طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > التّيسير المشروع في الحج

ملتقى الخطباء

(659)
6279

التّيسير المشروع في الحج

1440/11/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

الحمد لله، وصلى الله وسلّم وبارك على عبدهِ ورسوله وعلى أله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أمّا بعد:

فقدْ قالَ الله سبحانه وتعالى في آيات الصيام: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] وقال سُبحانه وتعالى في وصفِ الدين الذي شرعهُ لنا وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] وقال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة:6]

وثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قال (إنَّ الدينَ يُسر ولن يُشادَّ الدّين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغَدوة والرَوحة وشيءٍ من الدُّجى) وفي لفظ (واغدوا وروحوا  وشيءٍ من الدُّجى القصد القصد تبلغوا)، فهذا الدينُ الذي بعثَ الله بهِ خاتم النّبيين ورسول الله إلى جميعِ العالمين، هذا الدين مِنْ خَصائصهِ اليسر، وقد وصفَ الله نبيهُ في الكتبِ السابقةِ بأنه يأمرُ بالمعروف يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] فشريعة الإسلام تقومُ على اليُسر ونفي الحرج، ولكن هذا ليسَ معناهُ أنها توافقُ الأهواءَ فالواجبات في الغالب أنّها تأتي على خلافِ أهواءِ النفوس، فالواجبُ على العبدِ أنْ يتّبعَ هُدى الله ولا يتّبع هواه، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص:50] فالخيرُ فيما أمرَ اللهُ به وفي تركِ ما نهى عنه سبحانه وتعالى.

وقال سبحانه: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] في مواضع من القرآن، وفي هذه الآية يقول: وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286] جاء في الحديث الصّحيح أن الله أجاب هذا الدعاء وقال: “قد فعلتُ”

فوضع الله الآصار والأغلال عن هذه الأمة، ولم يُكلّف العباد ما لا يُطيقون لم يُحمّلهم ما لم يطيقوا، كلُّ ما أمرَ الله بهِ فإنّه يسيرٌ على مَنْ يسّرهُ الله عليه وإن كان هذا اليسير صعبٌ على النفوس الضعيفة، النفوس التي لم يُباشر الإيمانُ بَشاشة قلوبها؛ ولهذا قال الله تعالى في الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] ومع ذلك فالأوامر يعني المأمورات فيها مشقّة على النفوس ولهذا جاءَ في الحديث الصّحيح: (إنَّ الجنّة حُفّتْ بالمكاره)

الصلاة وغيرها لابدَّ للقيام بها على الوجه المشروع لابدَّ فيها من صبر؛ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ[البقرة:45]وقال سبحانه وتعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132]

ولكن كل ما شرع الله فإنّه مبنيٌّ على اليسر، وجِماع ذلك أن كلَّ ما أمر الله به فإنه منوطٌ بالاستطاعة، قال سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] كلمة جامعة، وشاملة لجميع المأمورات، ولهذا قال أهل العلمِ “لا واجبَ مع عجز” فالواجب يسقط بالعجز، أمّا المنهيّات فليس لأحدٍ أن يقول: إنّي لا أستطيع ترك كذا، لا أستطيع ترك كذا، لا أستطيع ترك الدخان، لا أستطيع ترك كذا شُرب الخمر أو الزنى أو ما أشبه ذلك، لا، ولهذا جاء الفرق في الحديث الصّحيح قال صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه -أو فدَعوه-، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ففرّق بين المأمورات والمنهيات، فعلّق المأمورات بالاستطاعة (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، أمّا المنهيّات فأمر باجتنابها مطلقاً.

نعم بعض المنهيات يعني تُباح للضرورة كما في أكل الميتة وغيرها ضرورة، فاليُسر هو الجاري في سائر أحكام هذه الشريعة، ولا نريد أن نستعرض التّيسيرات التي تضمّنتها شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام، إنّما المقصود في هذا اللقاء هو ذكر التيسير الذي تضمّنته أحكام الحج؛ فأقول:

أولاً الحج أحدُ أركان الإسلام؛ (بُني الإسلامُ على خَمسٍ) وذكر منه الحج: (وحجُّ بيتِ الله الحرام)، أوّلُ ما يظهر فيه اليسر في الحج أنَّ الله فرضهُ في العُمرِ مرةً لا مرّتين ولا ثلاث، مرّة واحدة هذا تيسير أيُّ تيسير، خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أيّها الناس قد فرض الله عليكم الحجَّ فحُجّوا، فقال رجلٌ أكُلُّ عامٍ يا رسول الله، قال: لو قلت نعم لوجبت ولَما استطعتم) وفي لفظٍ (الحجُّ مرّة فمنْ زادَ فهو تَطوّع)، ما زاد على المرّة فهو تطوّع فهذا يُسر، يُسرٌ عظيم الحمد لله، إذا الإنسان حجَّ مرّةً بَرأت ذِمّته.

وهذا الفرضُ منوطٌ بالاستطاعة، نصَّ الله على اعتبار الاستطاعة فيه بخصوصه، لمّا كان فيه كُلف مالية وكُلف بدنية قال سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ [آل عمران:97] إنّما فَرضهُ على المستطيع، ودلّت الأثار على أنَّ الاستطاعة هي مِلكُ الزاد والراحلة لمن بعُدت داره، أنّه ما يجب عليه يمشي من الأماكن البعيدة الزاد والراحلة، جاء في الحديث المشهور الذي حَسّنه أهلُ العلمِ (قيلَ يا رسول الله ما السبيل، قال: الزادُ والراحلة) نفقة وراحلة، فهذا من التّيسير في العبادة، هذا تيسيرٌ مِنْ الله، ويدخل في ذلك أن الله شرعَ الاستنابة لمن عَجِزَ عن الحج لِكِبر أو لمرضٍ فلم يُفوّت عليه هذا الفضل بل شرعَ له وفرضَ عليهِ أنْ يَستنيبْ إذا كان مستطيعً بماله لكنّه لا يستطيع بنفسه كما في الحديث الصحيح حديث … قالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخاً كبير لا يثبُت على الراحلة أفَأحُجُّ عنه، قال:(حُجِّي عنه)

فيتحقق لهذا المسلم يتحقق له فضلُ الحج وثواب فريضة الحج بالاستنابة يُنيب من يحج عنه فيحصل له ثواب الحُجّاج حتى ولو قُدّر له أنه يُشفى بعد ذلك فإن الحجَّ يكون قد سقط عنه فلا يُلزم أن يحجَّ بنفسه مرة أخرى.

ومِن التيسير في هذا أن من عليه دين وهو لا يستطيع أن يجمع بين الحج ووفاء الدين فإنّه لا يجب عليه الحج، عليه أن يقضي الدين لأنَّ حقوق بني آدم مبنيّة على المُشاحاة على الشّح، أمّا الله فهو أهل التقوى وأهل المغفرة وأهل الرحمة والفضل سبحانه وتعالى، أمّا إذا كان عليه دَين وأهل الدين يثق بأنّهم يعني لا يُطالبونه بهِ فلا مانع فإنّه يحج ينبغي له أن يحُج يؤدّي الفرض ويُبرأ ذمته ولا سيّما أنّه في كثير من الأحيان من عليه الدين هو لا يقضيه في مثل هذا الوقت هذا في الدين الحال.

أمّا في الدين المؤجّل فإنه لا يمنعُ من وجوبِ الحج لأنَّ العبرة بالحال الحاضرة مثل من عليه أقساط يُسددها في وقتها والآن هو غير مُطالب بشيء وعنده ما يستطيع الحجَّ به فإنّهُ يجب عليه أن يحج، يجب عليه أن يحج بالمال الذي عِندهُ وإذا حلَّ الدين أو القِسط في وقته فإنّه يعرفُ من حاله أنّه قادرٌ على وفائهِ، فلا يعتذر بهذا الدين المؤجّل للتخلّف عن أداء فرض الحج.

 

أعمال الحج

الحج أحكامهُ كما هو مُقرر في كُتبِ الفقه يعني أفعال وأقوال منها ما هو “ركن” لا يَصحُّ أو لا يتم الحج إلّا به، منها ما هو “واجب” يجبُ بتركه دمٌ، ومنهُ ما هو “سُنّة”، والله لمّا فرض على عباده الحج وبيّن لهم جُملةً من أحكامه بالقرآن كما في سورة البقرة وفي سورة الحج بيّن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يؤدّى الحج، فقد حجَّ صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة والصحيح أنَّ الحج فُرض في السنة التاسعة فإنَّ الآية: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  نزلت في السنة التاسعة، الرسول صلى الله عليه وسلم حجَّ في السنة العاشرة وتُسمّى حجته “بِحُجّة الوداع”؛ لأنه ودّع الناس وقال للناس (لعلّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا) صلى الله عليه وسلم، وفعلاً لم تَطُل حياته بعد ذلك إنّما توفي بعد حَجّته بثلاثة أشهر تقريباً.

المقصود أنّه صلى الله عليه وسلم حَجَّ بالناس وحجَّ المُسلمون معه، قال المؤرّخون إنَّ الذين حجّوا معه يُقدّرون بمئة وعشرين ألف فأحرم من ميقات المدينة وهو “ذو الحُليفة” ولكلِّ أهل بلدٍ ميقات بيّنها عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة ذو الحُليفة، ولأهل الشام “الجُحفة”، ولأهل نجدٍ “قرنُ المنازل”، ولأهل اليمن “يلملم”، ولأهل العراق “ذاتُ عِرق”.

فأحرم النبي صلى الله عليه وسلم على الصّحيح أنّه أهلَّ بحجٍّ وعمرة أي قارناً وساقَ الهدي ساق البُدن الإبل هدياً لتنحرَ هناك بمكة فأحرم بحجٍّ وعمرة ووسّع للصحابة منهم من أهلَّ بعمرة، ومهم من أهلَّ بحجٍّ، ومنهم من أهلَّ بحج وعمرة وهذا من وجوه التوسعة والتيسير إنَّ الإنسان مُخيّر إن شاء أحرم مُفرداً والمُحرم لا هدي عليه، وإن شاء أحرمَ قارناً والقارن عليه هدي كالمتمتّع، وإن شاء أحرمَ بعمرةٍ متمتعاً بها إلى الحج فهذه الأنساك الثلاث.

إذا وصل الحاج إلى الميقات فإنّه يُخيّر بين الأنساك الثلاثة، وهذه الأنساك -الإفراد والقِران- أعمالهما واحدة إلّا أنَّ القِران يتضمّن العمرة ولكن يجبُ عليه أي القارن هديٌ أمّا المُفرد فلا هديَ عليه ولكن الأعمال واحدة إذا وصل المُفرد أو القارن مكة طاف للقدوم وسعى بين الصفا والمروة ثمَّ يبقى مُحرماً حتى يرجع من عرفة ويتحلّل بمِنى بعد رمي الجمرة وبعد الحلقِ أو التقصير.

وأمّا المُتمتّع فالتّمتّع معروف وهو: أن يُحرم الحاج بعمرةٍ من الميقات ثمَّ إذا وصل مكّة طاف وسعى وقصّر من جميع رأسه وتحلّل التحلّل التام وصار حلالاً وهذا أيضاً من وجوه اليسر في هذه العبادة أنَّ المتمتّع يتحلّل قد يصل مُبكّراً فينتفعَ بهذا التحلّل -يصير حلال- يتطيّب ويلبس الثياب المُعتادة ويأتي أهله، يصير حلالاً حِلّاً تامًّ (قالوا: يا رسول الله أيُّ الحِل، قال: الحِلُّ كُلّه) لمّا أمرهم أن يفسخوا إحرامهم يعني أمر المُفردين والقارنين الذين لم يسوقوا الهدي أمرهم بالتحلّل أرشدهم إلى أن يجعلوه عمرة يجعلوا إحرامهم عُمرة وأمرهم إذا طافوا وسَعَوا أن يقصّروا وأن يتحلّلوا (قالوا: أيُّ الحِل، قال: الحِلُّ كُلّه) يعني حِلًّ تامًّ فهذا أيضاً ضربٌ من التيسير في هذه العبادة.

القارنُ والمُفرد ليس عليها إلّا سعي واحد هذا هو الصحيح، المُفرد ليس عليه إلّا سعي واحد طواف الإفاضة والسعي إذا لم يكن سعى مع طواف القُدوم والقارن كذلك مثله تماماً على الصحيح من قولي العلماء أنّه كذلك ليس عليه إلّا طواف واحد وهو طواف الإفاضة وسعي إلا يعني إذا بعد طواف الإفاضة إلّا أن يكون سعى بعد طواف القُدوم.

فالأطوفة بالنّسبة للحج ثلاثة: المُتمتّع يطوفُ للعمرةِ وهو فرض، والقارنُ والمُفرد يطوفان للقدوم والمعروف عند أكثر أهل العلم أنّه سُنّة فإن طافَ للقدومِ وسعى كفاهُ هذا السعي وإن لم يطف للقدوم أو لم يسعى مثلاً فإنّه يسعى بعد طواف الإفاضة. الطّواف الثاني هو: طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة. الطواف الثالث هو: طواف الوداع.

ثلاثةُ أطوِفة، طواف القُدوم المعروف أنّه سُنّة ولكن إذا قيل أنّه سُنّة هذا لا يعني التّهاون وعدم الاكتراث لا، لكن بيان للحكم لو أنَّ إنسان تكاسل أو عجز أو حصل له مانع فإنه لا يجب عليه شيء، ليس معناه سُنّة يعني “اتركه”! هذه طريقة من لا يبالي بالعبادة ولا يهمّه كمالها وتمامها وكمالُ أجرها، سُنّة يعني المؤمن الصادق إذا قيل له هذا سُنّة قال: نعم أنا ما جئت إلّا لأهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّه حجَّ وعلّم الناس المناسك وقال: (خذوا عنّي مَناسِكَكُم) أو (لِتأخذوا مَناسِكَكُم) يعني خذوها تعلّماً وتلقّياً يعني بالمشاهدة والسماع وخذوها بالعمل، ليس المقصود خذوها يعني اعلموها فقط لا، اعلموها يعني تعلّموها واعملوا بها فالذي تلقّاها ولم يعمل بها هل أخذها؟ لم يأخذها، ما أخذها الأخذ المقصود، المقصودُ العمل يعني أداءُ المناسكِ كما بيّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام بقولهِ وفعلهِ.

 

أيام الحج

يعني أيام مناسك الحج هي سِتّة أيام كُلّها سِتّة؛ الثامن إلى الثالث عشر وهي معروفة “يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم يعني أيام التشريق الثلاثة الحادي والثاني والثالث عشر” هذه أيام الحج، من المشروع للنّازلين بمكّةَ من المُقيمين أو الوافدين المشروعُ لجميع المُحلّين بمكّة أن يُحرموا من منازلهم، فإنه عليه الصلاة والسلام لمّا ذكرَ المواقيتَ قال: (ومَنْ كان دونَ ذلك فَمِنْ حيثُ أنشأ وأهلُ مكّة مِنْ مكّة)وأحرمَ الصحابة الذين حلّوا وهم جمهورُ الصحابة أحرموا من “الأبطح” من منازلهم فلم يُكلّفوا الخروج إلى الميقات بل ولا إلى التّنعيم لم يُكلّفوا وهذا أيضاً من وجوه اليُسر في هذه العبادة أن يحرم الناس والمُقيمين والمُحلّين بِمكّةَ أن يُحرموا من أماكنهم هذا هو المشروعُ لهم ولا يستحبُّ ولا يُشرعُ لهم أن يخرجوا إلى التّنعيم ليُحرِموا، بل هذا هو ميقاتُهم للحج.

الحَرم: هو ميقاتُ أهلِ مكّةَ وسائر الحرم، ميقاتهم أن يحرموا مِنْ منازلهم وفي السنين الأخيرة كان الحُجّاج ينزلون “بالأبطح” ينزلون بمكّةَ ولا يذهبون “مِنى” لمّا كانت الأمور متيسّرة والحجّاجُ عددهم محدود والمنازل متيسّرة “بِمِنى” ما كانوا يقصدون إلى “مِنى” مثل اليوم ومن قبل من سنين صاروا يقصدون إلى مِنى وينزلون بها فالنّازلون بِمنى يحرمون من مِنى إذا قَدِمَ الحاج وطافَ وسعى وتحلّل وذهب إلى منزلهِ في مِنى ففي اليوم الثامن يُحرم مِنْ مكانه لا يحتاج أن ينزل إلى مكّة ويُحرم منها، لا، واعتبر هذا أيضاً مِنْ التيسير أنّهُ لم يجب على النّازلين بنواحي الحَرم أن ينزلوا مكّة ليُحرموا منها لا، كلٌّ يُحرم من مكانه، من بمكّة يُحرمُ من مكّةَ، ومن بمنى يُحرم من مِنى، ومن في نواحي مكّة يُحرم من الحَرم.

المنسك الأول بعد ذلك هو النزول ب “مِنى” في اليوم الثامن، ينزلُ الحاج بِمنى ويُصلّي بها الظهر والعصرَ كما فعل عليه الصلاة والسلام ويَبيت بِمنى، يَبيتُ بها ويدفعُ منها بعد طلوعِ الشمسِ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فإنّهُ توجّه إلى مِنى وقام بها وصلّى بها الأوقات الخمسة، ثمَّ سار إلى عرفة بعدما طلعت الشمس.

وهذا المبيتُ والإقامة هو سُنّة على المعروف، عند أهل العلم أنّهُ سُنّة أي ليسَ بواجب فلو أنَّ إنسانا تأخر ولم يَبت أو أنه استعجل لأسباب وتقدّم إلى عرفة أو ما شابه ذلك فإنّه ليسَ عليهِ شيءٌ لكن ينبغي أن يجتهدَ المسلمُ أنْ يكونَ في “مِنى” تلكَ الليلة، يَحرص على أنْ يَبيتَ بها هذا مع اليُسر إذا تيسّرَ لهُ ذلك، أمّا إذا تعذّر عليه كما هو الجاري الآن لا يستطيعُ أن يبيتَ بِمنى إلّا لمن كانَ تابعاً لحملة أو تابع لبعض الجهات التي لها أماكنُ مُعدّة فالأمرُ حينئذٍ واسعٌ بالنسبة له ويكونُ في تركهِ لهذا المبيت يكونُ معذوراً، أمّا من تهيّأ له وتيسّر لهُ أن يكون في “مِنى” في تلكَ الليلة فهذا هو الذي ينبغي وإنْ كان سُنّة كما قُلنا في طواف القدوم، وإنْ كان سُنّة فلا يقول الحاج هذا المبيتُ سُنّة فلا أبالي بهِ لا، على الحاج أن يجتهدَ في فعلِ المناسكِ على مراتبها ما كانَ ركناً أو واجب أو سُنّة، وإذا اختلفَ العلماءُ فقالَ بعضهم هذا واجب وبعضهم قال هذا سُنّة ولكن يتّفقون على أنّهُ نُسك وأنّه من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام فلا تَعْدِلْ عنهُ اتّخذ النبي صلى الله عليه وسلم إِمَامك في حجّك كما أنّه هو إمامُ أمّتهِ الأوّلين والأخرين هو إمامهم وإسوتهم في جميعِ مسائل الدينِ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]

 

وفي يوم عرفة يدفعُ الحاج إلى عرفة، يدفعونَ مِنْ مِنى إلى عَرفة، وعَرفة ومِنى ومُزدَلِفة معروفةٌ بحدودها معلومةٌ للمسلمين ولعلماءِ المسلمين بحدودٍ كما يقالُ طبيعية، فعَرفة محدودة بالجبال ومحدودة بوادي عُرَنة، ومُزدَلِفة كذلك محدودة بوادي مُحسّر، ومِنى محدودة بوادي مُحسّر وبالعقبة، ثمَّ لمّا تيسّرت الأسبابُ والوسائل وكَثُرَ الناس يعني عَمِلَ ولاةُ الأمرِ على أن يضعوا لها علامات ظاهرة واضحة وبِكتابات تُعرّف الحاج يعني مواضع المناسك، هذه بدايةُ مُزدَلِفة وهذه نهاية مُزدَلِفة وهذا بدايةُ عَرفة فعلى الحاج أنْ لا يَتهاون في مَعرفِة مواضع النُّسك ولا سيّما عرفة ولا سيما مُزدَلفة.

الوقوفُ بعرفة: هو الحج كما جاء في الحديث (قيل يا رسول الله ما الحجُّ، قال: الحجُّ عَرفة) أخذَ العلماءُ من ذلك أنَّ أعظم أركان الحج هو الوقوف بعَرفة وأن مَنْ فاتهُ الوقوف بعرفة فاتهُ الحجُّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم لمّا سار مِنْ مِنى إلى عَرفة قال جابر رضي الله عنه “فوجدَ القُبّةَ قد ضُربتْ لهُ بِنَمِرة”، نَمِرة يُقالُ أنّها كانت قرية وهي دونَ عَرفة فنزلَ بها حتى زالت الشمس فرُحِلتْ له ناقته “القَصواء” فركبها وسار حتى أتى الوادي فخَطبَ الناس خطبتهُ المشهورة بعرفة وعلّم الناسَ المناسكَ وعلّمهم قواعدَ الدّين وأوصاهم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أُذّنَ للصلاة الظهر فأذّن ثم أقام فصلّى الظهرَ ركعتين ثمَّ العصر ركعتين صلّاهُما جمعاً وقصراً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ثمَّ مضى حتّى أتى الصَخرات وهي موضعٌ معروف في وسط عَرفة عندَ الجبل الذي يُعرفُ بجبل الرحمة فاستقبل القبلة وجعل بطنَ ناقتهِ القصوى إلى الصخرات ووقفَ بعرفة مِنْ بعدِ يعني من ذلك الوقت حتى غابت الشمس، وقال صلى الله عليه وسلم: (وقفتُ هَهُنا وعَرفةُ كُلّها موقفْ) وهذا أيضاً يظهر ويتجلّى فيهِ التيسير، عَرفة مساحةٌ واسعةٌ جداً هي أوسع المشاعر وكُلّها موقف لا يحتاجُ الإنسانُ أنّهُ يتكلّف أن يذهب إلى عند الجبل أو ما أشبهَ ذلك أو عند الصَخرات  أبداً كُلّها موقف، إلّا أنهُ في الحديث (وارفعوا عَنْ بَطنِ عُرنة) الوادي التي في غربِ عَرفة هذا ليسَ مِنْ عَرفة قال: (ارفعوا عَنْ بَطنِ عُرنة) كُلّها موقف، وهذا مِنْ ضروبِ اليسر ولله الحمد تيسير أنْ يكونَ مكانُ العبادةِ واسعٌ هذا مكانُ الوقوفِ بعَرفة، مكان الوقوفِ بعَرفة هو عَرفة.

الوقت: جمهورُ أهل العلمِ على أنّ وقت الوقوف مِنْ زوالِ الشمسِ يعني مِن الوقت الذي وقفَ فيهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعَرفة من الزوالِ هذا وقتُ الوقوفِ، ومَنْ وقفَ في النّهار فإنّه ينتظرُ ويقف حتى تغرُب الشمس غروباً تامًّا كما جاء في صِفةِ حجّه صلى الله عليه وسلم في حديثِ جابرٍ رضي الله عنهُ الطّويل أنّه عليه الصلاة والسلام وقفَ حتى غَربت الشمس وغابَ القرصُ وذهبت الصُفرة ثمَّ دفعَ صلى الله عليه وسلم، ولم يُرخّص لأحدٍ في الدفع ولم يدفع أحدً أبداً فاستدلَّ العلماءُ بذلكَ على وجوبِ المُكْثِ إلى غُروب الشمسِ وأنّه لا يجوزُ لمن وقفَ بعرفةَ هذا الوقت نهاراً لا يجوزُ لهُ الدفعُ قبلَ الغروبِ وهذا هو الصواب، نعم لم يأت فيهِ أمرٌ خاص لكنَّ الأصلَ في أعمالِ المناسك هو الوجوب.

من الأصول المُقررة أنَّ ما فعلهُ الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً لواجب فإنّهُ واجب إلّا ما خصّه الدليل فالوقوفُ بعَرفة مَنْ وقفَ في النهارِ فإنّهُ يجبُ عليهِ أن يقف إلى الغروب وليسَ في ذلكَ ولله الحمد حرج ولكن وقتُ الوقوفِ يمتدُّ إلى الفجرِ وهذا أيضاً من وجوهِ اليُسر في الشريعة، فوقت الوقوفِ لم يكن ضيّقا قصيرا ولهذا فيه فُرصة للمتأخّر، مَنْ تأخّر يدرك لأن الوقت ممدود حتى ولو غابت الشمس والإنسان ما وصل يدرك فالوقوفُ بعَرفةَ يَصُح في النّهار لكن مَنْ وقفَ في النّهار فإنّهُ يجبُ عليه أن يبقى حتى تَغرُب الشمس كما تقدّم، أمّا مَنْ لم يأت لعرفة إلّا ليلاً فيجزئه أن يقفَ فيها ما تيسّر ولو مروراً، وينتهي وقتُ الوقوفِ بِطلوعِ الفجرِ يومَ النحر.

وهذه السَعة في وقت الوقوف هذا أيضاً من وجوهِ اليُسر في هذه العبادة وفي هذا النُسك وهو الوقوف بعَرفة، فالوقوف بعرفة موسّع زماناً ومكاناً فيه سَعة، وليسَ في الوقوفِ بعرفة إلى الغروب ليس فيهِ حرج بمعنى يكون هناك ضرر لا، كما قُلنا لابدَّ مِنْ مشاق لابدَّ من تحمّل لابدَّ من صبر وإذا اختلفَ العلماءُ في شيءٍ فالزم هديَ نبيّك الزم هدي رسول الله فالصّواب والخير والهُدى في المذهب الذي يوافقُ هديَ الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وبعد غروب الشمس يدفعُ الحاج إلى مُزدَلِفة ويؤخّر المغربَ وفي هذا مُبادرةٌ إلى الإفاضةِ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة:198] فيبادرُ إلى الوقوف الذهاب إلى مُزدلفة فيصلّي هناك في المزدلفة المغرب والعشاء المغرب ثلاثاً والعشاءَ ركعتين ويبيتُ بها كما باتَ النبي صلى الله عليه وسلم حتّى طلع الفجرَ وصلّى الفجر في أوّلِ وقتها ثمَّ أتى عند الجبل المعروف “بالمشعر” … وكبّرهُ بعدَ صلاة الفجر وقال أيضاً: (وقفتُ هَهُنا ومُزدَلِفةُ كُلُّها موقف، أو جمعٌ كُلُّها موقف) فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ

مُزدَلِفة محدودة شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً معروفة بعلاماتها واللوحات المنصوبة كُلُّها موقف، ولكن في هذا النُّسك أعني المُقام أو المَبيت بالمزدلفة تضمّنت السُنّة ضرباً يعني أيضاً من التيسير ألا وهو أي الرخصة للضعفة من النساءِ والصبيان ونحوهم ومَنْ يلزم لهم أن يدفعوا في أخر الليلِ، وقال كثيرٌ مِنْ أهلِ العلمِ بعد نِصف الليل، ولكن الموافقُ للرخصةِ الشرعية النبويّة هو الدفعُ في أخرِ الليلِ وضبطهُ بعضُ السّلف بمغيب القمر وأنّه رخّصَ لهم عندَ مَغيبِ القمر، وهذا قريبٌ إنّه يكونُ في ثُلثِ الليل الآخر وإن كان أكثرُ أهلِ العلم يعني … وقالوا إنّهُ يجوزُ الدفعُ بعدَ نصفِ الليلِ فمن تيسّر له فلا ينبغي لهُ أن يدفع إلّا في آخر الليل مِنْ أهل الرخصة، أمّا الأقوياءُ فلا ينبغي لهم أنْ يدفعوا وأن يترخّصوا وإن كان كثيرٌ من أهل العلمِ يقولون يجوزُ لكلِّ الحاج الضعفاء وغيرهم يجوزُ لهم الدفعُ بعدَ نِصف الليل لكن نقولُ هذا خلافُ السُنّة خِلاف ما دلّت عليهِ سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، النبي بقي هو وجمهورُ الصحابة بالمزدَلفة حتى صلّوا الفجر ووقفوا عند المَشعر فلم يدفعوا إلّا قُبيلَ طلوعِ الشمسِ حينَ أوشك طلوعُ الشمس، وتمَّ الإسفارُ لمّا أسفرَ … دفعَ صلى الله عليه وسلم إلى مِنى.

فالترخّص الشرعي هو الترخّصُ للضعفاء ونحوهم، أمّا ترخّص الأقوياء يعني بالدّفع فهذا ليسَ مِنْ التيسير الشرعي بل هو مِنْ الترخّص المذهبي ولا ينبغي للحاج أن يعتمدَ فيما يفعلهُ في المناسك أنْ يتحرّى ترخيصات العلماء يجوز يجوز يجوز، لا، من يقول إنّه يجوز يقول الأفضل لك أن تبقى، حتى من يقول لك إنّهُ يجوز يقولُ لكَ الأفضل أنْ تبقى فلماذا تَعْدل عن الأفضل؟ وأنت قد جئت وتكلّفت وأنفقتَ وتحمّلت، لو أخذَ الإنسانُ بمبدأ الأخذ بترخّصات وترخيصات العلماء لكان حَجُّه يعني حج يفقدُ كثيراً مِنْ معنوية الحج.

تصوّروا الإنسان يقول: المبيت في الليلة الأولى في “مِنى” سُنّة، فيمضي إلى “عرفة” ولا يذهب إلى عرفة بعد أيضاً إلّا من الغد، ما يأتي إلى مِنى يذهب إلى عرفة، يوم عرفة ويُقيم بها ساعة بعدَ الزوال ويرجع، وإذا صار في الليل مَرَّ على مزدلفة يأتيها يخرج إليها مِنْ مِنى أو مِنْ غيرها ويمرُّ بها بعضَ الوقت ويمشي ثمَّ يرمي جمرة العقبة ويطوف، ويكون قد أنهى حَجّهُ، فيكون الباقي إمّا أنّه يسقطُ عنه أو يقولُ يجب عليَّ فيه دم ويكتفي ويكون حجّه كلّه كما قد فعلهُ بعضُ الجَهلة مِمّن لا يُبالي بكمالِ طاعتهِ وعبادتهِ لربّهِ! يعني يصير حجّه كلّه أقل من يوم وليلة، يعني كلّه اثنا عشرة ساعة يأتي إلى عرفة ويرجع ويمرُّ من مزدلفة في الليل ويرمي الجمرة صباحاً ويحلقُ ويطوف ويسعى ويمضي، هذه صورة الحج! صورة هزيلة يُصبحُ الحَج يعني مثّل العبادة المُكمَّلة والعبادة المبخوسة، بِمثل الأضحية السمينة الجيدة النفيسة والأضحية الهزيلة هكذا، مَثِّلهُ يعني إذا قال هذا سُنّة هذا سُنّة هذا ليس بواجب افعل كذا يُصبحُ الحَج مِثلُ الشجرة التي لها أغصان وليسَ على الأغصانِ ورق أليس تَفقُدُ حُسنها وجمالها ونضارتها؟! بلى، فهكذا الحَجُّ إذا جُرّدَ من أكثرِ مناسكهُ بِحُجّة أنّها سُنن وأنّه من أهلِ العلم مَن قال يجوزُ كذا ويجوز كذا، وهذا قال يجوزُ كذا.

ولهذا قال مَنْ قالَ مِنْ أهل العلم في أمورِ الدّينِ عامة أنَّ مَنْ تتبّعَ الرُّخص -أي رُخص العلماء- تزندق لأنّه يأخذ بكل قولٍ مرجوح، نعم الرُّخص التي جاءت في الحديث الصحيح: (إنَّ الله يُحبُّ أنْ تؤتى رُخصهُ) وليس رُخص العلماء بل الرُّخص التي شَرعها الله؛ كالفِطر في السفر، والقصر في السفر، وما أشبهَ ذلكَ من التّيسيرات، (إنَّ الله يُحبُّ أنْ تؤتى رُخصهُ كما يَكرهُ أنْ تؤتى معصيتهُ) وفي لفظ (كما يُحب أنْ تؤتى عزائِمهُ).

 

في يومِ العيدِ أربعةُ مناسك: رمي جمرة العقبة، النّحر لِمنْ عليه هدي، الحَلق أو التّقصير، الطّواف بالبيت، ثمَّ السّعي لِمن كانَ عليه سعي، هذه المناسك فعلها هكذا النّبي مُرتّبة رمى فنحر ثمَّ حلق رأسه ثمَّ أفاض بالبيت وطافَ بهِ صلى الله عليه وسلم، لكن من الناس مَنْ قدّم وأخّر في هذه وسأل النّبي صلى الله عليه وسلم وكثيرٌ منهم يقول لم أشعر لم أشعر فيقولُ: (افعل ولا حرج) ذبحت قبل أن أرمي! قال: (ارمِ ولا حَرج)،حلقتُ قبلَ أنْ أذبح! قال: (اذبح ولا حرج).

فمِن العلماء من قيّدَ نفي الحَرج بِمن قدّم وأخّر عن جهلٍ، وكثيرٌ مِنْ أهل العلم رأى أنّه لا حرجَ في التّقديم والتّأخير وإن كانَ الأفضلُ والسُنّة أداءُ هذه المناسك مُرتّبةً هذا التّرتيب “الرمي، النّحر، فالحلق أو التقصير، ثمَّ الطّواف” فالرسول قال ذلكَ في هذه الأمور (افعل ولا حرج) فلا يجوزُ أن نأخذَ هذا الحديث ونسحبُ معناهُ على كلِّ المناسك “افعل ولا حرج”، ادفع قبل الغروب ولا حرج مِنْ أينَ لكَ هذا!! من يقول هذا مُقتضى حديث الرسول فقد افترى، (افعل ولا حرج) هذا قالهُ الرسولُ في مناسك مُعيّنة، فما سُئِلَ يومئذٍ شيءٍ قُدّم ولا أُخّر إلّا قالَ: (افعل ولا حرج) فلا يجوز أن نقول: ادفع قبل الغروب ولا حرج، وارم قبل الزوال ولا حرج، يعني ونجعل ذلك مُقتضى سُنّة النبي ونُحمّل هذا الحديث فوقَ ما يحتملهُ ونضعهُ في غيرِ موضعهِ! افعل ولا حرج! هل يجوزُ تطبيقُ هذا الحديث في كلِّ ما بدا للإنسان!؟ يقالُ لهُ أو يقول لنفسهِ: افعل ولا حَرج! هذا مِن التّجاوز لمفاهيمِ الكلام ودلائل الكلام ووضع الأشياءِ في غيرِ موضِعها، الحديث وردَ في موضِع وفي وقت ومُتعلّق في مناسك مُعيّنة فما سُئلَ يومئذٍ عن شيءٍ قُدّم أو أُخّر -يومئذٍ- إلّا وقال: (افعل ولا حرج) ليس لنا أن ننقل “افعل ولا حرج” لكلِّ المناسك، مَنْ سألنا عن شيءٍ نقول لهُ: افعل ولا حَرج! يقول هذا أنا لم أبت بمزدلفة ولم آت مزدلفة نقول: افعل ولا حرج؟!

والمقصود أنّهُ يجبُ الفرق بين التّيسير الذي جاءت بهِ الشريعة وتضمّنته أدلّتها وأحكامها، تيسيرٌ يعني مُستمدٌّ مِنْ النّصوص، وبين التّيسير المُستمد من أقاويل العلماء وخلافات العلماء والخلاف، لا يجوزُ أنْ يكونَ مصدراً للتيسير، والمقولة التي أطلقها بعض أهلِ العلم “أن اتّفاق العلماء حُجّةٌ قاطعة واختلافهم رحمةٌ واسعة” هذه مقولةٌ غيرُ مُسلّمة لِمَن أطلقها، خلافهم رحمة واسعة! بل إجماعهم هو الرحمة لأنَّ فيه الطَّمأنينة والوِفاق، ليست الرحمةُ في النزاع، الرحمة في الوَفاق والاتّفاق واجتماع الكلمة، ليست الرحمة في الاختلاف والخلاف، لكن الخلاف الذي بين العلماء هو ابتلاء فيه ابتلاء حتّى يتبيّن مَنْ يطلب الحق مِمن يتّبع هواهُ، وكثير من الباطل الذي يمارسهُ الآن الناس ويفعلونه يُعوّلون فيهِ على الخلاف، لا يعنيهم ما تقتضيهِ النصوصُ الشرعية هذا فيه خلاف.

يقول بعض أهل العلم: “هذا حرام” وآخر يقول: حلال، خلص يعني المهم أنْ نأخذَ مِنْ أقاويل العلماء ما يوافق الهوى! هذا طريقٌ مُنحرف عن الصراط المستقيم، هذا لا يَليقُ بِمَن يُريدُ الحق ويريدُ النّجاة لنفسهِ ويريد الأجر والثواب ويريد اقتفاء نبيّه والأسوة به وبالسّلف الصالح، فيه خلاف كثير من الناس، الآن يلهج إذا قيلَ لهُ كذا، قال: فيه خلاف، طيّب إذا صار فيه خلاف! اطلب الحق، المُتّبع لهواه يسأل هذا العالِم فلا يجدُ عندهُ ما يريده فيذهب إلى الثاني فيفتيهِ بِما يشتهي! يعني فيتخيّر هذا لا يجوز.

 

يسألُ بعضُ الناس يقول إذا اختلفَ العلماء والمُفتون العامّي كيف يصنع؟ نقول له عليه أن يأخذ بمذهبِ مَنْ يثقُ بعلمهِ ودينه لا بِمن توافقُ فتواهُ هواه ونضربُ لهذا مثلاً لو أن مريضً ذهب إلى طبيبٍ فأرشدهُ إلى وصفة وذهبَ إلى آخر فأعطاهُ وصفةً أخرى الآن أصبح هناك خلاف بينَ الطبيبين فالعاقل ماذا يصنع يأخذُ بأيِّ الوصفتين ويعتمد على أيّ الطبيبين؟ العاقل يتحرّى أيُّ الطبيبين أجود وأمكنُ في علمهِ وأيّهما أحرى بالنّصيحة والأمانة هذا هو العاقل وهذا هو الجاري من حال الناس في أمرِ أبدانهم ودُنياهم، يُرجّحون بِمن يثقونَ بعلمهِ وأمانتهِ بعلمهِ في تَخصُصِه وبأمانته ونُصحهِ، اعتبر هذا في مسائل الدين وعلى العالِم وطالبُ العلمِ عليه أن يجتهد ويتحرّى ما تقتضيه -يعني يتحرّى في مذهبهِ وعملهِ- ما تقتضيه النصوصُ الشرعية ولا يتأوّل الأدلة ويلوي أعناق النصوص لتوافق رأيه أو رأي من يُعظّمه مِنْ أصحاب المذاهب، كما يفعلُ المتعصّبون مِنْ المُقلّدين يلوون أعناق النصوص لتوافق مذهبَ فلانٍ أو فلان ممّن يتّبعه ويترسّم خُطاه، وليسَ للمسلم إمام يقتدي بهِ اقتداءً مطلقاً إلّا النبي صلى الله عليه وسلم.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا الصراطَ المستقيم فإنَّ الصراط المستقيم هو في تحقيق التوحيد وتحقيقِ الإخلاص وتحقيقُ المتابعةِ للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو مُقتضى شهادة “أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله”، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم صراط الذين أنعمَ اللهُ عليهم مِنْ النّبيين والصدّيقين والشهداء والصّالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا، والله أعلم.

 

 

 

—-

 

(*) أصل المقال محا ضرة ألقيت بجامع “الأميرة نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز” بمدينة الرياض

 

المصدر: المسلم

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات