملة من هذه الأسباب:

 

أوَّلاً: قد تسرَّب إلى لغة العرب مِن بعض العرَب أنفُسهم بعضُ الأخطاء، ولكنَّها النَّادر الَّذي لا اعتبار به؛ لأنَّها غير مخلَّة بنظام اللّغة العام، وقد أدْخل العلماء ذلك فيما سمَّوا بالشَّواذّ، وإن لم يكن الشَّاذُّ في حدّ ذاتِه خطأ شنيعًا، كما أنَّه ليس كلّ شاذٍّ خطأ.

 

 

 

وجدير بالإشارة هنا أنَّ القرآن الكريم والحديثَ النبويَّ قد أهملا تلك الشواذَّ كلَّها، إلاَّ ما له تَخريج يُخرجه من دائرة الشواذّ الممقوتة؛ ولذلِك رفض العُلماء بعض القراءات الَّتي تَجاوزت حدَّ الشّذوذ الَّذي هو مجرَّد خلاف نطقي أو حرفي أو حركي، غير قادح في أصْل المعنى، ولا عائق في تأديته.

 

 

 

ثانيًا: بعد انتِشار الفتوحات الإسلاميَّة اختلط العرب بكثيرٍ من الأجانب الَّذين هداهم الله إلى الدّين الحنيف، وحملَهم شغفُهم لفهم رسالة الإسلام على تعلُّم اللغة العربيَّة، ولكن هذا التعلّم إنَّما هو ارْتِجالي لَم تُعَدَّ له عدَّته وأدواته، بل هو شفوي يتلقَّى بالاختِلاط والمعاشرة والسَّماع؛ ولذلك شاعت الأخطاء في كلام المسلِمين الأعاجم؛ لعجْزِهم عن التِقاط الأصوات العربيَّة والتلفُّظ بها كالعرب، فاضطرَّ العلماء إلى إعْداد قواعدَ وضوابِط لقراءة القرآن سالمًا من الأخطاء والتَّحريف، وللمحافظة على سلامة اللغة العربيَّة، وتيسير تعلُّمها لغير العرب، والنَّاشئين بينهم.

 

 

 

ثالثًا: عرف العصر العبَّاسي قفزة حضاريَّة عالية، وصلتْ بالمجتمع الإسلامي إلى أوْج الحضارة الإنسانيَّة المركَّبة من جَميع أجناس الحضارات السَّابقة، الَّتي أصبحتْ بالتَّرجمة والنقل مسلمة رغم أنفها، وحضارة واحدة متكاملة، وبلغة واحدة لا ثانية لها، وكان لترجمة علوم الأمم السَّابقة أثرٌ واضح على كثيرٍ من أساليب اللّغة العربيَّة، ولا بدَّ من التَّذكير – إلى جانب هذا التَّأثير – بدور الثورة الشعوبيَّة العمياء الشَّنيعة، الَّتي حاول المروِّجون لها النَّيل من كلّ ما هو عربي، بما في ذلك اللّغة، ولكنَّ العلماء ذوي النَّزاهة والورَع – وأغلبهم من غير العرَب – كانوا بالمرصاد، فهبّوا لجمع المادَّة اللغويَّة، والكشْف عن أسرار اللُّغة العربيَّة وخصائصها، فجمعوا وألَّفوا ووصفوا وقعَّدوا وضبطوا، ولَم يسمحوا لأيْدي الضَّياع والرَّكاكة والدَّخيل لتمتدَّ إلى أصول اللُّغة العربيَّة ونظامها، وأسس روعتِها وجمالها، ورونق أساليبِها.

 

 

 

رابعًا: في عصر الانْحطاط – وما أدراك ما عصر الانحطاط؟! – دبَّ إلى اللّغة العربيَّة فساد كبير، وسرى في كيانِها سمُّ العجْمة القاتِل، فتجمَّدت دماؤها، وذبل جَمالها، فتحوَّلت إلى تُحَف من الأحاجي والألغاز، وميْدانًا للتَّباري في تكْديس الغريب، ركامًا بعضه فوق بعض، فامتدّ على النَّعش رونقُها وسلاستها، وأسرار بلاغتها وروعة تراكيبها، ودلالة إعرابها، وسرّ فصاحتها، لوْلا أن أنقذها الله من مَخالِب الجهل والفناء، فقيَّض لها رجالاً نفخوا فيها الرّوح ولقحوها بِمصول من أصولها، فاهتزَّت وربَت، فنمتْ وترعْرعتْ، وأثْمرت فأنارت بعد أن كانت رمادًا تنسف منه عواصف الجهل أزْيد من ثلاثة قرون على الأقلّ.

 

 

 

خامسًا: بذل بعض روَّاد النهضة العربيَّة المخلصين، الَّذين قيَّضهم الله لإنقاذ الأمَّة – قُصارى جهودِهم لإحْياء اللُّغة العربيَّة، وإعادة أُسُسها المقوَّضة، وتَخليصها من الشَّوائب، وعواقِب عصور الانْحِطاط، ولكن ظهر إلى جانبِهم – ويا للأسف – دعاة التَّغريب والعلمانية، وهُم الَّذين يزعُمون – مفترين – أنَّ اللّغة مجرَّد وسيلةٍ للتَّعبير كيْفما اتَّفق، لا داعيَ للحِرْص على نظامها وقواعدها مادام المقْصود يتحقَّق بأيّ شكْلٍ من أشْكال التَّعبير: قومي – وطني – جهوي – محلّي – غربي.

 

 

 

فنادى بعضُهم إلى ماسمَّاه: “البلاغة العصريَّة”، وبعضُهم إلى ما سمَّاه: “اللّغة الثالثة”، بل نادَى بعضُهم – بكلّ وقاحة – إلى ضرورة كتابةِ اللُّغة العربيَّة بالحرْف اللاتيني لتسهل قراءتُها على الجميع.

 

 

 

سادسًا: الاستِشْراق؛ لا أحد يَجهل جهودَ بعْض المستشْرقين ذوِي النيَّات العلميَّة الحسنة، ودوْرهم في البحْث العلمي في التُّراث العرَبي الإسلامي، ولكن لا يَنبغي أن نغترَّ ببعْض النّيَّات الحسنة فنزكِّي كلَّ مَن هبَّ ودرجَ باسم الاستِشْراق؛ فقد وقع المستشْرِقون في أخطاء علميَّة كثيرة، ومزالِق منهجيَّة خطيرة، فيما أنْجزوه عن الحضارة الإسلاميَّة، بما في ذلك البحْث اللّغوي والأدبي اللَّذين ارتكبوا فيهِما – عن جهلٍ في الغالب، أو عن قصدٍ – ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى من الأخطاء الفاحشة، فتارةً يتوهَّمون، وتارة يدَّعون، وأخرى يَقيسون قياسًا فاسدًا على لغاتِهم وأفكارِهم وآدابِهم، وتارة يؤوِّلون القضايا بِحسب أهوائهم، والطامَّة الكبرى أنَّنا نزكِّيهم في انحرافهم، ونقلّدهم في مزالقهم، ونهفو إلى هفواتهم، ونعتبِرهم نَماذج راقية في البحوث اللغويَّة والأدبيَّة، لا يَجوز الطَّعن فيها كأنَّها وحي منزَّل، وهم في نظَر البلهاء منَّا أفْضل من علمائِنا الأفْذاذ، فجنيْنا بذلك على أصالة لغة القرآن جناية لا تُغْتفر، ومن الصعب تفادي ما وقعْنا فيه من عواقبِها الوخيمة، تَجني الأجْيال ثِمارَها السَّامَّة.

 

 

 

سابعًا: وسائل الإعلام الحديثة بِمختلف أنواعها؛ فقد اتَّفقتْ جميعًا على مسْخ اللّغة العربيَّة، وتسْمية الأشْياء بغيْر مسمَّياتها، وتَهجين المعْجم اللّغوي فيها، وتغْليب الألْفاظ الأجنبيَّة على العربيَّة، وإلغاء الإعْراب تمامًا، سواءٌ في الإذاعة أو التليفزيون أو السينما.

 

 

 

أمَّا الصَّحافة، فهي السَّخافة بعيْنِها، وجَميع جوارحِها، وجُلّ الكتَّاب فيها كالمُذيعين أرْباع أمِّيين، حظُّهم من اللغة العربيَّة تصوير حروفِها.

 

 

 

ثامنًا: الكتاب المدْرسي: هذا السُّمُّ الخطير الَّذي تتجرَّعه الأجيال فيَهُدّ من هويَّتها، ويعقد من ألسنتِها، ويعمّق عجمتها، هو من أخطر أسباب شيوع الأخْطاء اللغويَّة؛ وذلك أنَّه:

 

1- كلّ مقرَّر مدْرسي مكتوب بالحرْف العربي فنصيب اللّغة العربيَّة فيه إنَّما هو الحروف؛ وذلك أنَّ التَّساهُل في التَّنازُل عن المستوى اللّغوي كلَّ سنة – تحتَ غطاء ضعْف مُسْتوى المتعلِّمين – جعلَ الكتاب المدْرسي جهالةً يَحتسيها المتعلِّمون بالتَّدريج، سنة بعد أُخْرى، فماذا ينتظَر من مستوياتِهم اللّغويَّة؟!

 

2- إسْناد تأليف الكتاب المدْرسي إلى مجموعةٍ من المرتزقة المحظوظين، الَّذين لا صِلة لهم بالعِلْم إطْلاقًا، فضلاً عن علوم اللُّغة العربيَّة؛ ولذلك فإنَّ فاقِد الشَّيء لا يُعطيه.

 

3- كثيرٌ من مدرّسي اللغة العربيَّة منذ الرّبع الأخير من القرْن الماضي أجهلُ النَّاس بعلوم اللغة العربيَّة، بل يُعاديها كثيرٌ منهم لعجْزِه عن إدْراك كنهِها، ولتخلُّفه في تعلُّمها والقدرة على التَّعبير بها؛ ولذلك يَعيبها ويَسِمها بالتخلُّف، وينعَت أساليبها بالغموض والتحجُّر.

 

 

 

تاسعًا: تقصير الجامعات العربيَّة في تدْريس علوم اللّغة العربية؛ إنَّ كثيرًا من الجامعات العربيَّة اهتمَّت باللغات الأجنبيَّة وأهملت علوم اللّغة العربيَّة، كلاًّ أو بعضًا، بِحيث لا تُذْكَر اللّغة العربيَّة في جلّ الشُّعب الدّراسيَّة، وما يقدَّم في كثيرٍ من شُعَب اللّغة العربيَّة لا يَمتُّ إلى اللّغة العربيَّة بصلة؛ لأنَّه يعتمد المناهج والمراجع الغربيَّة، ويُهْمل المناهج والمصادر العربيَّة الأصيلة والأصليَّة؛ والسَّبب الرئيس في ذلك: ضحالة مستوى المدرّسين وجهلهم باللغة العربيَّة، بل وتحامُل بعض المستغْربين المستلَبين منهم على لغة القرآن، واتّهامها بالعجْز والقصور، وهُم صمٌّ بُكْم عمْي عن الحقيقة والواقع.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات