طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات من المنظور الإسلامي

ملتقى الخطباء

(330)
5656

حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات من المنظور الإسلامي

1439/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

د إسماعيل صديق عثمان إسماعيل

 

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المصطفى وعلى عباده الذين أصطفى ، في البداية نؤكد على الدعوة التي جاء بها الإسلام على احترام المقدسات؛ وأنها قد نشأت لارتباطها بحق الإنسان في توجهه الروحي والديني وللدور الأخلاقي المهم للحالة الدينية في حياة الإنسان وحياة المجتمع ككل. وفي إطار السعي الدائب لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول هذا الأمر ،نتناول في هذا المقال حرية التعبير واحترام الأديان والمقدسات من المنظور الإسلامي خصوصا بعد الموجة الأخيرة التي سعى من خلالها البعض على استخدام مسألة حرية الرأي والتعبير بطريقة خاطئة وخطيرة ترتب عليها إزهاق الأرواح وضياع الممتلكات.

 

وبالنسبة لمفهوم حرية الرأي والتعبير: فيمكننا القول بأن مفهوم حرية الرأي هو: القدرة على تكوين الرأي وإعلانه دون تأثير من أحد. وبمعنى أوسع وأوضح فإن مفهوم حرية الرأي والتعبير تعني: تمتع الإنسان بكامل حريته في الجهر بالحق – أكرر الحق – ، وإسداء النصيحة في كل أمور الدين والدنيا، فيما يحقق نفع المسلمين ويصون مصالح كل من الفرد والمجتمع، ويحفظ النظام ، وذلك في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

وقد كفل الإسلام حرية الرأي والتعبير بمفهومها الإسلامي انف الذكر، واهتم بحرية الرأي والتعبير وحرص على تحريرها من القيود والضوابط – وفق المنهج الإسلامي – الكفيلة بحسن استخدامها وتوجيهها إلى ما ينفع الناس ويرضي الخالق سبحانه وتعالى وهو أول وأهم مايبتغي المسلم صحيح العقيدة.

 

ولعل مما يؤيد على كفالة الإسلام لحرية الرأي والتعبير الكثير من الأمور، أهمها:

أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعلنون بآرائهم في حضرة النبي صلي الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي وهذا ملاحظ في موقف عمر رضي الله تعالى عنه وهو يعلن رأيه في أسرى بدر بقتلهم خلاف رأي النبي صلي الله عليه وسلم، ورأي أبي بكر رضي الله عنه، وينزل القرآن يؤيد رأي عمر.

 

ثم موقف الحباب بن المنذر إذ قال للرسول صلي الله عليه وسلم (بشأن مكان غزوة بدر): أمنزلٌ أنزلكه الله أم هو الحرب والمكيدة، فيجيب عليه الصلاة والسلام إنه الحرب والمكيدة، فيشير الصحابي بالنزول أدنى ماء بدر.

 

وكذلك مما يؤيد ذلك قصة الرجل الذي قال لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقام له رجل من القوم: فقال له أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فيقول عمر رضي الله عنه: دعه فليقلها لي، نعم ما قال، ثم قال: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم. ويلاحظ أن الإسلام ذهب إلى أن حرية الرأي والتعبير نوع من أنواع الجهاد بل من أعلى أنواع الجهاد حيث ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم قوله : (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جاء فأمره ونهاه فقتله).

 

وقد تجلت مظاهر حرية الرأي والتعبير في الإسلام في نواحي عملية كثيرة في حياة الأمة الإسلامية يأتي على رأسها: الدعوة إلى الله تعالى. ومبادئ الحكم والسياسة ؛ ومراعاة مصالح الناس.

 

ففي الدعوة مثلا نجد حرية العقيدة وحرية الرأي والتعبير متمثلة في قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك لأن أي إنسان لا يستطيع أن يقوم بعمله ما لم يكن عنده حرية التصحيح والتصويب، وإنكار الخطأ، وهذا مما يتطلب حرية الرأي والتعبير.

 

وقد أقرها الإسلام في هذا المجال من خلال قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ،ثم كيف تكون حرية الرأي والتعبير إن لم يستطع الإنسان قول الحق بلسانه. أما في مبادئ الحكم والسياسة فقد تجلت حرية الرأي والتعبير في مبادئ الحكم والسياسة من خلال الآيات الكريمة التي تحدثت عن مبدأ مهم من مبادئ الحكم والسياسة ألا وهو الشورى متمثلة في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر)، والمتتبع للسيرة يجد تطبيق النبي صلي الله عليه وسلم للشورى في الأمور التي لم ينزل فيها الوحي.

 

ومبدأ حرية الرأي أيضا واضح في النصوص التي تحث على مراعاة مصالح الناس بجلب المصالح ودرء المفاسد أو السعي والاجتهاد والبحث في تحقيق ما فيه مصلحة للناس، مثل: النصيحة المتمثلة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله؟، قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

 

أما حدود وقيود حرية الرأي والتعبير، وعلى الرغم من كفالة الإسلام لحرية الرأي والتعبير لدى الناس إلا أنه لم يترك هذا الأمر على إطلاقه هكذا تاركا لكل شخص أن يقول ما يشاء ؛وقت ما يشاء في أي أمر كان ؛ بل جعلها مقيدة ومحددة ضمن حدود وقيود وضوابط تضمن عدم انتهاك حرمات الأديان أو الاعتداء على الأعراض أو التشهير والإساءة إلى الآخرين وكل ذلك مضبوط ومقيد ضمن الإطار العام للشريعة الإسلامية ونظامها الأدبي والأخلاقي القويم الذي يتميز عن كل الأنظمة الأخلاقية الأخرى ، وهي قيود متمثلة فيما يلي: القيد الأول ألا تمثل إساءة إلى الآخرين أو الطعن في الأعراض أو التشهير بالناس. وألا تتضمن إساءة إلى العقائد أو الاعتداء أو الاستهزاء بأشخاص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأن لا تتضمن الإساءة إلى المقدسات وأماكن ودور العبادة. وكذلك النهى عن ألمراء والجدال لما فيهما من المفسدة والإيذاء بالغير. والأمر بالتزام الحكمة والحلم والرفق ولين القول وسهولة الأخلاق. وغير ذلك من الضوابط والقيود التي تكفل الاستخدام المناسب والصحيح لحرية الرأي والتعبير لدى الناس.

 

وقد جعل الإسلام قواعد لحرية الرأي والتعبير ، من ذلك مجالات إبداء الرأي: فكل أمر جاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة، سواء كان متعلقاً بالعبادات أو المعاملات

 

أو العقوبات أو العلاقات الشخصِيَّة أو غير ذلك، فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعمل بمقتضى الدليل مها كان،وأما ما لم يبين حكمه والموقف منه بعينه في الشرع؛ فإن للمسلم أن يتخذ فيه رأياً يبديه لا يتعارض مع الضوابط العامَّة لإبداء الرأي. وذلك كطريقة تنفيذ ما أمر الله به وسكت عن طريقة تنفيذه، أو ما لم يرد به نص محكم. ولذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم أن (لا اجتهاد مع النص)،

 

وكذلك مما يمكن أن يعد من قواعد حرية الرأي والتعبير ما يخص صاحب الرأي نفسه:إذ ذمَّ الله تعالى من يقول بلا علم، يقول ألشاطبي: الاجتهاد في الشريعة ضربان: أحدهما المعتبر شرعاً… والثاني غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي دون علم. قول جزاف وخبط عشواء، وإتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية ولا شك في عدم اعتباره؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، وهذا كما يكون في أحكام الشرع فهو في كل علم ولعل عصرنا هذا هو عصر التخصص ، فليس لأحدٍ أن يتناول أي أمر بغير إتقان له وتخصص فيه ؛لاسيما أمر الدين فهو دين الله لا دين العقل فحسب وليس من الحرية الفكرية في شئ الاعتداء عليه وتعطيله أو تعطيل جزء منه لأنه عقيدة الأمة الإسلامية كلها والاعتداء عليه اعتداء عليها فالاعتداء على الأمة لا يدخل من باب الحرية بحال. فإذا اعتدى رجل على عقيدة الأمة الإسلامية وعمل على تشويهها وتضليل أبنائها كان لابد لنا من الوقوف لصده بكل الوسائل والطرق ولا ندرى في ذلك اعتداء على حرية الفكر كما يزعم البعض ، فإذا سمحنا لمثل هذه الترهات أن تنمو باسم الاجتهاد والتجديد وحرية الفكر وحرية الرأي فلن يكون هناك إسلام ولا مسلمون.

 

وقد ذم الله تعالى من يتبع الظن ، لذلك لا بُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه، وكلام الإنسان فيما يجهله غير مجدي. والله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر دون غيرهم، وهذا دليل على أن ما يقوله غير العالم لا عبرة به. وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصاً في فن أن يتكلم فيه، ولذا ذكر الفقهاء أنه يُشرع الحَجْر على المتطبب الجاهل، فكذلك غير الطب يُمنع مَنْ لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه؛ إذ لا يوثق برأيه. ومن الشروط أيضا لإبدا الرأي: القدرة على ذلك، والتأهل له، واستناده على ما يعضده؛ ويُشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيريّة العمل فلا يكون صلاحه وقبوله إلا بالإخلاص.

 

كما لا يتأتي لصاحب رأي ولا لمفت أو مفكر مهما كان، أن يقرر رأياً ويقطع به مهما كان صواباً إذا ترتب على ذلك مفسدة منه ، أو كان مثيراً لفتنة. وإذا أردنا أن نقف على ضوابط وسائل حرية للرأي والتعبير في الإسلام ، سنجد أن للمسلم أن يسلك ما شاء من وسائل التعبير عن الرأي، شريطة ألا تخالف الشرع في نفسها، فإذا كانت الوسيلة مخالفة للأدلة الشرعية أو القواعد الكليّة فإنها تكون ممنوعة فالغاية لا تبرر الوسيلة والوسيلة المحرمة تؤدي لاريب إلى محرم؛ كمن يستعمل المحرمات بقصد أن يتوب الناس مثلاً أو يتداوى بالخمر. وكذلك ألا يترتب على الأخذ بها مفسدة أكبر من المصلحة المقصودة منها؛ إذ القاعدة تقول درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح. وقد نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وفي ذلك يقول تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) ،وفي هذا احترام الأديان والمقدسات، فالحالة الدينية في كل المجتمعات البشرية تقتضي وجود مراكز ورموز تتمحور حولها ، والثابت عندنا في الفقه الإسلامي أن الإسلام يحترم معابد أهل الذمة أتباع الديانات الأخرى، فلا تُمَسّ ولا يُتَعَرَّض لها بإساءة، رغم ما نعتقده من أن هذه الديانات شابها التحريف، وأن الدين الحقيقي إنما هو الإسلام، يقول تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) ويقول جل وعلا في آية أخرى: (إن الدين عند الله الإسلام) ومع ذلك فلا يحق لنا أن نعتدي على حقوق الآخرين ونسيء إلى معابدهم وأماكن عبادتهم. وهكذا حرم الإسلام الاعتداء على الأديان والمقدسات وأشخاص الأنبياء جميعاً عليهم أفضل الصلوات وأتم التسليمات.وكفل حرية الرأي والتعبير للناس جميعاً وفق ضوابط تضمن عدم الإساءة والاعتداء على الآخرين. وقد شرع الإسلام وسائل متعددة للتعبير وحرية الرأي وهذه الوسائل مضبوطة بضوابط شرعية، وأهمها كما بينا أن لا تخالف هذه الوسائل الشرع في نفسها ، كما جعل الإسلام لحرية الرأي والتعبير حدودا وقيودا، وأنها مضبوطة بالتمسك بالفضيلة والآداب والأخلاق، إضافة إلى عدم الإساءة، والتطاول على الأديان والمقدسات والأنبياء.

 

المصدر: مشكات

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات