طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > بيان القرآن لانحرافات اليهود والنصارى والرد عليهم (2)

ملتقى الخطباء

(162)
6155

بيان القرآن لانحرافات اليهود والنصارى والرد عليهم (2)

1440/10/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

ناصر عبدالغفور

 

2- من انحرافات النصارى:

 

لقد عظمت انحرافاتُ النصارى، واعتقدوا اعتقاداتٍ باطلةً تدل على عدم تقديرهم لرب الأرض والسماء، بل تدلُّ على كفرهم المتأصل.

 

ففي الوقت الذي غلا اليهودُ في بُغضِ عيسى عليه السلام وكُرهِه – مما جعلهم يرمونه وأمَّه بالعظائم ويصفونهما بأقبح الأوصاف – نجد النصارى غلوا في حبه وتقديسه، فرفعوه عن مرتبة البشرية إلى مرتبة الأُلُوهية.

 

وقد اختلف النصارى في عقيدتِهم في المسيح عليه السلام، وانقسموا فِرقًا، كل فِرقة تدَّعي ما لا تدَّعيه الفِرقة الأخرى، وهذا حال مَن ابتعد عن الحق وعاداه، فلا بد أن يضلَّ، ويكون كما قال ربنا: ﴿ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ [ق: 5].

 

وقد عقد النصارى مجامع عدَّة تزيد – كما يقول العلماء – عن ثمانين مجمعًا، للخروج من الخلاف، فلا يزدادون – عياذًا بالله – إلا اختلافًا وتفرقًا وتمزقًا وتلاعنًا، حتى قال بعض العقلاء: “لو اجتمع عشرةٌ من النصارى يتكلَّمون في حقيقةِ ما هم عليه، لتفرقوا عن أحدَ عشرَ مذهبًا”!

 

ولقد انقسم النصارى عمومًا على ثلاثِ فِرق:

 

  • اليعقوبية التي تزعم أن عيسى عليه السلام هو الله تعالى، وأنه سبحانه حلَّ بذاته في المسيح، تعالى الله علوًّا كبيرًا عمَّا يقول الظالمون.

 

  • الملكانية، وهي التي تقول بالتثليث.

 

  • والنسطورية التي تقول: إن عيسى ابن الله، تعالى الله علوًّا كبيرًا عن ذلك.

 

وكانت هذه الاعتقادات وهذه الافتراءات من أعظم الانحرافات التي سجَّلها لنا القرآن الكريم عن هؤلاء النصارى عليهم لعائن الله.

 

1 – قولهم: إن عيسى هو الله:

 

من أخطر وأعظم انحرافات النصارى العقدية ادعاؤهم أن الله هو عيسى ابن مريم عليهما السلام، وهذا ما ندَّد به القرآن أعظم تنديد، وبيَّن بطلانه، وتوعَّد وهدَّد مَن يصدر منه، وحكم عليه بالكفر؛ وذلك لكون هذا القول جرأةً عظيمة على الله، وتنقصًا له سبحانه.

 

قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 17].

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72].

 

 

 

و”قد” إذا دخلتْ على الفعل الماضي تفيد التحقيق، فحكم الله تعالى بالكفر المحقَّق على مَن زعم هذا الزعم الفاسد.

 

وقد بيَّن الله تعالى بطلان هذه الفِرية وهذا القول من عدة وجوه:

 

  • دعوة عيسى عليه السلام قومه لعبادةِ الله تعالى، وتحذيرهم من عاقبة الشرك المتمثِّل في حرمان الجنة ودخول النار عياذًا بالله، وهذه الدعوة من هذا الرسول الكريم تحملُ في طياتها تبرؤًا ممَّا وصفه به النصارى الضُّلالُ.

 

 

 

  • تأكيد الله تعالى على عدم ربوبية عيسى عليه الصلاة والسلام وأمه، وأنهما بشر يتَّصِفان بصفة البشر، وبالتالي فهما لا يستحقان شيئًا من الربوبية أو الألوهية؛ قال جل في علاه: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المائدة: 75].

 

 

 

  • تبرُّؤ عيسى عليه الصلاة والسلام يوم القيامة من هذه الفِرية العظيمة، والوصف الجلل الذي نسبه النصارى إليه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 116 – 117].

 

 

 

  • تقدُّم عيسى عليه السلام بأنه عبدُ اللهِ، فكانت أوَّل كلمةٍ نطق بها وهو في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ [مريم: 30]، وبعدها قال: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم: 36]، ولم يقل: “إني أنا الله”!

 

 

 

2 – قولهم بالتثليث:

 

وهذا كذلك من أقبحِ قبائح النصارى وأعظم انحرافاتهم؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 73].

 

 

 

وقد اختلف أهل التفسير في المراد بهذا التثليث:

 

فقيل: المراد بذلك كفَّارُهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهي أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب والابن، والطوائف الثلاثة – من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية – تقول بهذه الأقانيم.

 

 

 

وقيل: المراد بالثلاثة: الله، وعيسى، وأمه مريم، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، وهذا ما ذهب إليه السُّدي، وغيره، وهو ما رجَّحه الحافظ ابن كثير، واكتفى بذكره الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي، رحمهما الله.

 

 

 

وقد أبطل الله تعالى هذا الزعمَ، ورد عليه ردًّا مفحمًا؛ إذ يقول معقبًا على قولهم الشنيع: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [المائدة: 73]، وهذا أسلوب الحصر والقصر، وهو من أساليب تأكيد وحدانيته سبحانه؛ فهو الواحد الأحد، في ذاته وصفاته وأفعاله، في ألوهيته وربوبيته، فكيف يشتبه به غيرُه؟! أو كيف يمكن لعاقلٍ أن يدعي أن هناك مَن يشاركه في ألوهيته سبحانه؟!

 

 

 

كما توعَّد أصحابَ هذا القولِ بأشد العذاب: ﴿ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 73]، واللام لامُ القسم، والنون نون التوكيد؛ فالعذاب أمرٌ محتم ومؤكد لمَن سوَّلت له نفسه هذا الأمر العظيم، إن لم يَتُبْ إلى الله الكريم.

 

 

 

3 – قولهم: إن عيسى ابن الله:

 

وهذا الانحراف من الانحرافات التي تتَّفِق فيها النصارى مع اليهود، فكلهم يزعمون أن لله ولدًا، وإن اختلفوا في هذا الولد؛ لذا نُرجِئ الحديث عن هذا الانحراف إلى المسألة المقبلة.

 

 

 

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

 

“ومن المعلوم أن هذه الأمة – أي النصارى – ارتكبت محذورينِ عظيمينِ، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة:

 

أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنِفوا أن يكون عبدًا له.

 

والثاني: تنقُّص الخالق وسبه ورميه بالعظائم…”؛ إغاثة اللهفان.

 

 

 

وهذا التنقُّص هو ادعاؤهم أن الله تعالى نزَل من فوق العرش لتحمِلَ به مريم، ثم تلده وتُرضِعه، ويسير عليه ما يسير على سائر البشر؛ من الجوع والعطش والبول والتغوط! تعالى الله علوًّا كبيرًا عن ذلك.

 

يقول ابن القيم: “ولعَمْرُ اللهِ، إن هذه مسبَّة لله سبحانه ما سبَّه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم”.

 

 

 

3 – من انحرافات اليهود والنصارى المشتركة:

 

بتتبُّع آيات القرآن الكريم نجد أن هناك مجموعةً من انحرافات اليهود والنصارى ذكَرها الله تعالى على وجه العموم؛ لتشمل كلا الطائفتين، وهذا ما يُعبِّر عنه القرآنُ: إما بلفظ أهل الكتاب أحيانًا، أو بذكر اليهود والنصارى في نفس الآية والسياق، ومِن هذه الانحرافات:

 

1- نسبتهم الولد لله جل وعلا، تعالى الله علوًّا كبيرًا عن ذلك:

 

قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30]، فاشتركوا في ادِّعاء الولد لله تعالى، وإن اختلفوا في هذا الولد؛ فاليهود يزعمون أن عُزيرًا ابن الله، والنصارى تزعم أن عيسى ابن الله، أشبهوا في ذلك قولَ الذين كفروا مِن قبلهم، الذين ادَّعوا أن الملائكة بنات الله!

 

 

 

وقد بيَّن الله تعالى بطلان هذا الادعاء وهذه النسبة، وبيَّن خطورتها، وكيف لا تكون كذلك، وهي نسبة الولد لمالك الملك، الذي انفرد في ذاته وصفاته، والذي لا ينبغي أن يكون له ولد؛ لأنه في غاية الكمال، وله المثل الأعلى، الذي لا يتطرق له نقص بوجه من الوجوه؟!

 

 

 

وهذه بعض وجوه الردِّ على هذه الفِرية العظيمة والبهتان الكبير:

 

  • قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 88 – 95]؛ فاتِّخاذ الولد من الأمور التي لا تنبغي، وتستحيل في حقه سبحانه؛ لكماله المطلق، ولغناه الكامل.

 

 

 

  • قال تعالى: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ﴾ [الأنعام: 101]؛ فوجود الولد يلزم منه وجودُ صاحبة أو زوجة، والله تعالى لم تكن له أي صاحبة، فكيف يكون له ولد؟! كما قال تعالى على لسان مؤمني الجن: ﴿ مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴾ [الجن: 3].

 

 

 

  • قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 – 4].

 

 

ذُكر في سبب نزول هذه السورة أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: صِفْ لنا ربك، أو انسُبْ لنا ربك، فنزَلَت مبيِّنة أن الله تعالى أحدٌ صمدٌ، ليس له كفؤٌ، يستحيل في حقه الولد؛ لأن ذلك يقتضي وجود صاحبة، كما أن هذا الولد لا بد أن يكون شبيهًا بالله تعالى في بعض صفاته، وهذا كله يتناقض مع أحَدِيَّته سبحانه وصمديَّتِه.

 

 

 

2 – اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله تعالى:

 

وهذا أحد الانحرافات التي وقع فيها اليهود والنصارى على حدٍّ سواء؛ كما قال تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 31].

 

 

 

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذه الآية، وكيف أنهم اتَّخذوا هؤلاء الأحبار والرهبان أربابًا؛ فعن عَدِي بن حاتم: أنه سمِع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيةَ، فقلتُ: إنا لسنا نعبدُهم، قال: ((أليس يُحرِّمون ما أحل الله فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله فتُحِلُّونه؟!))، فقلت: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم))؛ رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسَّنه، وهو في صحيح الجامع تحت رقم: 3094.

 

 

 

وقد أورد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهَّاب رحمه الله تعالى هذا الحديثَ في كتاب التوحيد، تحت باب: “مَن أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله”.

 

 

 

3 – زعمُهم أنه لن يدخل الجنة سواهم:

 

قال جل وعلا: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]؛ أي إن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان يهوديًّا، والنصارى كذلك قالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان نصرانيًّا!

 

 

 

وهذا منهم مجرَّد ادِّعاء، لا يقوم على أدنى دليل أو برهان؛ لذلك كذَّبهم الله في قولهم، وسألهم الحجَّة والبرهان، فهي مجرد أمانيَّ كاذبة، وأوهام داحضة، وأنَّى لهم أن يأتوا بأدنى دليل على قولهم الفاسد؟! فلقد حجَّروا واسعًا، وافترَوا على الله كذبًا؛ لذلك قال تعالى معقبًا على قولهم: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 112]، و﴿ بَلَى ﴾ [البقرة: 112] – كما يقول صاحب تفسير المنار – “كلمةٌ تُذكر في الجواب لإثبات نفي سابق، فهي مبطِلة لقولهم: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ﴾ [البقرة: 111]؛ أي: بلى إنه يدخلها مَن لم يكن هودًا ولا نصارى؛ لأن رحمة الله ليست خاصةً بشَعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل مَن يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بيَّنه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [البقرة: 112]؛ تفسير المنار: (1/ 346).

 

 

 

4- تمنِّيهم ارتداد المسلمين عن دينهم واتِّباع ملتهم:

 

وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم في أكثرَ مِن آية:

 

قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [البقرة: 135].

 

وقال جل شأنه: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ… ﴾ [البقرة: 109].

 

 

 

يقول العلامة محمد رشيد رضا في مناره:

 

“فهو بيانٌ لِما يُضمِرونه وما تكنُّه صدورُهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام، التي عرَفوا أنها الحق، وأن وراءها السعادةَ في الدارين، ولكنهم شقَّ عليهم أن يتَّبِعوهم، فتمنَّوا أن يُحرَموا هذه النعمة ويرجعوا كفارًا كما كانوا…”؛ (1/ 341).

 

 

 

فكانت ردَّةُ المؤمنين عن دينِهم مِن أعظم أمنيات اليهود والنصارى؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 105].

 

 

 

ولتحقيق هذه الأمنية الخبيثة، فقد سلك اليهود والنصارى عدة سبل، منها:

 

  • إلقاء الشُّبَه بين المؤمنين، ومحاولة تشكيكهم في دينهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72]، “ولم يَدْرِ هؤلاء الماكرون أن دينَ الله حقٌّ، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب لم يزدَدْ صاحبُه على طول المدى إلا إيمانًا ويقينًا، ولم تزِدْه الشُّبَه إلا تمسكًا بدينه، وحمدًا للهِ وثناءً عليه حيث مَنَّ به عليه”؛ تيسير الرحمن: 109.

 

 

 

  • المقاتلة: كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217]، وهذا الوصف – كما يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى – “عامٌّ لكل الكفارِ، لا يزالون يقاتلون غيرَهم حتى يردُّوهم عن دينهم، وخصوصًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى…”.

 

 

 

5 – استخفافهم بكتب الله تعالى:

 

قال تعالى ذكره: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [البقرة: 113].

 

 

 

ذكَر أهل التفسير أنها نزَلت لَمَّا قدِم وفد نَجْران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاهم أحبارُ اليهود، فتناظروا وتقاوَلوا بذلك – لكن كما هو معلوم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب – وهذا القول منهم يدلُّ على مدى استخفافهم بكُتُب الله تعالى؛ لأن قول اليهود في حقيقته جحودٌ وإنكار للإنجيل الذي تدينُ به النصارى، وقول هؤلاء في حقيقته جحودٌ وإنكار للتوراة، وكما أن الإنجيل يُحقِّق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام، فإن التوراة تُحقِّق نبوة عيسى عليه السلام.

 

 

 

ولا تزال اليهود إلى اليوم تدَّعي أن المسيح المبشَّر به في التوراة لَمَّا يأتِ، وتنتظر ظهوره وإعادته المُلْك إلى شَعب إسرائيل!

 

وهناك انحرافات كثيرة أخرى، اشترك فيها اليهود والنصارى؛ من مثل قولهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه، واتخاذهم لدين الله هزوًا، وصدهم عن سبيل الله، ونقضهم للمواثيق؛ كما قال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ [المائدة: 13]، هذه في اليهود، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ… ﴾ [المائدة: 14]، وهذه في النصارى، فكلهم نقضوا الميثاق الذي أُخِذ عليهم، وهناك انحرافات أخرى.

 

 

 

المراجع:

 

  • الإتقان في علوم القرآن.

 

  • جامع البيان عن تأويل آيِ القرآن.

 

  • فتح القدير.

 

  • تفسير المنار.

 

  • تفسير المراغي.

 

  • عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير.

 

  • تفسير البحر المحيط.

 

  • تيسير الرحمن.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات