طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

(184)
6214

المُجَاهِد

1440/11/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

جمال فتح الله عبدالهادي

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 

فالإنسان كائن ضعيف، يتعرض لنوازع الخير والشر، وقد يضعف وينساق إلى طريق الرذيلة والانحراف، ويدفعه الشر إلى طريق الظلم والتعدي، ويزين له الشيطان فعل المنكرات، وهذا شغله الشاغل، لكن عنصر الخير يحرك فيه ضميره، ويُشعره بالندم، ويحثه على الرجوع إلى الحق، والاستجابة لنداء العقل.

 

وتختلف قدرات الناس، وقوة إرادتهم، وصفاء نفوسهم، وشفافية أرواحهم، فمنهم مَن يروض نفسه على السير على طريق الفضائل والمكرمات، ويربيها على المبادئ والأخلاق، ويقاوم الشهوات، والميول المنحرفة، ويلزم نفسه بالاستقامة والإنصاف، فهذا يستطيع أن يواجه الشر، ويتحمل في سبيل ذلك كل أمر عسير، ولا يفقد الأمل بتغلب الخير واندحار الشر، وزواله، ويستعين بالله في ذلك.

 

ومنهم مَن ينساق وراء الشهوات، ويعجز عن إلزام نفسه بالفضائل، ويتخلى عن كثيرٍ مِن أوامر الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويضعف أمام المواجهة، ويفقد الأمل في تغلب الخير على الشر، والسرّ في المسألة كلها أن يُجاهد العبد هواه ونفسه الأمّارة بالسوء، لينال الهداية من الله، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: “كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ، وَأَصْلًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوَّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ، وَيُحَارِبهَا فِي اللَّهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ، وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ، وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ، مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُجَاهِدْهُ، وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللَّهِ؟! بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِ، حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ… ” (زاد المعاد).

 

والحاصل: أن المسلم إذا جاهد نفسه على تجنب المعاصي وفعل الطاعات ممتثلًا لأمر الله -تعالى- ونهيه فإنه يُثاب على ذلك -إن شاء الله- بقدر ما جاهد نفسه في الله، ولكن كيف تكون المجاهدة؟

 

قال ابن القيم -رحمه الله-:

 

“جهاد النفس أربع مراتب:

 

إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق؛ الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.

 

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه.

 

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه مَن لا يعلمه.

 

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله؛ فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار مِن الربانيين”.

 

وقد جمع السعدي -رحمه الله- بين الأمرين فأجاد وأفاد -رحمه الله-، فقال: “(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) وهم الذين هاجروا في سبيل اللّه وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته. (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أي: الطرق الموصلة إلينا؛ وذلك لأنهم محسنون. (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) بالعون والنصر والهداية؛ دلَّ هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب: أهل الجهاد، وعلى أن مَن أحسن فيما أُمر به، أعانه اللّه ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن مَن جدَّ واجتهد في طلب العلم الشرعي فإنه يحصل له مِن الهداية، والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل اللّه، بل هو أحد نَوْعَي الجهاد الذي لا يقوم به إلا خواص الخلق، وهو: الجهاد بالقول واللسان للكفار والمنافقين، والجهاد على تعليم أمور الدين، وعلى رد نزاع المخالفين للحق ولو كانوا مِن المسلمين”.

 

وجمع الله -سبحانه- هذه المراتب في آية جاءت على لسان لقمان -عليه السلام-: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان:17).

 

فإذا استكمل العَالِمَ هذه المراتب الأربع صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانيًّا حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علِم وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السماوات، فهل لكَ الشرف أن تكون منهم؟!

 

والحمد لله رب العالمين.

 

المصدر: الفتح

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات