طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > حرب المقدسـات.. مدخل صدام الحضـارات

ملتقى الخطباء

(81)
5655

حرب المقدسـات.. مدخل صدام الحضـارات

1439/12/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

عبد العزيز مصطفى كامل

 

الولايات المتحدة – تسلمت من اليهود راية التحدي لمقدسات المسلمين بعد ذلك، عندما أقدم جنودها مرات متعددة على دهس ووطء المصحف الشـريف بالأحذية وتمـزيقه

 

 

الطابع العقائدي للصراع مع الغرب وحلفائه، تزداد حدته وشدته يومًا بعد يوم، ليأخذ صورة (حرب مقدسات) تدور رحاها في ميادين الديانات والاعتقادات التي تدين وتعتز بها جماهير الأمة الإسلامية. والأمثلة لا حصر لها… فالمسجد الأقصى يهدد بالهدم.. والكعبة يتوعد الموتورون بسحقها بقنبلة نووية.. والقرآن يمزق ويحرق ويبال عليه في معسكرات الاعتقال والإذلال، ويتجرأ المجرمون فيضعون (قرآنا) كاملًا بديلًا، أطلقوا عليه اسم “فرقان الحق”..! أمّا الرسول الأكرم المعظم صلى الله عليه وسلم فإن رمم الأمم استمرؤوا سبه والاستهزاء به، والسخرية من دينه، والانتقاص من قدره وقدر أصحابه وأتباعه وحملة شريعته وأنصار دعوته، مع الإمعان في المطاردة والتضييق والحصار المادي والمعنوي لكل من يحاول أن يرفع رأسًا بهذا الدين في أي أمر ذي بال في حياة الناس، ناهيك عن إهدار الدماء المسلمة بلا أي ثمن مع أنّها أغلى عند الله من أي ثمن.

 

منذ زمن ليس بالطويل، يلحظ من يراقب العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، أنّ هناك استدراجًا واستغضابًا واستفزازًا متعمدًا للمسلمين، يتنامى ويتنوع بصورة مطردة، في شكل غزوات عسكرية، أو حملات ثقافية وإعلامية، أو محاصرات اقتصادية، وأخيرًا… تهجمات دينية. وأصبحنا لا نكاد نرى مكانًا في العالم الإسلامي غير مستهدف بجل أو كل تلك التحديات.

 

وتتجاوز حملة الاستغضاب والاستدراج فتخرج من النطاق الجغرافي للعالم الإسلامي لتنتقل إلى المسلمين المواطنين أو المستوطنين في أكثر بلدان العالم الغربي بغرض إشعار كل مسلم في العالم أنّه تحت المواجهة بشكل أو بآخر، إما أمنيًا أو اقتصاديًا أو حضاريًا أو عسكريًا أو سياسيًا أو ثقافيًا..!

 

من اللافت للنظر أيضًا أنّ من يستغضبون عموم المسلمين اليوم، ليسوا من أبناء طائفة واحدة من النصارى، حتى يقال إنّ بينهم وبين المسلمين ثأرًا أو قضية، ولكن عداء أولئك يصدر من جميع طوائفهم، بروتستانتية كانت أو كاثوليكية أو أرثوذكسية، مع قدر غير قليل من التعاون الجلي والخفي مع اليهود؛ فهؤلاء جميعًا مع اختلاف بعضهم مع بعض إلى حد أنّهم يلعن بعضهم بعضًا، ويكفِّر بعضهم بعضًا؛ إلاّ أنهم يجتمعون في هذا المسار، مسار التحدي والاستكبار. فمن الجرائم المتواترة والمتكاثرة للبروتستانت من الأمريكيين والبريطانيين والأستراليين والدانمركيين والنرويجيين، إلى جحود الكاثوليك من الفرنسيين والإيطاليين والأسبان، إلى أحقاد الأرثوذكس من الروس والصرب، إلى تعاون هؤلاء جميعًا وتواطئهم مع حثالات اليهود في الشرق والغرب؛ فالهجمة اليوم عامة، وهي مستأنفة تمثل امتدادًا لهجمات استعمارية بروتستانتية وكاثوليكية وأرثوذكسية ويهودية طالت غالب أوطان المسلمين على مدى ما مضى من قرن ونصف. والآن تمتد لتشمل العالم الإسلامي دفعة واحدة لإغضابه دفعة واحدة، ودفعه إلى الارتباك والارتجال.. طمعًا – ربّما – في إحداث (فوضى خلاَّقة) دولية!…

 

إنّها عولمة من نوع جديد: سبق أن أطلقت عليها (عولمة للغضب) حيث تهدف إلى تدويل الغضب الإسلامي بعد إيقاظه! وإلى تثوير العالم الاسلامي بغرض توريطة في صدامات لم يستعد لها.

 

لقد نجحت عولمة الغضب في صهر العالم الإسلامي كله في بوتقة غضبية واحدة، بعد تلك الجريمة النكراء الشنعاء التي تطاول فيها سفهاء الروم من سكان أوروبا على النبي الكريم المرسل إلينا وإليهم وإلى النّاس أجمعين صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا وذلك عندما نشرت الرسوم البذيئة أول مرة منذ عامين وأصبحنا نسمع عن (عالم إسلامي) يقابله (عالم غربي) في مجال السياسة، ولأول مرة في التاريخ المعاصر، تحدث على مستوى المسلمين (انتفاضة عالمية) تعم كل مكان، وتشمل كل نَسَمَة مسلمة تشـهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة.

 

لقد تصور بعضنا لفترة أنّ الصراع اختُصر مع أمريكا وحليفتها (إسرائيل) وأنّ الغـرب ليـس أمريكا فقـط، فإذا بالمسلمين (يفاجئون) بأنّ الغرب عالم واحد وموقف واحد، ويناصر بعضه بعضًا (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال:73].

 

فهل نحن بصدد دخول عملي في (عولمة) (صدام الحضارات)؟! وهل ما يحدث هو تدشين مبكر لملاحم عالمية جديدة لا يعلم مداها إلاّ الله..؟!

 

إنّ الفساد الذي يتهدد الأرض كلها اليوم بحماقات الغرب المحادِّ لله ورسله مُرشح للتعميم والتدويل… فساد في الاعتقاد وفساد في الأخلاق وفساد في الإعلام وفساد في المجتمعات وفساد في الأسر وفساد في العلاقات وفساد في البيئات، وكل هذا يريدون عولمته لأنّه يمثل نموذج الحضارة (الأخير) الذي ينبغي أن يسدل عليه مشهد (نهاية التاريخ)، ولو أدى صدام الثقافات والحضارات وصراعها.

 

أليس هذا ما تؤمن به وتدعو إليه وتسير فيه الصقور والنسور الحاكمة في أمريكا وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا… والبقر المنتفش والدجاج المتوحش في كل من الدانمرك والنرويج وإسبانيا…؟! تحت دفع ممن يركبونهم ركوب الحمير من صناع الفتن ومشعلي الحروب!

 

دعك من الشعوب، في التهائها وغفلاتها، فهي تُستَغَل وتُستغفَل من كبرائها وزعمائها، لتساق إلى أتون مواجهة، قد لا ترضى بها ولا توافق عليها، وآخر ذلك: إعادة هجوم الرسول في 17 صحيفة دانماركية، ثم الاستعداد لنشر فيلم يسيء إلى القرآن والإسلام من إنتاج شركة هولندية.

 

إنّ التحذير يتنامى من تفجير (صدام الحضارات) كلما تجددت فصول من مسلسل عولمة الغضب، ونحن في حاجة إلى أن نعيد قراءة تلك الأطروحة، أو النظرية المسماة بذلك الاسم (صدام الحضارات) لنتدبر شأننا، وننظر إلى مواضع خطانا، ونحكم بعين البصيرة على هذه النظرية الخطيرة التي احتفى بها الغرب منذ أكثر من عقد ونصف، أهي أسطر في كتاب فكري… أو تخطيط لانقلاب دولي، ضد العالم الإسلامي..؟

 

صراع الحضارات: نظرية أم إستراتيجية؟

 

صاحب هذه النظرية أو من أصَّل لها بالمعنى الأدق هو المفكر اليهودي: (صموئيل هنتنجتون) أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأمريكية وأستاذه هو المؤرخ اليهودي (برنارد لويس) المؤسس للفكرة، وقد صاغ (هنتنجتون) أطروحته لأول مرة في شكل مقالة نشرت في صيف عام 1993 م في دورية (فوريجن أفيرز)، وكان ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييـتي وانتـهاء الحـرب البـاردة التـي رأى الغـرب بعدها أنّ عـدوه الشـيوعي قـد تـوارى، ليبدأ البحث عن عدو جديد، ثم ألَّف (هنتنجتـون) كتابًا في الموضوع ذاته بعنوان (صدام الحضارات… إعادة صنع النظام العالمي) والعنوان نفسه يشي بأنّ الأمر ليس مجرد نظرية، بل هو إستراتيجية بل توجه نحو صنع سياسة عملية. فقد تضمن أفكارًا هي أقرب إلى الخطط، وفرضيات يراد تحويلها إلى حتميات.

 

ولْنُعِـد التـأمـل فـي أهـم مرتكـزات ومنـطلقـات ذلك الكتاب/ النظرية/ الإستراتيجية:

 

1- الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل.

 

2- القرارات التي تصدر عن المنظمات الدولية ينبغي أن تخدم مصالح الغرب، ولكنها تقدم في صورة إرادة المجتمع الدولي.

 

3- المجتمعات الإسلامية لا تحدد هويتها إلا بالإسلام (الأصولي)، ورفض العلمانية الغربية هو أكبر الحقائق الاجتماعية في بلاد المسلمين طوال القرن العشرين.

 

4- الكتل الاقتصادية الإقليمية المتنافسة هي صيغة الاقتصاد العالمي في المستقبل.

 

5- الصراعات العسكرية بين الحضارتين الإسلامية والغربية استمرت عدة قرون وسوف تستمر وتزداد في المستقبل، وقد تكون أكثر قساوة.

 

6- الازدياد السكاني للعالم الإسلامي سيشكل مشكلات لأوروبا بسبب الهجرات المتزايدة صوب الغرب.

 

7- أطراف العالم الإسلامي هي مناطق صدام بين الإسلام وغيره من الأديان: في الجنوب (جنوب السودان – نيجيريا – الصومال – إريتريا – إثيوبيا) في الشمال: (البوسنة – كوسوفا – ألبانيا “مع الصرب”- أرمينيا “مع أذربيجان” – روسيا مع “فغانستان”- باكستان “مع الهند” – الفلبين “مع الجنوب الإسلامي الفلبيني”، فحدود العالم الإسلامي حدود دامية.

 

8-حروب المستقبل ستشهد تحالفًا وتضامنًا بين حضارات ضد حضارات.

 

9- الحضارة الغربية تعيش مرحلة القمة الآن، اقتصاديًا وعسكريًا.

 

10- الغرب سيسيطر على بقية العالم عن طريق المؤسسات الدولية.

 

ثم يخلص الكاتب إلى توصيات، قال: “إنّ على الغرب أن يتبناها لمواجهة صراعات المستقبل”.

 

وقد قسم السياسات الموصى بها إلى قسمين:

 

سياسة على المدى الطويل، وسياسة على المدى القصير.

 

أمّا على المدى القصير، فقد قدم التوصيات التالية:

 

– على الغرب أن يسعى إلى تعاون أوثق داخل دول الحضارة الغربية، وخاصة بين دول أوروبا وأمريكا الشمالية.

 

– ضـرورة السـعي لدمـج دول شـرق أوروبا وأمريكا اللاتينية في المجتمع الغربي واستغلال التقارب الثقافي (الديني) في هذا.

 

– السعي للحفاظ على علاقات تعاونية أوثق بين كل من روسيا واليابان.

 

– منع تطور الصراعات المحلية داخل الحضارة الغربية إلى صراعات كبيرة.

 

– العمل على الحد من توسع القوة العسكرية للدول الإسلامية والكونفوشية (الصين وكوريا وفيتنام واليابان).

 

– عدم السعي إلى تخفيض القوة العسكرية الغربية، مع أهمية الاحتفاظ بقوة عسكرية في شرق وجنوب آسيا (إندونيسيا – باكستان – أفغانستان – الخليج).

 

– استـغلال الخلافات بين الدول الإسلامية والكونفوشية والهندوسية.

 

– دعم الجماعات المتعاطفة مع القيم والمصالح الغربية (الليبراليين) في دول الحضارات الأخرى.

 

– تقوية دور المؤسسات الدولية التي تعكس مصالح الغرب وقيمه وتمنحها الشرعية.

 

أمّا على المدى الطويل، فملخص مقترحات (هنتنجتون) كانت هي:

 

أنّ على الحضارة الغربية أن تحتفظ بقوتها العسكرية والاقتصادية، وتعمل في الوقت نفسه على مقاومة محاولات الحضارات الأخرى في السعي للحصول على أسباب القوة الاقتصادية والعسكرية، مع أهمية أن تفهم دول الحضارة الغربية المنطلقات الدينية والفلسفية التي تدفع الحضارات نحو مصالحها.

 

عندما نعيد قراءة أحداث الأعوام القليلة الماضية، وخاصة منذ بدأت الألفية الثالثة، نكاد نرى مجموع أفكار صراع الحضارات في خلفية تلك الأحداث جميعًا، وخاصة ما يتعلق منها بالعـالم الإسلامي أو ما اصطلحت أمريكا على تسميته مؤخرًا ب- “الشرق الأوسط الكبير”، حيث اندلعت حروب عسكرية، ودشنت حملات أمنية وإعلامية، وشنت هجمات ثقافية على خلفيات حضارية أو دينية صريحة، فرأينا اجتياح أفغانستان الذي راح ضحيته نحو عشرين ألفا من المدنيين العزل ثُم ماتبع ذلك من دعم عصابة الإفساد الحاكمة هناك، وقتال حلف الناتو الشعب كله لتثبيت ذلك النظام الظالم العميل بالقوة، ثم ما حدث في العراق ولا يزال يحدث بعد الغزو الذي استند إلى كـذب صريـح عـلـى العـالـم كـله، قتل خلاله ما لا يقل عن 120 ألفًا من المدنيين، غير عشرات الآلاف الذين راحوا ضحايا الاقتتال الأهلي الحادث بسبب ذلك الغزو، وما قتل قبلهم من الأطفال الذين بلغوا ما يزيد عن مليون طفل عراقي أثناء الحصار الذي استمر 13 عامًا، ولا ننسى قضية الشيشان التي قايضوا عليها روسيا، وبلاد البلقان المسلمة التي يطردون منها الصرب ليحتلها (ناتو) الغرب، والسودان المستهدف بالتقسيم المصلحي بين الفرقاء الغربيين، والصومال الذي يضنون عليه بأي نوع من الاستقرار تحت زعامة إسلامية مسالمة، وكذلك لبنان المرشح للتفجير الطائفي من جديد، وفلسطين التـي يتصيدون ويصفون رموزها وقادتها وشعبها بانتظام معلن أمام سمع وبصر العالم، مستـكثرين عليها بعد ما يقرب من ستة عقود من الاحتلال، مجرد سلطة (حكم ذاتي) نظيف ونزيه اختاره الشعب، لا لشيء إلاّ لأنّه يحمل قضية (الإسلام) في برنامجه الانتخابي (الديمقراطي)! فأدخلوا الفلسطنيين في دوامة حصار متوحش لايعرف معنى الإنسانية والآدمية.

 

إنّ هذه كلها فصول تتوالى لجر المسلمين في أنحاء متفرقة من العالم إلى صدام حقيقي مع الغرب، يحدد قادته زمانه ومكانه وعنوانه الذي باسمه يثور ويدور.

 

ويجيء هجوم الرسـوم المسـيئة للرسـول صلى الله عليه وسلم، في فصولها السابقة واللاحقة، وكذلك الموجه المتوقعة من الاستغضاب بسبب الفيلم الهولندي المسيء للقرآن.. لتشب النّار في الزيت، ضمن مسلسل هجومي صدامي متواصل.

 

ليست مصادفات:

 

لا يمـكن لـرشيد أن يفسر ذلك التسلسل العدائي بالمصادفات أو محض الاتفاقات، ولا يمكن كذلك أن يتفهم عاقل ذلك الإجماع المتواطئ المستفز من أكثر دول الغرب بإعادة نشر الرسوم المسيئة في الأزمة الأولي ثم صمته عن جريمة الدانمارك الثانية الآن بإعادة نشرها في 17 صحيفة دانماركية، ثم تطاول وزير داخلية ألمانيا هو الآخر ومناداته بإعادة نشر الرسوم في كل الصحف الأوروبية مع الإصرار على عدم الاعتذار في كل مرة بصورة فجة ووقحة، إيغالًا في التحدي الجماعي لسائر شعوب العالم الإسلامي، مع أنّنا لم نسمع عن حملة غربية ضد مقدسات عباد البقر أو النّار أو الأحجار أو حتى عُباد الشيطان!.

 

إنّ توحيد أوروبا لمواقفها يجيء لتعجيز أو تشتيت الموقف الإسلامي الموحد، بتكثير عدد البلدان التي سيتعين على المسلمين مقاطعتها اقتصاديًا أو دبلوماسيًا.

 

يساورني شك يكاد يقترب من اليقين منذ البداية، بأنّ تحريك فتنة الأزمات الأخيرة كلما خمدت، إنّما تلعب فيه أصابع ماهرة في خبثها، وبعيدة في مراميها، تريد المزيد من تهييج الغرب ضد المسلمين والعرب، ولا أستبعد اليهود، وإن كنت لا أُغفل غلاة النصـارى مـن ذوي الاتجـاه اليميني الديني الإنجيلي، ومنهم الحزب الحاكم في الدانمارك، فالأحداث ليست مجرد تفاعلات وتداعيات؛ فالفريقان الصهيونيان اللذان يكادان يتطابقان في أهدافهما ووسائلهما وعقائدهما، يتركان كل حين آثارًا تشير إلى تعمد الاستغضاب وتجديد التصعيد.

 

على وجه الخصوص؛ فإن بصمات اليهود قتلة الأنبياء في الحـمـلة على سـيــد الأنبيـاء صلوات الله وسلامه عليه لا تكاد تخطئها العين، وإذا كان قدر الأنبياء أن يكون لكل نبي عدوا من المجرمين؛ فإنّ أعداء نبيينا صلى الله عليه وسلم، كان اليهود ولا يزالون في مقدمتهم. وهناك قرائن واضحة تدل على أنّ ظل الصهيونية يهودية كانت أو مسيحية لم يكن بعيدًا عن أجواء تلك الأزمة في كل فصولها.

 

فالصحيفة الدانمركية التي تولت كبر هذه الفتنة ونفخت في كيرها في المرة الأولى وهي صحيفة (يولاند بوسطن) يتوسط عنوانها الرسمي نجمة داوود اليهودية، بلون أصفر يميزها عن الحروف الإنجليزية في الكلمتين المكتوبتين باللون الأسود، مع شيء من التحوير في تلك النجمة.

 

وقد شاع أنّ رئيس تحرير الصحيفة الدانماركية التي نشرت الرسوم، وكذا رئيس تحرير الصحيفة النرويجية اللتين نشرتا الرسوم الشائنة في المرة الأولى، من أعضاء (المؤتمر اليهودي العالمي) الذي يدير شؤون الفتن في العالم، وإذا صح هذا تكون الكثير من ملامح ومعالم الصورة قد وضحت.

 

ويتضح الأمر أكثر إذا عُلم أنّهما من الناشطين مع مركز (سايمون فيزنتال) اليهودي في أمريكا، والمختص بوضع الاستراتيجيات الدولية لخدمة أهداف اليهود والدفاع عنها.

 

إنّ أول مـن بـدأ جـرائم الاعـتداء العلني على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنوات الأخيرة هم اليهود، حيث أقدمت امـرأة يهـودية إســرائيلية على نشـر رسـوم لـها، صورت فيها – قاتَلها اللهُ ولعنَها – النبي صلى الله عليه وسلم في صورة خنزير، وكتبت على جسده باللغة العربية اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وسمحت بعض الصحف بنشرها، لتنشر بعد ذلك في بعض صحف العالم، وقد ثارت وقتها ضجة من الاحتجاج الإسلامي في أنحاء متفرقة من العالم، وكعادته انبرى بعض الغربيين يؤيدون والبعض الآخر يفلسفون، وآخرون يعتذرون، ليسكِّنوا الحمية ويميِّعوا القضية، وكان على رأس هؤلاء وقتها الرئيس الأمريكي السابق (بيل كلينتون)، لكن بلاد كلينتون نفسها الولايات المتحدة تسلمت من اليهود راية التحدي لمقدسات المسلمين بعد ذلك، عندما أقدم جنودها مرات متعددة على دهس ووطء المصحف الشـريف بالأحذية وتمـزيقه بل… التبـول علـيه – قـاتلهم الله ولعنهم ـ. ثم جاء حمار بشري في شكل وزير إيطالي هو (ربرتو كالديرولي) وزير (الإصلاح) في إيطاليا ليرتدي قميصًا عليه الرسوم المسيئة متحديًا جميع المسلمين في العالم، وقبل ذلك كان أحد مهاويس أمريكا وهو الصحفي (ريتش لوري) قد طالب بضرب مكة بقنبلة نووية! وذلك في مقال نشرته له مجلة (ناشيونال ريفيو)، وقد كرر الدعوة نفسها السيناتور الأمريكي (توم تانكريدو)!! وكأنّ القوم يتناوبون على امتهان مقدساتنا ودوس كرامتنا.

 

وفي تناغم آخر مع السلوك الشائن في أمريكا وأوروبا، كان مجند يهودي إسرائيلي قد أقدم بعد جريمة الدانمرك على كتابة شتائم نابـية على جدران أحد المساجد في إحدى مدن فلسطين فـي 15 فبـرايـر 2006، يسب فيها رسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ وقحة؛ فلما ثار المواطنون المسـلمون وتظـاهر بعضـهم احتجاجًا؛ تدخلت الشـرطة الإسـرائيـلية، فأطـلقت عليهم النيران الحية! ثم تكررت الفعلة الشنعاء بعد ذلك بثلاثة أيام من جندي آخر في مسجد آخر!!

 

إنّ هذه الشرارات الصغيرة الحقيرة التي يتوالى إشعالها، هي التي يمكن أن تنشئ النيـران الكبيرة الخطيرة، وهذا هو ما يراهن عليه مشعلو الفتن وسمـاسـرة الحـروب؛ فـقد يـصدر تصريـح، أو يبدر تصرف أو ينشر مقال أو رسم أو مشهد مسيء، فإذا هو يضخم ويعظم إعلاميا حتى يضيء سماء العالم الإسلامي بوهج الغضب وشهب التثوير، وهم يعلمون أنّنا لسنا بحمير حتى نُستغضَب فلا نغضب أو نُستثار فلا نثور.

 

هؤلاء الساعون إلى إيقاد نار الحروب يريدونها محارق عالمية في معارك “مقدسة” بين تحالف يهودي مسيحي؛ ضد ائتلاف كنفوشي إسلامي، يترجم المراد حرفيًا من المصطلح التوراتي (محور الشر)، الذي روج له الرئيس الأهوج (جورج دبليو بوش)، ولولا أنّ الله تعالى يطفئ من نارهم ما يشاء، لقلنا: علـى الأرض العـفاء منـذ زمـن طـويـل (كُلَّـمَا أَوْقَـدُوا نَارًا لِّلْــحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْـمُفْسِدِينَ) [المائدة:64]، إنّنـا لا نستـند في ترجيح (تعمد) الاستغضاب الصهيوني يهـوديـًا كان أو نـصرانـيًا إلى ظـن أو تخمين، بل نستند الى يقين نطق به القرآن المبين، عن عداوتهم وجراءتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الدين الذي جاء به، كفرًا وحسدًا، لا جهلًا وغفلة، حيث قال تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا * مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) [النـسـاء: 45-46]، وهم لن يستمروا في الطعن فـي ديـنـنـا فقـط؛ بل سيقاتلوننا عليه في حروب دينية صريحة يحركون فيها أولياءهم من المشركين، كما حـدث كثيرًا في التاريخ (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِـكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا) [البقرة:217]، (لَتَجِـدَنَّ أَشَـدَّ النَّـاسِ عَــدَاوَةً لِّلَّـذِينَ آمَـنُوا الْيَــهُودَ وَالَّذِيـنَ أَشْـرَكُوا) [المائدة:82]؛ فـهم العـدو الأول الظاهر للـمسلـمين فـي الزمـان كـله والمـكان كـله، مـنـذ مبعـث النبـي الخـاتم صلى الله عليه وسلم، وحتى يخرج آخرهم في جيوش الأعور الدجال اليهودي.

 

إنّ هذا كله يؤكد، أنّ معركتنا مع اليهود، لم نأخذها بعدُ مأخذ الجد، حيث تركنا هذا العدو المتجبر فقط للمستضعفين في فلسطين، وياليتنا وقفنا معهم إذ يذودون عن الأمة كلها، ولكن يكتفي بعضنا في معظم الحالات بموقف المتفرجين المحوقلين… والبعض يأخذ موقف المتواطئين المتورطين في التآمر على هؤلاء المرابطين!

 

المصدر: موقع لواء الشريعة

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات