طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الاستقامة على أصول صراط الإسلام

ملتقى الخطباء

(324)
6220

الاستقامة على أصول صراط الإسلام

1440/11/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي

 

 

 

أصول صراط الإسلام:

 

من أعلام الهداية للسائرين والمشتاقين إلى الجنة ونعيمها وأحوالهم، استقامتهم على أصول صراط الإسلام بالعلم والتوحيد والاتباع والمجاهدة: فتلك الأنفس المجاهدة الموقنة، قد لازمت في سبيل مرامها أصول الصراط الأوحد، والسبيل الأمجد، والنعيم الأسعد، وقامت بذلك حق القيام، ورفعت عن نفسها يوم القيامة الحسرة والملام، فكان شغل حالها، وهمس جهادها، وحثيث غايتها يقوم على ثلاثة أمور:

 

الأمر الأول: معرفة الله – تبارك وتعالى – إيمانًا ومحبة وتعظيمًا وتوحيدًا، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، ومعرفة أمره ونهيه، وحكمة خلقه في كونه، وكونهم خلقوا للعبادة والتوحيد والإيمان به تعالى، قال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “فهم معاني أسماء الله – تعالى – وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل.. وغير ذلك من ثمرات معرفة تلك الصفات”. وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: “لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب – جل جلاله – ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان”. فإذا نقص التوحيد أو ضعف في قلب صاحبه ربما أفضى به إلى الوقوع في صور من الشرك أو الشك، أو النفاق.

 

 

الأمر الثاني: معرفة دين الإسلام، الذي هو دين الله  تعالى وحده، وما جاء فيه من الهدى والإيمان، والحلال والحرام، وما جاء فيه من عقيدة التوحيد الصافية، والعبادة الهادية، والأخلاق الزاكية، والآداب العالية، والمعاملات الوافية، فإذا نقص عن هذا الحد في شيء مما ذكرنا ربما أفضى بصاحبه للمعاصي والكبائر والسيئات، وأنواع من الغش والظلم، والتخلق بسفاسف الأخلاق وسيئها.

 

 

الأمر الثالث: معرفة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وكمال الإيمان به، والتصديق لخبره، والاتباع لهديه وأخلاقه الزاكية، وآدابه الصافية، وسنته وشرعته الكافية الهادية، فإذا نقص عن هذا الحد ربما أفضى بصاحبه إلى الوقوع في صور من البدع ومتابعة الأهواء والمخالفات وفرق أهل الضلال. فلا يوصف بعد تحقق هذا المراتب والأصول بما يقدح في إيمانه وتوحيده واتباعه، أو يقع في مخالفتها بوقوعه في صور من الشرك أو النفاق، أو ملازمته للكبائر والذنوب والمعاصي، أو مخالفته للسنة النبوية بالولوج في البدع والأهواء والتفرق.

 

 

معاني الاستقامة وحقيقتها:

 

ولهذا جاءت الآيات بينات في ذلك، بأن ملازم هذه المراتب حقًا وصدقًا وعملًا هم أهل الاستقامة على أصول صراط الإسلام، وأنهم أهل البشرى بالجنة والنعيم، لكمال توحيدهم وإيمانهم، ودوام استقامتهم، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112].

 

 

وكذلك قال – تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت:30-32].فاستقامتهم هنا كانت قائمة على معرفة الله وتوحيده وأسمائه وصفاته، ومعرفة دينه الذي هو أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ومعرفة رسوله وسنته وهديه، وهذه أصول دين الإسلام الكبرى، فلما تحققت لهم استقاموا عليها، ولم ينحرفوا عنها حتى لقوا ربهم تعالى في الآخرة، قال العلامة ابن سعدي – رحمه الله – في تفسيره “تيسير الكريم الرحمن”: “يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملا فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة”.

 

 

وقال الإمام الشوكاني – رحمه الله – في تفسيره “فتح القدير”: ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ﴾ أي: وحده لا شريك له “ثُمَّ استقاموا” على التوحيد، ولم يلتفتوا إلى إله غير الله، قال جماعة من الصحابة، والتابعين: معنى الاستقامة: إخلاص العمل لله. وقال قتادة، وابن زيد: ثم استقاموا على طاعة الله، وقال الحسن: استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد، وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلاّ الله حتى ماتوا، وقال الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية، ورغبوا في الباقية ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة ﴾ من عند الله سبحانه بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع، أو دفع ضرر، أو رفع حزن. وقال ابن زيد، ومجاهد: تتنزل عليهم عند الموت، وقال مقاتل، وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال وكيع: البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث”.

 

 

أهل الاستقامة وأهل الغي بعد الموت:

 

ولهذا كان امتحان القبر وفتنته مدارها على هذه الأمور، لأن العبد إذا مات وأدخل القبر، أتاه ملكان، فيسألانه؛ من ربك؟ ما دينك؟ من الرجل الذي بعث فيكم؟

 

فإذا وفق العبد وثبت وأجاب عنها، حصلت له السعادة والنعيم في قبره حتى تأتي الساعة، ليخرج إلى نعيم الجنة دار السلام، وإذا لم يثبت – أعاذنا الله من ذلك – ولم يجب عنها حصل له الوعيد والعقاب، وحق عليه الويل والعذاب، وهذا صحيح ثابت بنصوص الوحي، لا ينكره إلا من عميت بصيرته، وضل سعيه، وكان من الهالكين الغافلين، فقد جاء في القرآن قول الله – تعالى -: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].

 

 

قال العلامة ابن سعدي – رحمه الله – في تفسيره “تيسير الكريم الرحمن”:

 

“يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذا قيل للميت ” من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ” هداهم للجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: “الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي”، “وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ”عن الصواب في الدنيا والآخرة، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم، وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة، وصفتها، ونعيم القبر وعذابه”.

 

 

وجاء في السنة النبوية الصحيحة الثابتة، ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”. وفي رواية: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت”، نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد”.

 

 

وجاء في الحديث الطويل عند الإمام أحمد، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: “استعيذوا بالله من عذاب القبر” مرتين أو ثلاثا، ثم قال: “إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان”. قال: “فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض”. قال: “فيصعدون بها فلا يمرون – يعني بها – على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيب فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة – فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال: “فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن قد صدق فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة”. قال: “فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره”. قال: “ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي”.

 

 

قال: “وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله”، قال: “فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان – بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا – حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له”، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط”،فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: “ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق”. فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك: فيقول: هاه هاه لا أدرى فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة”. وفي رواية نحوه وزاد فيه: “إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم. وتنزع نفسه يعني الكافر مع العروق فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم”.

 

 

تحقق المجاهدة واليقين عند أهل الاستقامة:

 

كما أن هذه الأصول أيضًا هي معالم الطريق المستقيم إلى الجنة دار السلام، ومنارات الهدى لكل سالك مجاهد، ولهذا فقد عقد أهل الإيمان والتوحيد عليها البيعة لله – تعالى -، ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ… ﴾ [التوبة: 111] ، وجاهدوا بذلك حق الجهاد، وصانوا أنفسهم وقلوبهم وجوارحهم عن كل عيب ودنس، وطهروا قلوبهم وأعمالهم من كل شرك ونفاق ونجس.

 

 

وما حملهم على ذلك كله إلا لما عاينوا الجنة ونعيمها، وطعامها وشرابها، ولباسها وأشجارها، وسقيها وأنهارها، وحورها ودلالها، وغلمانها وخدامها، وسعادتها وبهجتها، وكمالها وخلودها، ولذة العيش بين أكنافها وقصورها، وكمال اللذة والنعيم برؤية الرحمن فيها، معاينة باليقين المعقود في قلوبهم، وبالوصف البين الظاهر في كتابهم، وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم.

 

 

 

وهذا هو عين اليقين والإيمان، أن توقن النفس المؤمنة بما وعد الرحمن، وأعد لها في الجنة دار النعيم والسلام، وأن يبلغ الإيمان بها في عالم الملكوت، كمال رؤيتها في العالم المنظور بالعين المجردة والمشهود، فكأن الجنة وما حوته من أنهار وأشجار وقصور وحور، ونعيم وفواكه وسرور، ونشوة ولذة وحبور، أمام العين للناظر، وما تتمناه في القلب والخاطر، مشهود وظاهر، وهذا ورب الجنة من أكمل اللذات، وأتم النعم، وأعظم السعادة.

 

 

ولهذا فقد جدوا واجتهدوا وبادروا لتحصيل السبل الموصلة إليها بكل سبيل، واتصفوا بصفات أهلها بالجميل، من معادن الأخلاق والأدب النبيل، وكمل الله هذا الأمر بوصفه لهم في كتابه فقال – تعالى – مبينًا وصفهم وحالهم وأعمالهم: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142].

 

 

فجعل هنا دخول الجنة قائم على تحصيلهم للجهاد والمجاهدة، والصبر والمصابرة. وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125،124]، فجعل هنا إقامة العمل الصالح الذي يجمع بين الإخلاص، والمتابعة، سببًا عظيمًا في دخول الجنة، وتحصيل كمال النعيم فيها.

 

 

كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الأعراف: 42]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].

 

 

وقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 60-63]. وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت: 59،58]. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأحقاف: 14،13].

 

 

وجملة آيات الكتاب تدور في بيان عمل أهل الجنة على تحقيق التوحيد وكمال الإيمان، وتحقيق الاستقامة به بالعمل الصالح الذي هو ثمرة الإيمان في القلب والنفس.

 

 

وخلاصة القول: أن مدار عمل المشتاقين إلى الجنة قائم على ثلاثة أمور وهي: كمال الإيمان والتوحيد والمعرفة، وكمال الاستقامة عليها، ودوام المجاهدة لها، وهذه من جوامع المعالم والسبل الموصلة إلى الجنة وتحصيل كرامتها ونعيمها بإذن الله الكريم الوهاب. قال ابن القيم – رحمه الله -:

 

“ولما علم الموفقون لما خلقوا له، وما أريد بإيجادهم رفعوا رءوسهم، فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من بعض الغبن بيع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش، إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلاً أبكى كثيراً، وإن سر يوماً أحزن شهوراً. آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته.

 

 

فيا عجباً من سفيه في صورة حليم، ومعتوه في مسلاخ عاقل، آثر الحظ الفاني على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها الأرض والسماوات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار.

 

 

وأبكاراً عرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان بخبيثات قذرات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان، وحوراً مقصورات في الخيام بخبيثات سيبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل جبار عنيد.

 

 

وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رءوس الأشهاد ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر «لَعَلِمَ أي بضاعة أضاع وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع».

 

 

وعلم أن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعتريه الآفات ولا يلحقه الزوال وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال فهم في روضاتِ الجنة يتقلبون، وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون، وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون وبالحور العين يتنعمون وبأنواع الثمار يتفكهون. يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعلمون. يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون.

 

 

تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا أسنام! إلا أفراد من العباد!

 

 

فوا عجبا لها كيف نام طالبها وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها! وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها!

 

 

وكيف قَرَّ للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها! وكيف قرت دونها أعين المشتاقين!

 

 

وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين! وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين!

 

 

وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين! “.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات