طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > قاعدة الدين الإسلامي هو الصلاح المطلق

ملتقى الخطباء

(200)
5855

قاعدة الدين الإسلامي هو الصلاح المطلق

1440/05/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

ساعد عمر غازي

 

 

هذه القاعدة ذكرها العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله[1].

 

الشرح:

 

الصَّلاحُ: ضد الفساد، تقول: صَلَح الشيء يَصْلُح صُلوحًا، والإصلاح: نقيض الإفساد[2].

 

ويقال: صلح الشيء: إذا زال عنه الفسادُ، وصلح المريض: إذا زال عنه المرضُ، وهو فساد المزاج، وصلح فلان في سيرته: إذا أقلع عن الفساد[3].

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأما الفساد، فهو: ضد الصلاح، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: 142]، وقال: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56]”[4]، وقال أيضًا: “فإذا أُطلق الصلاحُ تناول جميعَ الخير، وكذلك الفساد يتناول جميعَ الشرِّ”[5].

 

وأفاد السعدي رحمه الله في بيان معنى الصلاح هاهنا بقوله: “أمَّا الصلاح، فأنْ تكون الأمورُ كلها ظاهرها وباطنها دينها ودنيويها معتدلةً كاملة مكملة، حاصلاً لها من الأوصاف الصالحة والنُّعوت المصلحة ما يُوصلها إلى الصلاح الحقيقي، وبذلك ينتفي عنها الفساد”[6].

 

والمراد بالصلاح الحقيقيِّ الذي لا يحقِّقه إلا الإسلام؛ هو: أن تكون الأمورُ كلُّها مستقيمة معتدلة مقصودًا بها غايتها الحميدة، التي قصد الله إليها[7].

 

وعليه؛ فالخلق صلاحُهم وسعادتهم في أن يكون اللهُ هو معبودَهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم، ويكون ذلك غاية الغايات ونهاية النهايات[8]؛ ولذا قال السعدي رحمه الله: “أليس هذا هو الصلاح الحقيقي الذي لا يمكن صلاح الأحوال إلا به؟! فهل يُمكن أن يَصلح عبد لم يُفرِد ربَّه بمعرفته ومحبته والإنابة إليه، ولم يَنقَدْ في ظاهره وباطنه إلى القيام بعبوديته وحقوق خلقه؟! فلو خلَت القلوبُ من هذه المعاني الجليلة، فهل يمكن أن تصلح؟! وهل يمكن أن تَصلح الحركات الظاهرة والباطنة؟ هذا ممتنع ومستحيل.

 

فالقلوب الخالية من الإيمان، المتجردة عن الانقياد والإذعان إليه حيث انقطعت عن الله، فلا بد أن تتَّبع شهواتها وأهواءها، وبذلك تفسد الأحوال كلها.

 

وهذا برهانٌ ظاهر نيِّر على أنَّ الصلاح في الدين والدنيا مَنوط بالقيام بالدين الإسلامي”[9].

 

وهناك أيضًا براهين أخرى تدلُّ على أن الصلاح الحقيقي في دين الإسلام، فيقال للشاكِّ في تعاليم الدين الراقية: أيُّ الأمور خير: ما دعا إليه الدين من قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، الذي به صلاح الأمور؟ أم طريقة الإسراف والتبذير، وطريقة البخل والتقتير؟!

 

وما دعا إليه الدِّين من الإحسان في عبادة الخَالق، وإيقاعها على أحسنِ الوجوه وأكملها، والإحسان إلى الخلق بكل وسائل الإحسان، أم ما يدعو إليه المنحرفون؛ من الإعراض عن عبادة الله وحده، والإقبال التامِّ على شهوات النفوس الخسيسة، وجعلها هي مَبلَغ علمِ الإنسان، وكل همه منع الإحسان إلى الخلق، بل مقابلة الإحسان بالإساءة؟!

 

وهل ما دعا إليه دينُ الإسلام؛ من وجوب برِّ الوالدين وصلة الأرحام وأداء حقوق الأصحاب والجيران والمعاملين بطريقة العدلِ والفضل خيرٌ، أم طريقة الأثرة والعقوق والقطيعة والجور في المعاملات؟!

فلا بد أن يقول العقلُ الصحيح: هذا الأمر الجلِي لا يحتاج إلى طلبٍ ترجيح.

 

ويقال للشاكِّ في اشتمال الدين الإسلامي على غاية الصلاح: لا يشكُّ أحد من العقلاء أن مصالحَ البشر متعارضة، ومطالبهم متباينة، والمصالح مختلفة، والأهواء غالبة، فكان هذا أقوى البراهين على اضطرار الخلقِ إلى دينٍ وشرع سَماوي معصوم يحدِّد لهم الحدود، ويشرِّع لهم الشرائعَ، وينهج لهم طريقَ العدل والإنصاف، ويمكِّن بعضهم من الانتفاع ببعضٍ بطمأنينة وحياة طيبة.

 

والشرع والدين الإسلامي كفيلٌ بذلك على الوجه الأكمل، والطريق الأقوم.

 

ويقال له أيضًا: ألا ترى حُسنَ ما شرعه الدينُ الإسلامي، وما أوجبه من الحقوق بين الناس على حسب ما تقتضيه المصلحةُ والضرورة والحاجة، وما فيه من قواعد العدل التي لا غِنى للخلق كلِّهم عنها، وما فيه من الحدود والعقوبات للمجرمين بحسب جرائمهم، فلما وُكل الناسُ إلى عقولهم في هذه الأمور كما هو الغالب على أنظمة الناس الآن – صارت الأمورُ تبعًا للأهواء والأغراض، وحصلَت الفوضى بحسب ما ترك من أحكام الشريعة، وهذا أمرٌ واقع مشاهد.

 

إلى غير ذلك من المحاسن التي دَعا إليها الدينُ الإسلامي؛ وهي كثيرةٌ لا مجال لبيانها هنا، فعُلم بذلك أن الدين الإسلاميَّ قد احتوى على جميع المصالح والخيرات العاجلة والآجلة، والنفع الكلي والجزئي، والديني والدنيوي[10].

 

أدلة القاعدة:

فقد جاء في القرآن الكريم آياتٌ كثيرة فيها الحثُّ على الصلاح والإصلاح، والتحذير من الفساد والإفساد، وقد مرَّ بنا جملةٌ من هذه الآيات، ونزيد عليها قولَه تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [المائدة: 64]، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81]، وقوله: ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، وقوله: ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ [الأعراف: 196].

 

ومن الأدلة العقلية: قال السعدي رحمه الله: “وهذا الأصلُ الكبير كما أنه ثابتٌ شرعًا ودينًا، فإنه ثابتٌ في العقول الصحيحة والألبابِ المستقيمة؛ وذلك بمعرفة ما هو الصلاح وضده”[11]، وقال أيضًا: “أهلُ العقول والألباب السَّليمة هم الذين يدعون إلى رفض الشُّرور والفساد وأنواعِ الظلم، وإلى الحثِّ على الخير والصلاح والإصلاح، فهذا هو الأصلُ الذي يوافِق عليه جميعُ العقلاء – أهل الأديان وغيرهم”[12].

 

ومناسبة إيراد هذه القاعدة: هو إرشادُ المسلم إلى معرفة هذا الأصلِ الكبير، حتى يستطيعَ إسكات المتشكِّك في أن دين الإسلام قادرٌ على تحقيق الصَّلاح والإصلاح للناس، وأن مَن زعم أنَّ الصلاح في خِلاف الدين الإسلامي، وأن هناك شكًّا في احتواء الدين الإسلامي على المنافع الدنيوية، وعلى الصناعات وعلى علوم السياسة، كدعاة التغريب والليبرالية والعلمانية الذين يتشدَّقون بدعواهم الباطلة في بلاد المسلمين بدعوى الإصلاح والتغيير، وأن معهم الرَّفاهية والعدالة الاجتماعية والحرية، دون تأسيس ذلك على الدين.

 

فيجاب عليهم: بأن كلَّ قاعدةٍ نافعة عند غير المسلمين، سواء في الغرب أو الشرق، وكلَّ نظام نافع عندهم؛ فإنَّما أصلُه مأخوذٌ من الدين الإسلامي، فليذكر لنا المنحرفون الشاكُّون أصلاً نافعًا ومعاملة نافعة وعملاً نافعًا خارجًا عن الدين الإسلامي.

 

ثم يبيِّن الدعاةُ أن حقيقة تبنِّي هذه الأطروحات والمشاريع فيها شَبَهٌ مِن طريقة الإصلاح على شاكِلة المنافقين الذين قال عنه ربُّ العزة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 11، 12]، فلله كم من مَعْقَلٍ للإسلام قد هَدَموه؟! وكم من حِصنٍ له قد قلعوا أساسه وخربوه؟! وكم من عَلَمٍ له قد طمسوه؟! وكم من لواء له مرفوعٍ قد وضعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشُّبَه في أصول غِرَاسه ليقلعوها؟! وكم عَمُّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟! فلا يزال الإسلامُ وأهله منهم في محنة وبليَّة، ولا يزال يطرقه من شُبههم سَرِيَّةٌ بعد سرية[13].

 

لذا قال الإمام ابن القيم فيهم: “اتفقوا على مفارقة الوحي؛ فهم على تركِ الاهتداء به مجتمعون: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون: 53]، ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ [الأنعام: 112]، ولأجل ذلك ﴿ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان:30].

 

دَرَست معالمُ الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودَثرت معاهدُه عندهم فليسوا يعمرونها، وأفَلَتْ كواكبُه النيِّرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكَسَفت شمسُه عند اجتماع ظُلَم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هُدى الله الذي أَرسل به رسولَه ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم بأسًا، خلعوا نصوصَ الوحي عن سلطنة الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين، وشَنوا عليها غارات التأويلات الباطلة، فلا يزال يَخرج عليها منهم كَمينٌ بعد كمين، نزلَت عليه نزول الضيف على أقوام لِئام، فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القَبول والإكرام، وتلقوها من بعد ولكن بالدفع في الصُّدور منها والأَعجاز، وقالوا: ما لك عندنا من عبور وإن كان لابد فعلى سبيل الاجتياز، أعدُّوا لدفعها أصنافَ العدد وضروب القوانين، وقالوا – لما حلَّت بساحتهم -: ما لنا ولظواهرَ لفظية لا تفيدُنا شيئًا من اليقين؟!”[14].

 

ويمضي الإمام ابن القيم رحمه الله في فَضح مناهجهم وطرقهم؛ فيقول: “المتمسِّك عندهم بالكتاب والسنَّة صاحب ظواهر مبخوسٌ حظُّه من المعقول، والدائر مع النصوص عندهم كحمارٍ يحمل أسفارًا فهَمُّه في حمل المنقول، وبضاعةُ تاجرِ الوحي لديهم كاسدةٌ وما هو عندهم بمقبول، وأهل الاتِّباع عندهم سفهاء”[15].

 

وقال أيضًا رحمه الله: “ومِن صفاتهم: كتمانُ الحق، والتَّلبيس على أهله، ورميهم لهم بأدوائهم، فيرمونهم – إذا أَمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر ودعَوا إلى اللهِ ورسوله – بأنهم أهلُ فِتن مفسدون في الأرض، وقد علم اللهُ ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون في الأرض، وإذا دعاهم ورَثَة الرسول إلى كتاب الله وسنَّة رسوله خالصة غير مشوبة رمَوهم بالبِدع والضلال، وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغِبين في الآخرة متمسِّكين بطاعة الله ورسوله رموهم بالزوكرة[16] والتلبيس والمحال، وإذا رأوا معهم حقًّا ألبسوه لباسَ الباطل، وأخرجوه لضعفاء العقول في قالبٍ شنيع لينفِّروهم عنه، وإذا كان معهم باطلٌ ألبَسوه الحقَّ وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم.

 

وجملةُ أمرهم أنَّهم في المسلمين كالزغل في النقود، يروج على أكثر الناس لعدمِ بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقدُ البصير من الناس، وَقَلِيلٌ ما هُم”[17].

 

كما ينبغي أن نبيِّن للناس الفرقَ بين نصوص الشرع المعصومة من الكتاب والسنة، قال تعالى عن كتابه الكريم: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]، وقال: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42]، وقال عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4]، إلى غير ذلك من الآيات، وبَيْن استنباطات العلماء وأقوالِهم من النصوص الشرعية؛ فأقوالهم تلك غيرُ معصومةٍ عن الخطأ، فيجوز أن يكون العالمُ قد غاب عنه دليلُ المسألة التي يتكلَّم فيها، أو تأوَّله، أو اعتقدَ له معارضًا راجحًا في ظنِّه، أو لغير ذلك من الأعذار.

 

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: “وليعلم أنَّه ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا يتَعمَّد مخالفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ من سُننه، دقيقٍ ولا جليل؛ فإنهم متَّفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتِّباع الرسول، وعلى أن كلَّ أحد من الناس يُؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وُجد لواحدٍ منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيحٌ بخلافه، فلا بُدَّ له من عُذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثةُ أصناف:

أحدها: عدم اعتقاده أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَه.

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تِلك المسألة بذلك القول.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخٌ.

وهذه الأصنافُ الثلاثة تتفرَّع إلى أسباب متعددة”[18].

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكمُ فاجتهد ثم أصابَ، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثُم أخطأ، فله أجرٌ))[19].

قال الشنقيطي رحمه الله: “فهو نصٌّ صحيحٌ صريح في أن المجتهدين منهم المخطِئ ومنهم المصيب، ومعلومٌ أن المخطئَ في الفروع مع استكماله الشروط معذورٌ في خطئه، مأجورٌ باجتهاده، كما في الحديث”[20].

 

ولا شك أن هناك راجحًا ومرجوحًا، بل هناك ما هو قولٌ ضعيف بمرَّة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإذا كان القولُ يخالف سنَّةً أو إجماعًا قديمًا وجب إنكارُه وفاقًا”[21].

 

وقال الشنقيطي رحمه الله: “إنه لا اجتهاد أصلاً، ولا تقليد أصلاً، في شيءٍ يخالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع”[22].

 

وقد قيل:

وليس كلُّ خِلاف جاء معتبرًا

إلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظرِ

 

فإن علماء الأمة، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم، مرورًا بالتابعين وتابعيهم رحمهم الله، وصولاً إلى الأئمة الأربعة المتَّبعين: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله – لم يدَّعِ واحدٌ منهم أن الحقَّ محصورٌ في رأيه؛ لأن الحقَّ مشَاعٌ بينهم، وأسعدُهم به من وافق الصوابَ واتَّبع الدليل.

 

قال الشوكانيُّ رحمه الله: “وإذا تقرَّر لك إجماع أئمة المذاهب الأربعة على تقديم النَّصِّ على آرائهم، عرفتَ أن العالِم الذي يعمل بالنصِّ وترك قولَ أهل المذاهب هو الموافِق لما قالَ أئمةُ المذاهب، والمقلِّد الذي قدَّم أقوالَ المذاهب على النصِّ هو المخالف لله ولرسوله ولإمامِ مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام”[23].

 

فإذا كان هذا الحال مع اجتهادات الأئمَّة، فما بال الحالِ مع غيرهم من طلبة العلم، ومَن دونهم، ممن يتصدَّرون مقاليدَ الفتوى الآن، وكذلك الحال مع من يدَّعي ذمَّ التقليد، فإذا هو يقلِّد معاصريه من طلبة العلم ومَن دونهم ويتعصَّب لقولهم ويدَّعي نبذَ تقليد الأئمة المعتبرين؟!

 

أقول ذلك؛ حتى لا يكون اختلافُ العلماء مطيَّةً أو ذريعة في الطعن على أحكام الشريعة، فقد اطَّلع علينا كثيرٌ من الليبراليين والعلمانيين الذي يعيشون بين أظهُرنا ويتكلَّمون بألسنتنا، عندما أفزعَهم وأقلق مضاجعهم ما يتردَّد الآن في كثيرٍ من بلدان المسلمين من المناداة بالحكم بشريعة الله، فأخذوا يردِّدون: أي شيء تريدون أن تَجعلوا الناس يتحاكمون إليه، وقد اختلف الفقهاءُ؛ فالأحكام الموجودة أغلبها آراء البشر؟ وقالوا أيضًا: فلماذا لا يكون قول ابن حزم بإباحة آلات الطَّرَب “الموسيقا”، وقول من يقول بأن النقاب عادة لا عبادة، وقول من يقول بإباحة فوائد البنوك – هو المقدَّم على غيره من الأقوال؟!

 

فنقول لهم: إن اللهَ تعبَّدنا بما أنزله من الكتاب والسنَّة، لا بآراء الرجال، وجعل للعلماء دَورهم في استنباط الأحكام من الأدلة؛ ولهذا فلا يجوز لنا أن نعدِل عن قولٍ ظهرَت حجَّتُه إلى قولٍ آخرَ قاله عالِمٌ جانَبَه الصوابُ فيه، والله أعلم.

 

ومن هنا كان على العلماء وطلاَّب العلم والدعاة أن يبيِّنوا لعموم المسلمين أن الدين الإسلامي هو الدينُ الحقُّ في علومه وعقائده وأخلاقه وأعماله وسياسته، وحسن معاملته للخَلق، ويحذِّرهم من عدوِّهم الذي يتربَّص بهم للتَّشكيك في صلاح الدين الإسلامي لتحقيقِ الصلاح الحقيقي للناس، والله المستعان.

 

————————

 

(1) في كتابه: “أصول عظيمة من قواعد الإسلام” القاعدة الخامسة (ص/ 66).

(2) الصحاح (1/ 341)، لسان العرب (2/ 516).

(3) الاختيار لتعليل المختار (3/ 5).

(4) درء تعارض العقل والنقل (5/ 169).

(5) مجموع الفتاوى (7/ 83).

(6) أصول عظيمة من قواعد الإسلام (ص/ 67).

(7) انظر: القواعد الحسان (ص/ 85).

(8) انظر: درء تعارض العقل والنقل (5/ 169).

(9) أصول عظيمة من قواعد الإسلام (ص/ 68).

(10) مستفاد من “أصول عظيمة من قواعد الإسلام” (ص/ 71-75).

(11) أصول عظيمة من قواعد الإسلام (ص/ 67).

(12) أصول عظيمة من قواعد الإسلام (ص/ 29).

(13) انظر: مدارج السالكين (1/ 377).

(14) مدارج السالكين (1/ 377-378).

(15) مدارج السالكين (1/ 379).

(16) الزوكرة: قال الشيخ محب الدين الخطيب في تحقيقه على “طريق الهجرتين” (ص/ 408): “إظهار النسك وإبطان الفسق؛ نقله في التاج عن نفح الطيب”.

(17) طريق الهجرتين (ص/ 407-408).

(18) مجموع الفتاوى (20/ 232).

(19) أخرجه البخاري (7352)، ومسلم (1716).

(20) مذكرة أصول الفقه (ص/ 371).

(21) بيان الدليل على بطلان التحليل (ص/ 210)، وانظر: إعلام الموقعين (5/ 242-243)، أضواء البيان (7/ 30).

(22) أضواء البيان (7/ 305).

(23) القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد (ص/ 57- 58).

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات