طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

(134)
6301

فضل العلم

1440/12/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

الشيخ أحمد أبو عيد

 

العناصر:

1- فضل العلم وأهله.

2- وجوب طلب العلم.

3- نماذج على فضل العلم.

 

 

الموضوع:

 

أولاً: فضل العلم وأهله:

 

1- أنَّه إرث الأنبياء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سلَك طريقًا يَطلب فيه علمًا، سلَك الله به طريقًا من طرق الجنَّة، وإنَّ الملائكة لَتضعُ أجنحتَها لطالب العلم رضًا بما يَصنع، وإنَّ العالِم ليَستغفر له مَن في السموات ومَن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالِم على العابِد كفضل القمر ليلة البَدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا؛ إنَّما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخذه، أخذ بحظٍّ وافِر))؛ (حم 4 حب) عن أبي الدرداء، قال الشيخ الألباني: (صحيح)؛ انظر حديث رقم: 6297 في صحيح الجامع.

 

فأنت الآن في القرن الخَامس عشر؛ إذا كنتَ من أهل العلم تَرث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهذا من أكبر الفضائل.

 

 

 

2- أنه يبقى والمال يَفنى: فهذا أبو هريرة رضي الله عنه مِن فقراء الصَّحابة، حتى إنَّه يَسقط من الجوع كالمغمى عليه، وأسألكم بالله: هل يَجري لأبي هريرة ذِكرٌ بين الناس في عصرنا أم لا؟ نَعم يَجري كثيرًا؛ فيكون لأبي هريرة أجرُ مَن انتفع بأحاديثه؛ إذ العلمُ يبقى والمال يَفنى.

فعليك يا طالب العلم أن تَستمسك بالعلم؛ فقد ثبت في الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان، انقطع عملُه إلَّا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولد صالِح يَدعو له)).

 

3- أنه لا يُتعب صاحبه في الحراسة: لأنَّه إذا رزقك الله علمًا فمحله القلب، لا يَحتاج إلى صناديق أو مفاتيح أو غيرها، هو في القلب مَحروس، وفي النفس محروس، وفي الوقت نفسه هو حارِس لك؛ لأنَّه يحميك من الخطر بإذن الله عزَّ وجل، فالعلم يَحرسك، ولكنَّ المال أنت تَحرسه، تجعله في صناديق وراء الأغلاق، ومع ذلك تكون غير مطمئنٍّ عليه.

 

4- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق: والدليل قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران: 18]، فهل قال: أولو المال؟ لا، بل قال: ﴿ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾، فيكفيك فخرًا يا طالب العلم أن تكون ممَّن شهِد لله أنَّه لا إله إلَّا هو مع الملائكة الذين يَشهدون بوحدانيَّة الله عزَّ وجلَّ.

 

5- أن أهل العلم هم أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، فإنَّ ولاة الأمور هنا تَشمل ولاةَ الأمور من الأمراء والحكَّام، والعلماء وطلَبة العلم؛ فولاية أهل العلم في بيان شَريعة الله ودَعوة الناس إليها، وولايةُ الأمراء في تَنفيذ شريعة الله وإلزامِ النَّاس بها.

 

 

 

6- أن أهل العلم هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة: ويستدلُّ لذلك بحديث معاوية رضي الله عنه يقول: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدين، وإنَّما أنا قاسِمٌ والله يُعطي، ولن تَزال هذه الأمَّة قائمة على أمر الله لا يضرُّهم من خالَفَهم حتى يأتي الله بأمره))؛ رواه البخاري، وقد قال الإمام أحمد عن هذه الطَّائفة: “إن لَم يَكونوا أهل الحديث، فلا أدري مَن هم”، وقال القاضي عياض رحمه الله: “أراد أحمد أهلَ السنَّة، ومَن يَعتقد مذهبَ أهل الحديث”.

 

7- أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيء من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين، هما:

– طلب العلم والعمل به.

– التاجر الذي جعلَ مالَه خدمةً للإسلام.

 

فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسَد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلَكته في الحقِّ، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يَقضي بها ويعلِّمها)).

 

8- نفع الناس في الدنيا والآخرة: كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاريُّ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَل ما بَعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضًا؛ فكان منها طائفة طيِّبة قبلَت الماءَ، فأنبتَت الكلأَ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكَت الماءَ فنفع الله بها الناسَ، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنَّما هي قِيعان؛ لا تُمسك ماءً ولا تنبتُ كلأً؛ فذلك مثل من فَقُهَ في الدين ونفعَه ما بعثني اللهُ به فعلِم وعلَّم، ومثل مَن لَم يَرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلتُ به)).

 

 

 

9- أنه طريق الجنة؛ كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ومَن سلَك طريقًا يَلتمس فيه علمًا، سهَّل الله به طريقًا إلى الجنَّة))؛ رواه مسلم.

 

10- هم أهل الفقه؛ كما جاء في حديث مُعاوية رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يُرِد الله به خيرًا، يُفقِّهه في الدين))؛ أي: يجعله فقيهًا في دين الله عزَّ وجلَّ، والفِقه في الدِّين ليس المقصود به فِقه الأحكام العمليَّة المخصوصة عند أهل العلم بعِلم الفقه فقط؛ ولكن المقصود به هو علم التوحيد وأصول الدين وما يتعلَّق بشريعة الله عزَّ وجل، ولو لم يكن من نُصوص الكتاب والسنَّة إلَّا هذا الحديث في فضل العلم، لكان كافيًا في الحثِّ على طلب علم الشريعة والفقه فيها.

 

11- أنَّ العالِم نور يَهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم: ولا يَخفى على كثير منا قصَّةُ الرجل الذي من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلمِ أهل الأرض، فدُلَّ على رجلٍ عابد، فسأله: هل له من توبة؟ فكأنَّ العابد استعظم الأمرَ فقال: لا، فقتله فأتمَّ به المائة، ثمَّ ذهب إلى عالِمٍ فسألَه، فأخبره أنَّ له توبةً، وأنَّه لا شيء يَحول بينه وبين التَّوبة، ثمَّ دلَّه على بلدٍ أهلُه صالحون ليَخرج إليها، فخرج فأتاه الموتُ في أثناء الطريق…، والقصَّة مَشهورة، فانظر الفرقَ بين العالِم والجاهل.

 

12- يعلم كيفية التحقق من صحَّة الخبرِ: إذا نُقِل عن شخصٍ ما شيء ترى أنَّه خطأ، فاسلُك طرقًا ثلاثة على الترتيب:

 

الأول: التثبُّت من صحَّة الخبر.

 

الثاني: النَّظر في صواب الحكم؛ فإن كان صوابًا فأيِّده ودافِع عنه، وإن رأيتَه خطأ، فاسلُك الطريقَ الثالِث، وهو: الاتصال بمَن نُسب إليه لمناقشتِه فيه، وليكن ذلك بهدوء واحترام.

 

 

 

13- بالعلم تعلم أنَّه لا يمكن أن يَصلح الناسُ في ساعة واحدة أبدًا: أليس النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد بَقي في مكَّة ثلاث عشرة سنة يَدعو الناسَ؟ وفي النِّهاية أُخرج من مكَّة حين تآمروا عليه؛ ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾؛ (ليُثبتوك)؛ يعني: ليَحبسوك، ﴿ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ [الأنفال: 30]، فلا يمكن أن تُصلح الخلقَ بمجرَّد دعوة أو دعوتين، لا سيما إذا لم تَكن ذا قيمة بينهم، لكن اصبِر وأطِل النَّفَس، وادعُ بالحكمةِ، وأحسِن الخُلق، وسيتبيَّن لك الأمر فيما بعد.

 

 

14- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا؛ أمَّا في الآخرة: فإنَّ الله يَرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدَّعوة إلى الله عزَّ وجلَّ والعمل بما عملوا، وفي الدنيا: يَرفعهم اللهُ بين عباده بحسب ما قاموا به، قال الله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].

 

وليس هذا فقط؛ فلِلعلم فضائل غيرها، ومناقب وآيات وأخبار صَحيحة مشهورة مبسوطة في كتب أدب طلَب العلم.

 

 

15- عقد ابن القيم رحمه الله تعالى مقارنةً بين العلم والمال، يَحسن إيرادُها في هذا المقام؛ فقد فضَّل العلمَ على المال من عدَّة وجوه، أهمها:

 

  • أنَّ العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء.

 

  • أنَّ العلم يَحرس صاحبَه، وصاحبُ المال يحرس مالَه.

 

  • أنَّ العلم يَزداد بالبذل والعطاء، والمال تُذهبه النَّفقات عدا الصَّدَقة.

 

  • أنَّ العلم يرافِق صاحبَه حتى في قبره، والمال يفارقه بعد موته، إلَّا ما كان من صدقةٍ جاريةٍ.

 

  • أنَّ العلم يَحكم على المال؛ فالعلم حاكِم، والمال مَحكوم عليه.

 

  • أنَّ المال يَحصل للبَرِّ والفاجِر، والمسلم والكافر، أمَّا العلم النَّافع، فلا يَحصل إلَّا للمؤمن.

 

  • أنَّ العالِم يَحتاج إليه الملوكُ ومَن دونَهم، وصاحب المال يَحتاج إليه أهل العدَمِ والفاقة والحاجة.

 

  • أنَّ صاحب المال قد يُصبح معدمًا فقيرًا بين عشيَّة أو ضحاها، والعلم لا يُخشى عليه الفناء إلَّا بتفريط صاحبه.

 

  • أنَّ المال يَدعو الإنسانَ للدنيا، والعلم يَدعوه لعبادة ربِّه.

 

  • أنَّ المال قد يكون سببًا في هلاك صاحبه، فكم اختُطف من الأغنياء بسبب مالهم! أمَّا العلم ففيه حياةٌ لصاحبه حتى بعد موته.

 

  • سعادة العِلم دائمة، وسعادة المال زائلة.

 

  • أنَّ العالم قَدره وقِيمته في ذاته، أمَّا الغنيُّ فقِيمتُه في ماله.

 

  • أنَّ الغنيَّ يدعو الناسَ بماله إلى الدنيا، والعالم يدعو الناسَ بعلمه إلى الآخرة.

 

 

 

ثانيًا: وجوب طلب العلم:

 

قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

 

وقال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 – 5].

 

وقال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 18].

 

وقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].

 

وقال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].

 

 

 

  • رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طلَب العِلم فريضة على كلِّ مسلم))؛ رواه ابن ماجه وغيره، صحيح.

 

 

 

  • ((فَضل العالِم على العابد كفَضلي على أدناكم)).

 

 

 

  • ((إنَّ الله عزَّ وجل وملائكتَه وأهلَ السموات والأرض، حتى النَّملة في جُحرها وحتى الحوت – لَيُصلُّونَ على معلِّم النَّاس الخير))؛ (ت) عن أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: (صحيح)؛ انظر حديث رقم: 4213 في صحيح الجامع.

 

 

 

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سلَك طريقًا يَلتمس فيه علمًا، سهَّل له به طريقًا إلى الجنَّة)).

 

 

 

  • قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن خرج في طلَب العِلم، فهو في سبيل الله حتى يرجِع))؛ رواه الترمذي.

 

 

 

  • وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حسَد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسَلَّطه على هلَكته في الحقِّ، ورجل آتاه الله الحكمةَ فهو يَقضي بها ويُعلِّمها))؛ متفق عليه.

 

 

 

  • يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عملُه إلَّا من ثلاث: صدَقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يَدعو له))؛ رواه مسلم.

 

 

 

  • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ ممَّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشَره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السَّبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحَّته وحياته تلحقه بعد موته)).

 

 

 

  • ((إنَّ الملائكة لتضع أجنحتَها لطالب العلم رضًا بما يصنع))؛ إحياء علوم الدين ج ‏8/ 1.

 

 

 

  • ((طلَب العِلم فريضةٌ على كلِّ مسلم)).

 

 

 

  • ((مَن دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا))؛ رواه مسلم.

 

 

 

  • ((الدنيا ملعونَةٌ، مَلعونٌ ما فيها، إلَّا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالمًا، أو متعلِّمًا))؛ رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

 

قوله: ((وما والاه))؛ أي: طاعة الله.

 

 

 

  • ((إنَّ الله لا يَقبض العلم انتزاعًا يَنتزعه من الناس، ولكن يَقبض العلمَ بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا، اتَّخذ الناس رؤوسًا جهَّالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضَلوا))؛ متفق عليه.

 

 

 

ثالثًا: نماذج على فضل العلم:

 

  • وهاك مثالًا يبيِّن فضلَ العلم على الإنسان، إنَّه يدور في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، إنَّها قصَّة تلميذ الإمام أبي حنيفة (أبي يوسف) التي يَرويها عليُّ بن الجعد فيقول: “أخبرني أبو يوسف قال: توفِّي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيرًا في حجر أمِّي، فأَسلمَتْني إلى قصَّار أخدمه، فكنتُ أدَع القصَّارَ وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس أسمع، فكانت أمِّي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتَذهب بي إلى القصَّار، وكان أبو حنيفة يُعنى بي؛ لِما يرى من حضوري وحِرصي على التعلُّم، فلمَّا كثر ذلك على أمِّي وطال عليها هربي، قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصَّبي فساد غيرك، هذا صبيٌّ يتيم، لا شيء له، وإنَّما أُطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: قرِّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلَّم أكلَ الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفَت عنه وقالت له: أنت يا شيخ قد خرفتَ وذهب عقلُك!

 

 

 

فأكمل أبو يوسف فقال: ثمَّ لزمتُ أبا حنيفة، وكان يتعهَّدني بماله، فما ترك لي خلَّة، فنفعني الله بالعلم ورفعني حتى تقلدتُ القضاءَ، وكنتُ أجالس هارون الرشيد وآكل معه على مائدته، فلمَّا كان في بعض الأيام قُدِّم إلى هارون الرشيد فالوذج بدهن الفستق، فضحكتُ، فقال لي: ممَّ ضحكتَ؟ فقلتُ: خيرًا، أبقى الله أميرَ المؤمنين، قال: لتخبرنِّي – وألحَّ علي – فأخبرتُه بالقصَّة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك وقال: لعمري إنَّه العلم ليَرفع ويَنفع دينًا ودنيا، وترحَّم على أبي حنيفة وقال: كان يَنظر بعين عقلِه ما لا يراه بعين رأسه.

 

 

 

  • وهذا عبيدالله بن كثير يروي عن أبيه أنَّه قال: “ميراث العلم خَير من ميراث الذهب والفضَّة، والنَّفسُ الصالحة خير من اللؤلؤ، ولا يُستطاع العلمُ براحة الجسم”.

 

 

 

  • وأمَّا معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال: “تعلَّموا العلم – دقِّقوا في هذا الحديث الطويل – تعلَّموا العلمَ؛ فإنَّ تعلُّمه لله – أي: مخلصًا به – خشية، وطلَبه عبادة، ومُدارَسته تَسبيح، والبحث عنه جِهاد، وتَعليمه صدَقة، وبَذله لأهله قُربة، وهو الأنيس في الوحدَة، والصاحب في الخلوة، والدَّليل على الدِّين، والنَّصير في السرَّاء والضرَّاء، والوزير عند الإخلَّاء، والقريـب عند الغرباء، هو مَنـار سبيل الجنَّة، يَرفـع الله به أقوامًا يَجعلهم في الخير قادة وسادة، يُقتدى بهم، يدلُّ على الخير، وتُقتفى به آثاره، يَجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين، يسبِّح لك كلُّ رَطْبٍ ويابس، تَستغفر لك حتى الحيتان في البحر، وهوامُّ السِّباع في البَرِّ، به يُطاع الله عزَّ وجل، كيف تُطيعه إن لم تَعلم ما أمرُه وما نَهيُه؟ وبه يُعبد الله عزَّ وجل، وبه يوحَّد الله عزَّ وجلَّ، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل، وبه يتورَّع الإنسان – يكون ورعًا – وبه تُوصَل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، هو إمام العمَل، يُلهَمه السُّعداء، ويُحرَم منه الأشقياء”.

 

 

 

  • الإمام الحسن رضي الله عنه يقول: “لولا العِلم لصار النَّاس مثل البهائـم”.

 

 

 

كلكم يَعلم أنَّ كلَّ شيءٍ مادِّي يشغل حيزًا في الفراغ؛ له وزن، له طول، له عرض، له ارتفاع، لكن النَّبات هو شيءٌ ماديٌّ يشغل حيِّزًا وينمو، والحيوان شيءٌ ماديٌّ يَشغل حيزًا وينمو ويتحرَّك، ولكن الإنسان شيءٌ ماديٌّ يشغل حيزًا ويتحرَّك ويدرِك، ويفكِّر، ويعقل، فحينما يُعَطِّل الإنسان عقلَه، حينما يلْغي عقلَه، حينما يَحتقر عقله، حينما يَستخدم عقلَه في غير ما خُلِق له، يهبط إلى مستوى البهائم؛ كتلةٌ من لحمٍ ودم، تبحث عن طعامٍ وشراب، تَقتنص اللذَّات، تريد أن تأخذ كلَّ شيء بجهلٍ كبير، فالإمام الحسن يقول: “لولا العِلم لصار النَّاس مثل البهائم”؛ أي: إنَّ طلَّاب العلم يُخرجون الناس من حدِّ البهيميَّة إلى حدِّ الإنسانيَّة.

 

 

 

يقول يحيى بن معاذ – أحد العارفين بالله -: “العلماء أَرحم بأمَّة محمدٍ من آبائهم وأمَّهاتهم، قالوا: كيف ذلك؟ كيف يكون العالم أَرحم بتلميذه من الأب والأمِّ بابنيهما؟! قال – إليكم الجواب -: الآباء والأمَّهات يَحفظون أولادهم من نار الدنيا – يخافون عليهم المرض، يخافون عليهم الحريق، يخافون عليهم الفَقر – ولكن العلماء يَحفظون أتباعهم من نار الآخرة، تنتهي فضائل الأبوَّة في الدنيا، لكن فضائل طلَب العلم تَستمر إلى أبد الآبدين.

 

 

 

وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات