طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > اللغة العربية في نظر السلف الصالح

ملتقى الخطباء

(175)
6443

اللغة العربية في نظر السلف الصالح

1441/04/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

عرفان عبدالدايم محمد أحمد عبدالله

 

 

“ما ذلَّتْ لغةُ شعب إلا ذلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمره في ذَهاب وإدبار”؛ مصطفى صادق الرافعي.

 

ملخص البحث:

جاء هذه البحث ليضع بين يدي القارئ الكريم مجموعة نقاط أساسيَّة، تدور حول اهتمام السلف الصالح باللغة العربية، وجاء هذا البحث في مقدمة، وأربعة مطالب وخاتمة، في المقدمة بيَّن الباحث خُطَّة البحث، وفي المطلب الأول: حِرْص السلف الصالح على اللسان العربي الفصيح، وتحدَّث الباحث فيه عن الآثار الواردة عن سلفنا الصالح في حبِّهم للغة العربية، واهتمامهم بها، وحثهم على تعلُّمها.

 

والمطلب الثاني:

نظرة إلى أسباب نشأة النحو العربي ومفهومه، وفيه تكلَّم الباحث عن المفهوم الرشيد للنحو، وأسبابه ونشأته، وعن قضيَّة تأثُّره بالعلوم اليونانيَّة أو غيرها، وخلص إلى أن النحو علم عربي خالص النشأة، ولكنه تأثَّر بالمنطق اليوناني تأثُّر تطوُّر، والمطلب الثالث: نظرة إلى الترجمة، ومدى جدواها في حياة المسلم، وذكَر البحث بعض المسلَّمات، منها: أن الترجمة من لغة إلى لغة – مهما تكن دقتها – لا تحمل كل ما في اللغة الأم من معانٍ، خاصة إذا كانت اللغة الأم أقل ثراء من اللغة المُترجَمة، ثم ساق البحث قضية من القضايا الفقهيَّة للتدليل على أنه لا بديل للمسلم – أي مسلم – عن تعلُّم اللغة العربيَّة؛ لأنها لغة دين، وأما المطلب الأخير، فقد مال إلى الشِّق التربوي، ليبين جهد سلفنا الصالح في قضية تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، (ابن خلدون نموذجًا) وتبيَّن من العَرْض أنه تَعامَل مع اللغة من ناحية سلوكيَّة، تعتمد على حفظ النصوص، وتحليلها وفَهْمها، وهذا يُسمَّى عنده “صفة” والمداومة على ذلك تنقُل المتعلِّم من الصفة إلى “الحال”، ثم إلى “الملكة”، وكان المطلب الرابع بعنوان تربية الملكة اللسانية عند ابن خلدون، ثم جاءت خاتمة البحث، وفيها ذِكْر لنتائج البحث، ومنها الترجمات لا تفي بحاجات الأمم، خاصة أمة الإسلام، وهي سبب من أسباب تمزُّقها وضعْفها وإصلاح اللغة العربيَّة لن يكون من منطلق فردي، وإن كانت المُنطلَقات الفرديَّة مهمة، ولم يكن السلوكيون أسبق إلى نظريَّتهم من علمائنا، فنظرية المَلَكة اللسانيَّة عند ابن خلدون، تُعبِّر عن الفكرة نفسها.

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، منزل الكتاب بلسان عربي مبين، وأصلي وأسلِّم على خير خلقه أجمعين، معلم البشريَّة الخير، ومُخرِج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط الله العزيز الحميد.

 

وبعد، فإن اللغة هي الشاهد على النصر، وهي هويَّة أبنائها؛ لأنها وعاء الثقافة، ومعيار القوة والضَّعف لأي مجتمع من المجتمعات، فإن كان المجتمع قويًّا كان للغته القوة، وإن كان ضعيفًا كان للغته الضعف، والدلائل على ذلك كثيرة.

 

ونحن المسلمين يجب علينا أن ننظر إلى الوراء قليلاً لنتعرَّف على اعتناء السلف الصالح باللغة العربية، وحرصهم عليها، لنجسَّد واقعنا، وننطلق منطلقًا صحيحًا في تصحيح مسار هذه اللغة.

 

ويأتي هذا البحث في مقدمة وأربعة مطالب، وخاتمة:

المطلب الأول: حرص السلف الصالح على اللسان العربي الفصيح.

المطلب الثاني: نظرة إلى أسباب نشأة النحو العربي، ومفهومه.

المطلب الثالث: نظرة إلى الترجمة، ومدى جدواها في حياة المسلم.

المطلب الرابع: تربية المَلَكة اللسانية عند ابن خلدون.

 

المطلب الأول: حرص السلف الصالح على اللسان العربي الفصيح:

اللغة العربية من ثوابت الأمة الإسلاميَّة، لا يمكن أن تتخلَّى عنها، بل إن تعلُّمها واجب على المسلم؛ لأنها أداة الدين، ولا يَصِل إنسان إلى فَهْم هذا الدين فهمًا صحيحًا إلا عن طريق هذه اللغة الغراء، ومن القواعد الفقهية “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، وفَهْم الدين لا يكون إلا باللغة العربية؛ لذا فتعلُّمها واجب على كل مسلم، وقد حرص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ذلك أشد الحرص، حتى إنه سمع رجلاً يَلحَن فقال: ((أرشدوا أخاكم))؛ (كنز العمال، 1989م، رقم الحديث 2809) وفي رواية ((فقد ضل)).

 

وكان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يأمر أصحابه أن يتعلَّموا العربية، كما كان يأمرهم أن يتعلَّموا الفرائض، فكان يقول: “تعلَّموا العربية؛ فإنها من دينكم، تعلَّموا الفرائض؛ فإنها من دينكم”، فقدَّم – رضي الله عنه – تعلُّم العربية على تعلُّم الفرائض، لما يعلمه لها من فضل في معرفة الدين والفقه.

 

كما روي عنه أنه مرَّ على قوم يرمون نبلاً فعاب عليهم، فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين، “إنا قوم متعلمين” – والصحيح، مُتعلِّمون فقال: لحْنكم أشد عليَّ من سوء رميكم، سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((رحِم الله امرأ أصلح من لسانه))؛ (اتفاق المباني، 1985م، ص137).

 

ومما روي عنه أيضًا، وقد كان حريصًا على ضبْط اللسان العربي؛ لأنه الوعاء الذي نزل به القرآن، والسبيل الأول إلى فَهْمه فهمًا صحيحًا، واستنباط أحكامه استنباطًا سديدًا – أن الحصين بن أبي الحر، وقيل: أبو موسى الأشعري – أرسل إليه كتابًا، فلحن في حرف فيه، فكتب إليه عمر – رضي الله عنه -: أن قنِّع كاتبك سوطًا؛ (البيان والتبيين، 1968م، ص321)، وفي بعض الروايات أمر بعزله.

 

وكان الحسن بن أبي الحسن – من التابعين – إذا عثَر لسانه بشيء من اللحن، قال: أستغفر الله، فسئل في ذلك، فقال: مَن أخطأ فيها – أي في العربية – فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءًا، والله – عز وجل – يقول: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110].

 

وكان الفراء يُفضل النحو على الفقه، وروي عنه أنه زار محمد بن الحسن، فتذاكرا في الفقه والنحو، ففضَّل الفراء النحو على الفقه، وفضَّل محمد بن الحسن الفقه على النحو، فبدأ الفراء يُدلِّل على صحة قوله، فقال: قَلَّ رجل أنعم النظر في العربية، وأراد علمًا غيره إلا سَهُل عليه.

 

فأراد محمد بن الحسن أن يُبطِل حجَّتَه، فقال له: يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية، وأسألك عن باب من الفقه، فقال الفراء: هات على بركة الله، فقال ابن الحسن: ما تقول في رجل صلى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو، فسها فيهما؟ فتفكَّر الفراء ساعة، ثم قال: لا شيء عليه، فقال له محمد: ولمَ؟ قال: لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدتا السهو تمام الصلاة، وليس للتمام تمام، فقال محمد بن الحسن: ما ظننتُ أن آدميًّا يَلِد مثلك؛ (معجم الأدباء، 1993م، 1: 17).

 

وكان الإمام الشافعي يتكلَّم عن البدع، فسئل عن كثرتها في زمانه، فقال “لبُعدْ الناس عن العربية”، وقد عدَّ الإمام ابن تيميَّة تعلُّم اللغة العربية من الفروض الواجبة، فقال: “إن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فَهْم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهَم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”؛ (اقتضاء الصراط، 1419هـ – 1999م 1: 424)، وأما الإمام ابن حزم، فقد ألزم من أراد أن يتعلَّم الفقه تعلُّم النحو واللغة، فقال “لزم لمن طلب الفقه أن يتعلَّم النحو واللغة، وإلا فهو ناقص مُنحط لا تجوز له الفُتيا في دين الله – عز وجل”؛ (الإحكام، مطبعة العاصمة بالقاهرة،1: 208).

 

وفي هذا العصر أضحى كثير من الناس يتعلَّمون الفقه، ويتركون اللغة والنحو، ولهذا السبب كثرت زلاتهم؛ لأنهم تركوا أداة فَهْم الدين.

 

ولما كان عصر الدولة الأموية، وبدأ اللحن يظهر وينتشر، إلى أن وصل الأمر أن يُعَد مَن لا يلحن، فقالوا: أربعة لم يلحنوا في جِد ولا هزل: الشعبي، وعبدالملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية، والحجاج أفصحهم، يأتي الخليفة المثقَّف عبدالملك بن مروان ويقول: “اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب، والجُدَري في الوجه”؛ (العقد الفريد، 1404 هـ = 1983م، 308: 2).

 

ولما قيل له: “لقد عجل إليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيَّبني ارتقاء المنابر، وتوقُّع اللحن”؛ (العقد الفريد،2: 308).

فالنحو يبسُط من لسان الألكن

والمرء تُكرِمه إذا لم يلحنِ

فإذا طلبتَ من العلوم أجلَّها

فأجلُّها منها مقيمُ الألسن

 

بل إن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: “لَعِلمُ العربية هو الدين بعينه، فبلغ ذلك عبدالله بن المبارك، فقال: صدق؛ لأني رأيت النصارى قد عبدوا المسيح لجِهْلهم بذلك، قال الله – تعالى – في الإنجيل: ((أنا ولَّدتك من مريم، وأنت نَبِيي))، فحسبوه يقول: أنا ولَدتك، وأنت بُنَيي، بتخفيف اللام، وتقديم الباء، وتعويض الضمة بالفتحة، فكفَروا”؛ (معجم الأدباء، 1: 10).

 

ولم نكن – نحن أبناء الإسلام – بمعزِل عن هذا التحريف والزيغ، لولا أن الله – عز وجل – تكفَّل بحفظ دينه وكتابه الكريم، وهيَّأ لأبناء هذه الأمة من العلماء مَن يحفظون لهم دينهم، ويُدوِّنون لهم عِلمَهم، فهذا الأعرابي يسمع القارئ يقرأ قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3][2] ، بكسر اللام، فقال أوَبرِئ الله من رسوله؟ فبلغ ذلك عمرَ بن الخطاب – رضي الله عنه – فأمر ألا يقرئ القرآن إلا مَن يُحسِن العربيَّة”؛ (صبح الأعشى، 1987م،1: 206).

 

فالقارئ إذا قرأ: “أن الله بريء من المشركين ورسولُه”؛ بالرفع في رسوله، “فقد سلك طريقًا من الصواب واضحًا، وركب منهجًا من الفضل لائحًا، فإن كسر اللام من “رسولِه” متعمِّدًا كان كفرًا بحتًا”؛ (معجم الأدباء، 1: 10).

 

وكانت هذه هي البداية التي جاءت في إثرها علوم العربية، وخاصة النحو الذي تكاد تُجمِع الروايات على أنه نشأ تلبية لحاجات المجتمع الإسلامي، والذي بات اللحن فيه ظاهرة تُخشى – أو قل إن شئتَ -: باتت تُهدِّد اللسان العربي، وهذا هو موضوع المطلب الثاني.

 

المطلب الثاني: نظرة إلى أسباب نشأة النحو العربي ومفهومه:

إن ظاهرة تفشي اللحن في البلاد الإسلاميَّة، والتي كانت نتيجة طبيعيَّة لانتشار الإسلام بين الأعاجم، كانت السبب الرئيس في نشأة النحو، ونشأ النحو بمفهوم أرشد مما هو عليه الآن، فالنحو عند نشأته كان يُقصَد به “ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه تُفهَم معاني الكلام التي يُعبَّر عنها باختلاف الحركات، وبناء الألفاظ”؛ (الإحكام، 2: 693)، وحذَّر أبو حامد الغزالي بقوله: “يفهَم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميِّز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامِّه وخاصه ومُحكَمه ومتشابهه ومُطلَقه ومقيَّده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه”؛ (المستصفى، 12: 4).

 

فكان مقصود النحو أوسع مما هو عليه الآن، وكان يُسمى علم العربية، وليس مقصورًا على العلامة الإعرابيَّة التي تكون على أواخر الكلمات فحسب، بل إن نظرتنا إلى النحو على أنه العلم بضبط أواخر الكلمات تُعَد شلاًّ للنحو، وذَهابًا بقيمته العلميَّة، ونحن نحتاج إلى أن نعود ببحثنا النحوي وتعليمه من الطلاب في الجامعات إلى حقيقته التي بدأها سيبويه، وقد اختلف المؤرخون في واضع النحو الأول، لكنهم اتفقوا – أو كادوا أن يتَّفِقوا – في سبب الوضع، وهو تفشِّي اللحن، وقد وقف العلماء من نشأة النحو مواقف مُتباينة، فمنهم من جعلها نشأة عربيَّة خالصة، وأن النحو قد نبت عند العرب كما تنبُت الشجرة في أرضها، وأنه أنقى العلوم العربيَّة عروبة، ومنهم من جعل النحو نقلاً عن اليونان وغيرهم من الهنود والسريان، ولا ناقة فيه للعرب ولا جمل”؛ (النحو العربي، 1979 م).

 

وفكرة تأثُّر النحو العربي بالمنطق اليوناني وغيره، سواء الطبيعي منه أو الصوري أخذت مساحة كبيرة من الدراسات العربية، وكُتبت فيها البحوث والرسائل العلمية، وقد يكون مؤيدوها أكثر من معارضيها، رغم أن أول كتاب في النحو لسيبويه، المتوفى على أرجح الأقوال 180هـ، والذي يُعَد كتابه دستور النحو العربي، أو قرآن النحو العربي، بينما لم تُترجَم كتب المنطق اليوناني ترجمة مُنظَّمة إلا في عهد المأمون، الذي حكم من عام 198 إلى 218 من الهجرة النبوية؛ أي بعد ثمانية عشر عامًا من موت المؤلف الأول للنحو، وإن وجدت تَراجم قبل هذا العهد، لكنها كانت لكتب الطب والكيمياء، وكانت هذه الترجمة بأمر من خالد بن يزيد، ولم تُنظِّمها الدولة، مما جعلها محدودة.

 

وما نَميل إليه أن نشأة النحو هي نشأة خالصة العروبة، ولكن الدراسات النحْويَّة تأثَّرت بالمنطق والفلسفة والعلوم اليونانيَّة بعدما نُقِلت إلى العربية في عهد المأمون، فالتأثر تأثُّر تطور وليس تأثر نشأة.

 

ولو نظرنا إلى كتاب سيبويه لوجدناه بعيدًا كلَّ البعد عن المنطق اليوناني، وأنه كان يَصِف الظواهر اللغويَّة ليَصِل منها إلى القواعد الكليَّة، فانظر – مثلاً – إلى تعريف الجملة عند سيبويه، سوف تجده تعريفًا وصفيًّا، وليس تعريفًا معياريًّا محدَّدًا كما هو الحال في المنطق، فسيبويه يعرفها على أنها: المسند والمسند إليه، ثم يَصِف المُسنَد والمسند إليه فيقول: “وهما ما لا يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدًّا، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه، نحو قولك: عبد الله أخوك، وهذا أخوك، ومثل ذلك: يذهب عبد الله، فلا بد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بُد من الآخر في الابتداء”؛ (الكتاب 1408هـ 1988م،1: 23)، فسيبويه هنا وصف ولم يُعرِّف، وهو أبعد ما يكون عن تعريفات علم المنطق، ثم جاء المبرد (ت: 285)، وأضاف أنها الفعل مع الفاعل، وعلَّل ذلك بقوله: “لأنها جملة يَحسُن السكوت عليها، وتجب بها الفائدة للمخاطب”؛ (المقتضب،1: 146)، فالمبرد هنا يَنصُّ على أن شرط الجملة عنده أن تفيد فائدة يَحسُن السكوت عليها، ويُعَد أوَّل من استخدم مصطلح الجملة المفيدة هو ابن السراج (ت: 316هـ)، وهي عنده تتكوَّن “فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر”؛ (الأصول، 1: 64)، ويُعَد المصطلح حتى هذا العصر مجرَّد وصف يَصدُر من العلماء.

 

إلا أنه بنشاط حركة الترجمة تمت المزاوَجة بين العلوم، فكل علمٍ أخذ من الآخر ما يُناسبه ويبلِّغه الكمال، ومع بداية القرن الرابع الهجري بدا تأثُّر النحاة بالمنطق اليوناني واضحًا في مصطلحاتهم وبعض تفريعاتهم، حتى قال أبو حيان: “لولا أن الكمال غير مستطاع، لكان يجب أن يكون المنطقي نحْويًا، والنحوي منطقيًّا”؛ (المقتبسات، ص 123).

 

فلو سلَّمنا بهذا التأثر لقلنا: إنه تأثر في الاصطلاحات، “وفيما عدا ذلك – كما يقول كارل بروكلمان – لا يمكن إثبات وجوهٍ أخرى من التأثر الأجنبي، لا من القواعد اللاتينية، ولا من القواعد الهندية”؛ ( تاريخ الأدب، 2: 124).

 

وهنا يكون الصَّرح النحوي قد استوى على سوقه، يُعجِب اللغويين، ويغيظ المناطقة وأصحاب النظريات الجدلية، وهنا نُدرِك أيضًا العناء الذي واجهه النحاةُ في بناء هذا الصرح الممرَّد بلآلئ العلم، ولكن يعن لنا – هنا – بعض الأسئلة، وهي: هل يجوز لنا أن نُفرِّط في هذا البناء الشامخ، ونستخدم لغات أو لهجات بعيدة كل البُعد عن رُوح اللغة العربية الفصحى؟ أو هل يَصِح لنا أن نتخلَّى عن هذا التراث العظيم، لندرس الفقه والتفسير والحديث، بلغة غير اللغة العربية؟ أو بصيغة أخرى: هل تكفي ترجمة اللغة العربية إلى اللغات الأخرى لنفهم بها هذا التراث العظيم؟ وللإجابة عن هذا السؤال ننتقل إلى المطلب الثالث.

 

المطلب الثالث: نظرة إلى الترجمة، ومدى جدواها في حياة المسلم:

وننطلق في هذا المطلب من بعض المُسلَّمات:

المسلمة الأولى: أن اللغة العربيَّة هي أكثر لغات العالم ألفاظًا، وأوسعها معاني.

 

المسلَّمة الثانية: أن الترجمة من لغة إلى لغة – مهما تكن دقتها – لا تحمل كل ما في اللغة الأم من معانٍ، خاصة إذا كانت اللغة الأم أقل ثراء من اللغة المترجمة.

 

المسلمة الثالثة: أن المسلِم يتعبَّد الله باللغة العربية، ولن تَسلَم له العبادة إلا بتعلم العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فقيامه واجب.

 

المسلمة الرابعة: لو سلَّمنا بجواز ترجمة القرآن بالمعنى، فكلٌّ يُترجِم حسب فَهْمه، ومن ثم تختلف الترجمات، فأي الترجمات تُمثِّل القرآن!

 

المسلمة الخامسة: لا تجوز خطبة الجمعة بغير العربيَّة إلا لضرورة، ويجب على المسلم – كل مسلم – أن يسعى في إزالة الضرورات؛ لأن الضرورات حالات استثنائية، لا ينبغي لها أن تدوم.

 

وكان المسلمون الأوائل إذا دخلوا بلدًا عرَّفوا أهله أحكام الدين وعباداته، ثم علَّموهم لغته – اللغة العربية – إلى أن غلب العجم على العرب، وسلبوهم المُلْك، فوقفت الدعوة، وضعف العلم بالعربية، حتى جاء الترك، فمنعت حكومتهم اللغة العربية، لقطع صِلة رعاياها بالدين، وإبعاد الناس عن تراثهم وثقافتهم؛ ( تفسير المنار، 1367 هـ، 9: 210).

 

وهنا سأكتفي بتوضيح مسلك من مسالك المسلِم في حياته مع ربه – عز وجل – لنتعرَّف على مدى جدوى هذه الترجمات في حياة المسلم، وهذا المسلك يتكرَّر في حياة المسلم مرة واحدة كل أسبوع، ألا وهو: “خطبة الجمعة”، فهل تجوز بلغة غير العربية أم لا؟

 

الحنفية قالوا: “تجوز الخطبة بغير العربية، ولو لقادر عليها سواء كان القوم عربًا أو غيرهم”؛ (الفقه على المذاهب الأربعة، 1424 هـ 2003 م، 1: 355)، ودليلهم يعتمد على الرأي، وهو أن المقصود الموعِظة، وهي مشتركة بين اللغات.

 

إلا أن الإمام محمد رشيد رضا – صاحب المنار في تفسير القرآن – ذكَر أن هذا قول شاذٌّ، وأن الإمام أبا حنيفة – رضي الله عنه – رجع عنه، ولم يُجِزه إلا في الضرورة الشخصية؛ ( تفسير المنار، 9: 213).

 

فالحنفية إذًا لا يجيزون الخطبة بغير العربية مطلقًا، وإنما يُجيزونها لضرورة فقط.

 

وأما المالكية، فيشترطون في الخطبة أن تكون باللغة العربية؛ لأن وقوعها بغير العربية لغو، ولو كان القوم عجمًا لا يعرفون العربية، والخطيب يعرفها ويعيها وجبت عليهم، ولا يكفي أن يُلقيها من غير فَهْم، فإن لم يوجد فيهم من يُحسِن العربية بحيث يؤدي الخطبة بها سقطت عنهم الجمعة؛ (الموسوعة الفقهية، 19: 180 و35: 283)، (الفقه على المذاهب الأربعة،1: 355)، وكان الإمام مالك يقول: “مَن تكلَّم في مسجدنا بغير العربية أخرجناه منه”، فكيف بمن خطب؟!

 

فالجمعة تَسقُط عند المالكية عمن عجز عن العربية، وكفى بهذا الحكم عقابًا لمن ترك اللسان العربي.

 

أما الحنابلة فقالوا: “لا تَصِح الخطبة بغير العربية، إن كان الخطيب قادرًا عليها، فإن عجز عن الإتيان بها أتى بغيرها مما يُحسِنه، سواء كان القوم عربًا أو غيرهم، ولكن الآية التي هي ركن من أركان الخطبتين لا يجوز له أن يَنطق بها بغير العربية، فيأتي بدلها بأي ذكْر شاء بالعربية، فإن عجز سكت بقدر قراءة الآية”؛ (الفقه على المذاهب الأربعة،1: 355).

 

فالحنابلة يُجيزون الخطبة بغير العربية للضرورة، ومِثل جواز الخطبة بغير العربية – في هذا المذهب – كمثل جواز أكل الميتة، ويجب على المضطر أن يسعى لإنهاء حالة اضطراره.

 

وأما الشافعية، فقد أخَّرتُ مذهبهم؛ لأنه مذهب البلاد، وهم قد ذهبوا في “الأصح من مذهبهم إلى أنه يشترط أن تكون بالعربية، فإن لم يكن ثَم مَن يُحسِن العربية، ولم يمكن تعلَّمها، خطب بغيرها، فإن انقضت مدة إمكان التعلم – ولم يتعلموا – عصوا كلهم ولا جمعة لهم، بل يصلون الظهر”؛ (الموسوعة الفقهية، 11: 171 و19: 180).

 

فالمذهب الشافعي يُمهِل القوم مدة تكفي لتعلُّمهم العربية، ويجيز لهم الخطبة بغير العربية في هذه المدة، فإن قصروا ولم يتعلَّموها أَثِموا جميعًا، ولا جمعة لهم بعد ذلك حتى يتعلَّموا العربية، ويؤدونها ظهرًا.

 

إلا ما كان من الإمام النووي – غفر الله له – حيث ذهب إلى أن الخطبة بغير العربيَّة مكروهة كراهة تنزيه؛ لأن المقصود الوعظ، وهو حاصل بكل اللغات؛ (المجموع، النووي، 522: 4، والموسوعة الفقهية، 11: 172).

 

وكأن هذا المذهب – غير الإمام النووي – جمع بين مذهبي المالكية والحنابلة، فأجازها في حالة العجز لأجل مسمى، ثم منعها بعد هذا الأجل، وحرمهم منها.

 

إذًا فمعظم الأئمة على منع الخطبة بغير العربية، إلا للضرورة التي يجب أن تزول، والخطبة فرض، فكيف يؤدي المسلم هذا الفرض بغير العربية؟!

 

ناهيك عن أن المسلم الذي يعبد الله بلغة غير اللغة العربية مقطوع عن ثقافته وتُراثه انقطاعًا يُداني التمام، ومن المحال أن تحوي أية ترجمة في العالم هذه الثقافة الإسلامية بأمانة ودقة كما هي، بل إن غالبية البلاد الإسلامية غير العربية – إن لم تكن كلها – تكتفي بترجمة الكتب التي لها صِلة مباشرة بممارسة النُّسك، من صلاة وصيام وحج، أما أنها تترجم التراث بكل ما يَحمِله من سمات العبقرية الإسلامية فلا، هكذا يكون المسلم محرومًا من تراثه وثقافته، مقطوعًا عن عالمه وإخوانه، وقد صرَّح الإمام الشافعي في رسالته “أن إقامة هذا الدين في عباداته وتشريعه وحكومته تتوقَّف على معرفة اللغة العربية، وأن هذه اللغة قد جعلها شرع الإسلام لغة المسلمين كافة وأوجب عليهم تعلُّمَها”.

 

فهذا هو موقف السلف من اللغة العربية؛ ولذا لم يتركوا تعليم العربية للأقدار تديره، أو للأهواء تَعبَث به، وإنما خطوا له خطوطًا، ورسموا له مِنهاجًا لا يقل جدة وصحة عن المناهج “التربولغوية” الحديثة، وقد يكون أبرز مَن اشتغل برأس هذا المِنهاج ابن خلدون، فقد وضح معالم هذا المنهاج، واقترح طرقًا، ونبَذ أخرى، وعمل ابن خلدون كتبت فيه بعض الدراسات، وما زال في حاجة إلى دراسات أخرى، وفي المطلب التالي نعطي نبذة عن بناء المَلَكة اللسانية عنده.

 

المطلب الرابع: تربية المَلَكة اللسانية عند ابن خلدون:

يرى ابن خلدون أن المَلَكة اللسانية في اللغة غير صناعة اللغة، ويُقصَد بصناعة العربية النحو والصرف، أي القواعد؛ لأن المعرفة عن الشيء ليست هي معرفة الشيء نفسه، “فمعرفة قوانين هذه قوانين الملكة ومقاييسها، هي عِلم بكيفية، لا نفس كيفية، فليست نفس المَلَكة، إنما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصناعات علمًا نظريًّا، ولا يُحكِمها عملاً تطبيقيًّا”؛ (المقدمة، 2005م، 5: 306).

 

وهذا ما يأخذ به العلم الحديث، فطرائق التدريس الحديثة تُهمِّش – إن جاز لي استخدام هذا المصطلح – دراسة القواعد، وتجعلها عابرة في ثنايا الدرس اللغوي وتحليله، ويذهب ابن خلدون إلى أن الطريقة المُثلى في تعليم اللغة هي حفظ كلام العرب، وفَهْمه واستيعابه، ثم التفقه فيه، وسوف تكون النتيجة هي إنتاج الكلام العربي.

 

 

وابن خلدون لم يبيِّن لنا ما يحدث داخل المخ الإنساني لكي يصنع لنا من المدخلات اللغوية منتجًا لغويًّا جديدًا، وفي الحقيقة هي عملية مُعقَّدة، ومُعجِزة، وكل ما يكتب حولها فإنه على سبيل الحدس المؤيد بتجرِبة من التجارب التي قد تَصدُق وقد تَكذِب، ولو نظرنا إلى طالب اللغة العربية أو أية لغة من الأعاجم للاحظنا طفوليته في اللغة؛ إذ يسأل عن أشياء تبدو لصاحب اللغة أنها طفولية، وهي كذلك”؛ لأنها نتجت من طفل لغوي.

 

وعلماء التشريح يرون أن اللغة عند الطفل تبدأ بالصرخة الأولى، فهي تعبير منه عن الوحشة التي انتابته بفِقدانه مصدر حياته وأمانه، ثم لا تلبث هذه الصرخة أن تكون هي أداة تعبيره عما يُحِسه أو يتغيَّاه، ثم تنمو عنده مَلَكة الإشارة، فتكون لغته، وفي هذه المرحلة يُحاول الطفل التوفيق بين إشاراته والمصطلحات الخارجيَّة، ثم يحدث العكس، ومما أثبتته التجارب أن إدراك الطفل لما تنطوي عليه الإشارة باليد أو النظر أو الإشارة العامة المتعلِّقة بالذوق العام أسرع من إدراكه لما تنطوي عليه الإشارة المتعلِّقة بالسمع.

 

ثم تأتي مرحلة المحاكاة، فيُقلِّد بعضًا مما يسمعه، وتبدأ هذه المرحلة بأصوات لا تُفهَم، إلا أنها تحمل معاني قد يلتفت إليها ذووه، وقد لا يَلتفتون، وكل هذا ليس إلا محاولات فطرية فطره الله عليه، لتكوين الجهاز الصوتي لديه، ثم تتحوَّل هذه الأصوات غير المفهومة إلى أصوات مفهومة، لكنه لا يعيها أو على الأقل لا يعي أكثرها، ثم تأتي بعد ذلك مرحلةُ الوعي والملاحظة، وفيها يبدأ الطفل في الربط بين الأشياء الماديَّة ومسمياتها، فهو يُدرِك الأسماء قبل الصفات والأفعال.

 

ولوحِظ أن الطفلَ يستخدم صيغةَ الزمن الحاضر، دون الماضي أو المستقبل؛ إذ لا صِلة له بهما، وهو ما يلاحِظه الباحث مع طلابه – أيضًا – فلو قلت لطلاب: كتبت الدرس؟ يرد عليك قائلاً: نعم، أنا تكتب، وهو يريد: نعم، كتبت.

 

وعندما يتجاوز الطفل الحاضر يتجاوزه إلى الماضي؛ “إذ إنه عايَنه وشاهَده، أما المستقبل، فلا علاقة له به، ولا وعي لديه عنه، وعندما يبدأ الطفل التعلم، فإنه يتعلَّم الكتابة ثم القراءة؛ إذ الكتابة وليدة الحِس، والقراءة وليدة الإدراك”؛ (اللغة والنحو، 1952م، 29 – 33).

 

وهذه الظواهر في مجملها تَنطبِق على طلاب العربية من الأعاجم، مع اختلافات طفيفة في وصف الظاهرة، وإن كان يُمثَّل لها بصور أخرى حسب الفئة العمرية؛ إذ عقل الطالب أكبر من عقل الطفل، وإن كان تفكيره في اللغة تفكيرًا طفوليًّا.

 

فابن خلدون يذهب إلى أن السبيل إلى تعلُّم العربية يتمثَّل في تقديم الموضوعات اللغوية الصافية وحِفْظها، وهذا عنده يُسمَّى صفة، وبالتكرار تكون حالاً، فمَلَكة لسانية.

 

ولكنه يشترط شرطًا لكي تتم العملية التعليمية على وجهها الأمثل، هذا الشرط هو تحليل المادة اللغوية وفهمها، بحيث لا يتوقف الأمر عند الحفظ والترديد فحسب، وهذا الذي تفوق به علماء الأندلس – كما أشار ابن خلدون – على غيرهم، فكانت لهم المدرسة اللغوية النحوية المشهورة، يقول ابن خلدون: “وأهل صناعة العربيَّة بالأندلس – يَقصد النحاة – ومُعلِّموها أقرب إلى تحصيل هذه المَلَكة وتعليمها ممن سواهم”؛ (المقدمة، 2005 م، 5: 317)، ثم يُفصِّل في ذِكْر السبب، فيقول “لقيامهم فيها على شواهد الرب وأمثالهم، والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من المَلَكة أثناء التعليم، وهذا السلوك يجمع بين مرحلتي المحاكاة والملاحظة عند الطفل – فتنطبِع النفس بها؛ أي: باللغة – وتستعِد إلى تحصيلها وقبولها، وأما سواهم من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم، فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثًا، وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب، إلا أن أعربوا شاهدًا أو رجَّحوا مذهبًا، من جهة الاقتضاء الذهني، لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه، فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان ومَلَكته”؛ (المقدمة، 2005م، 5: 317 – 318).

 

وبهذا فإن ابن خلدون (ت 727 هـ) بنظريته في اكتساب المََلَكة اللسانية يُعَد – كما قال د. علي مدكور في إحدى محاضراته -: رائد النظرية اللغوية السلوكية، والريادة التي أقصدها ريادة نشأة وليست ريادة تمام وكمال واستواء، ولم تكن بداية هذه النظرية بداية حديثة مع اسكنر والسلوكيين المحدَثين في القرن العشرين كما هو مشهور.

 

ولو دقَّقنا النظرَ في كلام ابن خلدون لوجدنا أن المشكلة التعليمية في المغرب وإفريقية التي – أشار إليها ابن خلدون – هي المشكلة نفسها في ماليزيا، فالمعاهد الدينية، وهي أكثر حرصًا على اللغة العربيَّة من غيرها، تدرس مقررات المعاهد الأزهرية المصرية، من نحو وصرْف وحديث وفقه وعقيدة وتاريخ إسلامي بعد الاختصار المُخِل، والذي ينظر إلى الكم لا الكيف، وفي المقابل لا يعرف طلاب هذا المعاهد من اللغة إلا النزر القليل المشوَّه، بل الزهيد الممسوخ، وتجد في هذه الكتب موضوعات طوالاً، قد يعجز الطالب العربي نفسه عن فَهْمها – وهذا المأخذ يؤخذ على المعاهد الأزهرية المصرية نفسها، فهي تُقدِّم مناهج لا تتناسب ومستوى الطلاب – ولكنها تُقدم لهؤلاء الطلاب المساكين، وليس عليهم إلا أن يحفظوا ليحصلوا على الامتياز، ثم يخرجوا من مادة اللغة العربية صفر اليدين، بل ومن المواد الشرعية أيضًا.

 

والطلاب في هذه المعاهد يتعاملون مع مادة اللغة العربية على أنها مادة الحفظ والامتياز، وأما ركن الفَهْم فهو منسوخ، لا يجوز العمل به.

 

ولو رجعنا إلى طريقة علماء الأندلس في تناول النحو والصرف مع غير الناطقين بالعربية لحُلَّت المشكلة، أو لوقفنا – على الأقل – على جزء كبير من الحل.

 

ولكي نستطيع تطبيق كلام ابن خلدون، فإننا بحاجة إلى عدة أمور يجب أن تتوفَّر للطالب كي يُحقِّق نجاحًا في إنتاج اللغة، ومن هذه الأمور:

♦ الحاجة إلى منهج علمي قائم على أسس تربوية، يقوم عليه خبراء في اللغة وخبراء في إعداد المناهج التربوية.

 

♦ إتاحة البيئة العربيَّة للطلاب الناطقين بغير العربية، ولو مُصطنعة، وإجبار الطلاب على التحدث بها، فقد أثبت الواقع أن البلاد التي تهيئ البيئة العربية لطلابها أكثر نجاحًا من غيرها.

 

♦ اختيار المدرس الذي يقوم على تدريس هذه اللغة اختيارًا صحيحًا، فإن المدرس المُلِم بآداب هذه اللغة وطُرق تدريسها أقدر على اختيار الطريقة التعليمية، كما أنه أقدر على إيصال المعلومة للطالب دون أن يتسبَّب في عناء أو مشقة لهذا الطالب.

 

♦ الجزء الأكبر من تحديات تعليم اللغة العربية في ماليزيا يقع على الإدارات، وبعض هذه التحديات يقع على الطالب.

 

♦ غرْس أهداف تعليم اللغة العربية في نفوس الطلاب، وتقوية الدافع لديهم، كما يجب علينا أن نزيل وهمَ صعوبة العربية من عقول طلابنا، فهي وإن كانت صعبة، إلا أنها ليست مستحيلة، وإنما تَكمُن صعوبتها في دقتها ومتانتها ورصفها، وكل ذلك يزينها.

 

الخاتمة

خلص البحث إلى بعض النتائج التي يراها بداية لبناء مجتمع مسلم متكامل، حريص على لغة دينه، يؤدي واجبه نحوها، وهذه النتائج قد ذُكِر بعضها خلال الدراسة، وبعضها نذكره فيما يأتي:

♦ كان السلف – رضوان الله عليهم – حريصين كل الحرص على تقويم أي اعوجاج يطرأ على الألسنة، خوفًا على اللسان العربي، وإيمانًا منهم بوجوب التفقه فيه.

 

♦ اللغة العربية لغة الدين، ولا يُفهَم الدين إلا بها، لذا أوجب الحق – سبحانه وتعالى – تعلُّمها.

 

♦ الترجمات لا تفي بحاجات الأمم، خاصة أمة الإسلام، وهي سبب من أسباب تمزُّقها وضعْفها.

 

♦ إصلاح اللغة العربية لن يكون من منطلق فردي، وإن كانت المنطلقات الفردية مهمة.

 

♦ ما أصبح المسلمون كلأ مباحًا لكل مستعمر إلا لتخلِّيهم عن وَحدتهم، وكان تفرُّقهم نتيجة طبيعية لتركهم اللسان الجامع، لسان الدين، فصدق فيهم قول نبيهم – صلى الله عليه وسلم -: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلة إلى قصعتها))، ونحن الآن أحوج ما نكون إلى وَحدة تجمعنا، ورابطة تؤوينا، وظلٍّ نَستظِل به، ولن يكون هذا إلا إذا توحَّدت ثقافتنا، وتوحُّد ثقافتنا لن يكون إلا إذا توحَّدت لغتنا، فتوحُّد اللغة هو أولى خطوات إقامة الوَحدة الإسلامية.

 

♦ لم يكن السلوكيون أسبق إلى نظريتهم من علمائنا، فنظرية المَلَكة اللسانية عند ابن خلدون أسبق منهم، وهي نظرية تُعبِّر عن الفكرة نفسها.

 

♦ اللغة العربية لغة يتعبَّد المسلم الله بتعلُّمها وتعليمها؛ لأنها أداة الدين، وعليها مدار العبادات.

 

وبعد، فإن الحديث عن اللغة العربية يطول ولا يُمَل، ولكن هذا البحث أراد أن يوقِف القارئ الكريم على حِرص السلف الصالح – رضوان الله عليهم جميعًا – على لغتهم، وحبهم إياها، وإيمانهم بها كما أراد أن يُبيِّن أننا بحاجة إلى وقفة متأنية مع واقع اللغة العربية المعاصِر، فلا يَصِح لنا أن نعتمد على الترجمة مصدرًا لديننا.

 

والله أسأل أن يتقبَّل هذا العمل، ويجعله سبيلاً إلى رضاه، وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه إلى يوم أن نلقاه، ونعيش في ظلِّ عطاءاته ونُعماه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

 

المراجع:

1- اتفاق المباني وافتراق المعاني؛ أبو الربيع سليمان بن بنين بن خلف بن عوض تقي الدين المصري، تحقيق: يحيى عبدالرؤوف جبر، دار عمار، ط1، 1985م.

 

2- الإحكام في أصول الأحكام؛ علي بن حزم الأندلسي، أحمد شاكر، مطبعة العاصمة بالقاهرة.

 

3- الأصول في النحو؛ أبو بكر محمد بن سهل السراج، تحقيق عبدالمحسن الفتلي، مؤسسة الرسالة – بيروت.

 

4- البيان والتبيين؛ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق فوزي عطوي، دار صعب – بيروت، ط1، 1968م.

 

5- تاريخ الأدب العربي؛ كارل بروكلمان، ترجمة: د. عبدالحليم النجار، دار المعارف – القاهرة، ط (4).

 

6- تفسير المنار؛ محمد رشيد رضا، دار المنار – مصر، ط2، 1367هـ.

 

7- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال؛ علي بن حسام الدين المتقي الهندي، مؤسسة الرسالة – بيروت، 1989م.

 

8- الثقافة المنطقيَّة في الفكر النحوي، نُحاة القرن الرابع الهجري نموذجًا، د. محي الدين محسب، ونسخة الملف وورد.

 

9- صبح الأعشى في صناعة الإنشا؛ أحمد بن علي القلقشندي، تحقيق: د. يوسف علي طويل، دار الفكر دمشق، ط 1، 1987م.

 

10- العقد الفريد؛ أحمد بن محمد بن عبدربه الأندلسي، تحقيق: مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1404هـ – 1983م.

 

11- الفقه على المذاهب الأربعة؛ عبدالرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1424هـ – 2003م.

 

12- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية، عالم الكتب، ط7، 1419هـ – 1999م.

 

13- المجموع شرح المهذب؛ محي الدين بن شرف النووي، طبعة دار الفكر.

 

14- الكتاب؛ سيبويه، تحقيق: عبدالسلام هارون، مكتبة الخانجي – القاهرة، ط3، 1408هـ – 1988م.

 

15- المستصفى في علم الأصول؛ محمد بن محمد الغزالي (أبو حامد)، تحقيق: د. حمزة بن زهير حافظ، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.

 

16- المقابسات؛ أبو حيان التوحيدي، تحقيق: محمد توفيق حسين.

 

17- المقتضب؛ أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، تحقيق: محمد عبدالخالق عضيمة، ط 3، 1415هـ – 1994م، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

 

18- معجم الأدباء؛ ياقوت الحموي الرومي، تحقيق: د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1993م.

 

19- المقدمة؛ عبدالرحمن بن خلدون، تحقيق: عبدالسلام الشدادي، الدار البيضاء، 2005م.

 

20- الموسوعة الفقهية؛ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، برنامج إلكتروني، موافق المطبوع.

 

21- النحو العربي والدرس الحديث؛ د. عبده علي الراجحي، دار النهضة العربية، بيروت، 1979م.

 

[1] هذا البحث منشور في كتاب المؤشر.

[2] عطف “ورسولُه” بالرفع عند القراء كلهم: لأنه من عطْف الجملة، وتقديره: ورسولُه بريءٌ من المشركين، ففي هذا الرفع معنى بليغ وإيجاز في اللفظ، وهذه نكتة قرآنيَّة بليغة، وقد اهتدى بها ضابئ بن الحارث في قوله:

ومن يكُ أمسى بالمدينة رحله

فإني وقيارٌ بها لغريب

برفع (قيار) على تقدير: فإني بها لغريب، وقيار كذلك، وقد نسبت قراءة الجر إلى الحسن قراءة، ولم تَصِح نسبتُها إليه، وكيف يتصور جر ﴿ ورسوله ﴾، ولا عامل بمقتضى جرِّه، انظر: تفسير الآية في البحر المحيط؛ لأبي حيان.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات