طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    هواجس أول ليلة من 1440 هـ    ||    ظاهرة "التنمر" في المدارس... خطورتها وضرورة مواجهتها    ||    صحيفة سعودية: خطط التحالف العربى تنقذ اليمن من الإرهاب الحوثى    ||    برلين: علينا منع الهجمات الكيمياوية في سوريا    ||    اليابان تحث ميانمار على اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة الروهينجا    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > مقالات الملفات العلمية > مقتل الحسين بن علي من البداية والنهاية لابن كثير

ملتقى الخطباء

(38)
10468

مقتل الحسين بن علي من البداية والنهاية لابن كثير

1439/12/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

صفة مقتله رضي الله عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع

 

فصل الإخبار بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما

قبر الحسين .. رأسه رضي الله عنه

 

مسألة: الجزء الحادي عشر

 

ثم دخلت سنة إحدى وستين

 

استهلت هذه السنة والحسين بن علي سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق، ومعه أصحابه وقراباته، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة، على المشهور الذي صححه الواقدي وغير واحد، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها. والأول أصح.

 

وهذه صفة مقتله، رضي الله عنه، مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن، لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح والبهتان

 

قال أبو مخنف، عن أبي جناب عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: أقبل الحسين، فلما نزل شراف قال لغلمانه وقت السحر: استقوا من الماء. فأكثروا ثم ساروا إلى صدر النهار، فسمع الحسين رجلا يكبر فقال له: مم كبرت؟ فقال: رأيت النخل. فقال له الأسديان: إن هذا المكان لم ير أحد منه نخلة. فقال الحسين: فماذا تريانه رأى؟ [ص: 522] فقالا: هذه الخيل قد أقبلت. فقال الحسين: أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقالا: بلى، ذو حسم. فأخذ ذات اليسار إلى ذي حسم فنزل، وأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد، حتى وقفوا في مقابلته في نحر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم، فأمر الحسين أصحابه أن يترووا من الماء ويسقوا خيولهم، وأن يسقوا خيول أعدائهم أيضا.

 

وروى هو وغيره قالوا: لما دخل وقت الظهر أمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي فأذن، ثم خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين، فخطب الناس من أصحابه وأعدائه واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى هاهنا، بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة أنهم ليس لهم إمام، وإن أنت قدمت علينا بايعناك وقاتلنا معك. ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر: تريد أن تصلي بأصحابك؟ قال: لا، ولكن صل أنت ونصلي نحن وراءك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل إلى خيمته، واجتمع به أصحابه، وانصرف الحر إلى جيشه، وكل على أهبته، فلما كان وقت العصر صلى بهم الحسين، ثم انصرف فخطبهم وحثهم على السمع والطاعة له وخلع من عليهم من الأدعياء السائرين بالجور في الرعية. فقال له الحر: إنا لا ندري ما هذه الكتب، ولا من كتبها. فأحضر الحسين خرجين مملوءين كتبا، فنثرها بين يديه، وقرأ منها طائفة، فقال الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على [ص: 523] عبيد الله بن زياد فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك. ثم قال الحسين لأصحابه: اركبوا، فركبوا وركب النساء، فلما أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ما تريد؟ فقال له الحر: أما والله لو غيرك يقولها لي من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها لأقتصن منه، ولما تركت ذكر أمه، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلا بأحسن ما نقدر عليه. وتقاول القوم وتراجعوا، فقال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقا لا تقدمك الكوفة ولا تردك إلى المدينة، وأكتب أنا إلى ابن زياد، واكتب أنت إلى يزيد، أو إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك. قال: فأخذ الحسين يسارا عن طريق العذيب والقادسية، والحر بن يزيد يسايره وهو يقول له: يا حسين، إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى. فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

وآسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق خوفا أن يعيش ويرغما

 

ويروى على صفة أخرى:

سأمضي وما بالموت عار على امرئ     إذا ما نوى حقا ولم يلف مجرما

فإن مت لم أندم وإن عشت لم ألم     كفى بك موتا أن تذل وترغما

 

فلما سمع ذلك الحر منه تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه، فانتهوا إلى عذيب الهجانات، وكان بها هجائن النعمان ترعى هنالك، وإذا سفر أربعة – أي أربعة نفر – قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبون ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له: الكامل. يقصدون الحسين، ودليلهم رجل يقال له: الطرماح بن عدي. راكب على فرس وهو يقول:

يا ناقتي لا تذعري من زجري     وشمري قبل طلوع الفجر

بخير ركبان وخير سفر     حتى تحلي بكريم النجر

الماجد الحر رحيب الصدر     أتى به الله لخير أمر

ثمت أبقاه بقاء الدهر

 

فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين، فمنعه الحسين من ذلك، فلما خلصوا إليه قال لهم: أخبروني عن الناس وراءكم. فقال له مجمع بن عبد الله العائذي أحد النفر الأربعة: أما أشراف الناس فهم ألب واحد عليك ; لأنهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، يستمال بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. قال لهم: فهل لكم برسولي علم؟ قالوا: ومن رسولك؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي. قالوا: نعم، أخذه الحصين بن نمير، فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك، فأمر به، فألقي من رأس القصر فمات. فترقرقت عينا الحسين، وقرأ قوله تعالى: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [الأحزاب: 23]. اللهم اجعل منازلهم الجنة، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك. ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين: أنظر فما أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة، وإني لأرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدوك؟! فأنشدك الله إن قدرت أن لا تقدم إليهم شبرا إلا فعلت، فإن أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتى ترى رأيك، فسر معي حتى أنزلك مناع جبلنا، وهو أجأ منعنا الله به من ملوك غسان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذل قط ; فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم نبعث إلى الرجال من أجأ وسلمى من طيئ، ثم أقم فينا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة آلاف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا. ولم يرجع عما هو بصدده، فودعه الطرماح، ومضى الحسين، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم، ثم سرى، فنعس في مسيره حتى خفق برأسه، واستيقظ وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. ثم قال: رأيت فارسا على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم. فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا. فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب، ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى، فإذا راكب متنكب قوسا قد قدم من الكوفة فسلم على الحر بن يزيد، ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد، ومضمونه أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا حصن، حتى تأتيه رسله وجنوده، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف، وكان قد جهزه ابن زياد في هؤلاء إلى الديلم، وخيم بظاهر الكوفة، فلما قدم عليهم أمر الحسين قال له: سر إليه، فإذا فرغت منه فسر إلى الديلم. فاستعفاه عمر بن سعد من ذلك. فقال له ابن زياد: إن شئت أعفيتك وعزلتك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتك عليها. فقال: حتى أنظر في أمري. فجعل لا يستشير أحدا إلا نهاه عن المسير إلى الحسين، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: إياك أن تسير إلى الحسين فتعصي ربك وتقطع رحمك، فوالله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين. فقال: إني أفعل إن شاء الله تعالى. ثم إن عبيد الله بن زياد تهدده وتوعده بالعزل والقتل، فسار إلى الحسين، فنازله في المكان الذي ذكرنا، ثم بعث إلى الحسين الرسل: ما الذي أقدمك؟ فقال: كتب إلي أهل الكوفة أن أقدم عليهم، فإذ قد كرهوني فأنا أرجع إلى مكة وأذركم. فلما بلغ عمر بن سعد هذا قال: أرجو أن يعافيني الله من حربه. وكتب إلى ابن زياد بذلك، فرد عليه ابن زياد أن حل بينهم وبين الماء، كما فعل بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان واعرض على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا. وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من الماء وعلى سرية منهم عمرو بن الحجاج، فدعا عليه الحسين بالعطش، فمات هذا الرجل من شدة العطش. ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسا، فتكلما طويلا حتى ذهب هزيع من الليل، ولم يدر أحد ما قالا، ولكن ظن بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية ويتركا العسكرين متواقفين، فقال عمر: إذن يهدم ابن زياد داري. فقال الحسين: أنا أبنيها لك. قال: إذن يأخذ ضياعي. قال: أنا أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز. قال: فتكره عمر بن سعد من ذلك. وقال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز، أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك. فكتب عمر إلى عبيد الله بذلك، فقال: نعم، قد قبلت. فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه. ثم قال: والله لقد بلغني أن حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل. فقال له ابن زياد: فنعم ما رأيت. وقد روى أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب، عن عقبة بن سمعان قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده في يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور ولكن طلب منهم أحد أمرين ; إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه. ثم إن عبيد الله بن زياد بعث شمر بن ذي الجوشن فقال: اذهب فإن جاء حسين وأصحابه على حكمي، وإلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم، فإن تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه، ثم أنت الأمير على الناس. وكتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين، وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه، فإنهم مشاقون. فاستأمن عبد الله بن أبي المحل لبني عمته أم البنين بنت حزام من علي ; وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان.

 

فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان، وبعثه عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له: كزمان. فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية فلا نريده، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية. ولما قدم شمر بن ذي الجوشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد قال له عمر: أبعد الله دارك، وقبح ما جئت به، والله إني لأظنك الذي صرفته عن الذي عرضت عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين. فقال له شمر: فأخبرني ما أنت صانع ; أتقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم؟ فقال له عمر: لا، ولا كرامة لك، أنا أتولى ذلك. وجعله على الرجالة، ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم، فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس وعبد الله وجعفر وعثمان بنو علي بن أبي طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا وابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك. قال: ثم نادى عمر بن سعد في الجيش: يا خيل الله اركبي وأبشري. فركبوا وزحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ، هذا وحسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه، ونعس فخفق برأسه، وسمعت أخته زينب الضجة فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: ” إنك تروح إلينا “. فلطمت وجهها، وقالت: يا ويلتا. فقال: ليس لك الويل يا أخية، اسكني رحمك الرحمن. وقال له أخوه العباس بن علي: يا أخي، جاءك القوم. فقال: اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم. فذهب إليهم في نحو من عشرين فارسا فقال: ما لكم؟ فقالوا: جاء أمر الأمير ; إما أن تأتوا على حكمه، وإما أن نقاتلكم. فقال: مكانكم حتى أذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه. فرجع ووقف أصحابه، فجعلوا يتراجعون القول ويؤنب بعضهم بعضا، يقول أصحاب الحسين: بئس القوم أنتم، تريدون قتل ذرية نبيكم صلى الله عليه وسلم وخيار الناس في زمانهم؟! ثم رجع العباس بن علي من عند الحسين إليهم، فقال لهم: يقول لكم أبو عبد الله: انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة. فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن: ما تقول؟ فقال: أنت الأمير والرأي رأيك. فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان ينبغي إجابته. وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة. وهكذا جرى الأمر، فإن الحسين لما رجع العباس قال له: ارجع فارددهم هذه العشية، لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة وندعوه ونستغفره، فقد علم الله مني أني أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، والاستغفار والدعاء. وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله، وخطب أصحابه في أول الليل، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعبارة فصيحة بليغة، وقال لأصحابه: من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه، فقد أذنت له، فإن القوم إنما يريدونني. فقال مالك بن النضر: علي دين ولي عيال. فقال: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإن القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرج الله عز وجل. فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: لا بقاء لنا بعدك، ولا أرانا الله فيك ما نكره. فقال الحسين: يا بني عقيل، حسبكم بمسلم أخيكم، اذهبوا فقد أذنت لكم. قالوا: فما يقول الناس! أنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، لم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، رغبة في الحياة الدنيا؟! لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أني أقتل دونك ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لأحببت ذلك، فكيف وإنما هي قتلة واحدة. وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، وأنفسنا الفداء لك، نقيك بنحورنا وجباهنا، وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا. وقال أخوه العباس: لا أرانا الله يوم فقدك، ولا حاجة لنا في الحياة بعدك. وتتابع أصحابه على ذلك.

 

وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك، عن علي بن الحسين زين العابدين قال: إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني، إذ اعتزل أبي في خبائه، ومعه أصحابه، وعنده حوي مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:

يا دهر أف لك من خليل     كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل     والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل     وكل حي سالك السبيل

 

قال: فأعادها مرتين أو ثلاثا، ففهمت ما أراد، فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه، فقالت: واثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم، ماتت أمي فاطمة، وعلي أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضي وثمال الباقي. فنظر إليها وقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان. فقالت: بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، استقتلت. ولطمت وجهها، وشقت جيبها، وخرت مغشيا عليها، فقام إليها فصب على وجهها الماء، وقال: يا أخية، اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعودون، وهو فرد وحده، واعلمي أن أبي خير مني وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. ثم حرج عليها ألا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقربوا بيوتهم بعضها من بعض، حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض، وألا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من وجه واحد، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم.

 

وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، عليها عزرة بن قيس الأحمسي والحسين يقرأ: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب الآية [آل عمران: 179، 178]. فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد، فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون، ميزنا الله منكم. قال: فعرفته، فقلت لبرير بن خضير أتدري من هذا؟ قال: لا. فقلت: هذا أبو حرب السبيعي عبد الله بن شهر، وكان مضحاكا بطالا، وكان شريفا شجاعا فاتكا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في جناية. فقال له برير بن خضير: يا فاسق، متى كنت من الطيبين؟! فقال: من أنت، ويلك؟! قال: أنا برير بن خضير. قال: إنا لله، هلكت والله، عز والله علي يا برير قتلك. قال: فقلت له: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى الله من ذنوبك العظام؟ فوالله إنا لنحن الطيبون وإنكم لأنتم الخبيثون. قال: نعم، وأنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك! أفلا تنفعك معرفتك؟! قال: فانتهره عزرة بن قيس أمير السرية التي تحرسنا، فانصرف عنا. قال: فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة، وقيل: يوم السبت – وكان يوم عاشوراء – انتصب للقتال، وصلى الحسين أيضا بأصحابه، وهم اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، ثم انصرف فصفهم، فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى الميسرة حبيب بن مظهر، وأعطى رايته العباس بن علي أخاه، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، وقد أمر الحسين من الليل، فحفروا وراء بيوتهم خندقا، وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا، ثم أضرمت فيه النار ; لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها. وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن – واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب – وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجالة شبث بن ربعي، وأعطى الراية ذويدا مولاه، وتواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت له، فاغتسل فيها، واطلى بالنورة، وتطيب بمسك كثير، ودخل بعده بعض الأمراء، ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة؟! فقال بعضهم: دعنا منك، والله ما هذه بساعة باطل. فقال برير بن خضير: والله لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء فيقتلونا. ثم ركب الحسين على فرسه، وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة. إلى آخره. وأركب ابنه علي بن الحسين – وكان ضعيفا مريضا – فرسا يقال له: لاحق. ونادى الحسين: أيها الناس، اسمعوا مني نصيحة أقولها لكم. فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس، إن قبلتم مني وأنصفتموني، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم علي سبيل، وإن لم تقبلوا مني فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون [يونس: 71]، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [الأعراف: 196]. فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء، فقال عند ذلك: لا يبعد ابن عباس. يعني حين أشار عليه ألا يخرج بالنساء معه، ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم له الأمر. ثم بعث أخاه العباس وابنه عليا فسكتاهن، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه، وعلو قدره، وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم، هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وسلم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري، وعلي أبي، وجعفر ذو الجناحين عمي، وحمزة سيد الشهداء عم أبي، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخي: ” هذان سيدا شباب أهل الجنة “. فإن صدقتموني بما أقول فهو الحق، والله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت على الكذب، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ; جابر بن عبد الله، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبروكم بذلك، ويحكم! أما تتقون الله؟! أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟! فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف، إن كنت أدري ما يقول. فقال له حبيب بن مظهر: والله يا شمر، إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وإنك لا تدري ما يقول ; لأن الله قد طبع على قلبك. ثم قال: أيها الناس، ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض. فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمك؟ فقال: معاذ الله أن أعطيهم بيدي إعطاء الذليل وأقر إقرار العبيد، عباد الله إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب [غافر: 27]. ثم أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، ثم قال: أخبروني أتطلبوني بقتيل لكم قتلته؟ أو مال لكم أكلته؟ أو بقصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه. قال: فنادى: يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي أنه قد أينعت الثمار واخضر الجناب، فاقدم علينا، فإنك إنما تقدم على جند مجند. فقالوا له: لم نفعل. فقال: سبحان الله، والله لقد فعلتم. ثم قال: يا أيها الناس، إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم. فقال له قيس بن الأشعث: ألا تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يؤذوك، ولا ترى منهم إلا ما تحب. فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لهم إقرار العبيد. قال: وأقبلوا يزحفون نحوه، وقد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة الكوفيين، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم. قال: ولو أعلم أنهم على هذه النية لسرت معك إلى يزيد. فقبل منه الحسين، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين، فخاطب عمر بن سعد، فقال: ويحكم! ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث واحدة منها؟ فقال: لو كان ذلك إلي قبلت، ولكن أبى علي ابن زياد. ثم خاطب أهل الكوفة، فسبهم وأنبهم وقال: ويحكم! دعوتموه، حتى إذا جاء خذلتموه، وما كفاكم ذلك حتى جئتم لتقاتلوه، وقد منعتموه ونساءه الماء من الفرات ; الذي يشرب منه اليهودي والنصراني والمجوسي، وتتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.

 

قال: فتقدم عمر بن سعد، وقال لمولاه: يا ذويد، أدن رايتك. فأدناها، ثم شمر عمر عن ساعده، ورمى بسهم، وقال: اشهدوا أني أول من رمى القوم. قال: فترامى الناس بالنبال، وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله فقالا: من يبارز؟ فبرز لهما عبد الله بن عمير الكلبي بعد استئذانه الحسين، فقتل يسارا أولا، ثم قتل سالما بعده، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى، وحمل رجل يقال له: عبد الله بن حوزة. حتى وقف بين يدي الحسين، فقال له: يا حسين، أبشر بالنار. فقال له الحسين: كلا، ويحك! إني أقدم على رب رحيم، وشفيع مطاع، بل أنت أولى بالنار. قالوا: فانصرف فوقصته فرسه فسقط، وتعلقت رجله اليسرى بالركاب.

 

وشد عليه مسلم بن عوسجة، فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه، فلم يبق حجر يمر به إلا ضربه في رأسه حتى مات.

 

وروى أبو مخنف، عن أبي جناب قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن عمير من بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ دارا عند بئر الجعد من همدان، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط، فرأى الناس يتهيئون للخروج إلى قتال الحسين، فقال: والله لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصا، وإني لأرجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين، وأيسر ثوابا عند الله. فدخل إلى امرأته، فأخبرها بما هو عازم عليه، فقالت: أصبت – أصاب الله بك – أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك. قال: فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين. ثم ذكر قصة رمي عمر بن سعد بالسهم، وقصة قتله يسارا مولى زياد، وسالما مولى ابن زياد، وأن عبد الله بن عمير استأذن الحسين في الخروج إليهما، فنظر إليه الحسين، فرأى رجلا آدم طويلا شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتالا، اخرج إن شئت. فخرج فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما. فقالا: لا نعرفك. فقال لهما: يا أولاد الزانية، أو بكم رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟! وهل يخرج إليكما أحد إلا وهو خير منكما؟ ثم شد على يسار، فكان كأمس الذاهب، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد، فصاح به: قد رهقك العبد. قال: فلم ينتبه له حتى غشيه، فضربه على يده اليسرى، فأطار أصابعه، ثم مال عليه الكلبي، فضربه حتى قتله وأقبل يرتجز ويقول:

إن تنكراني فأنا ابن كلب     حسبي بيتي في عليم حسبي

إني امرؤ ذو مرة وعصب     ولست بالخوار عند الكرب

إني زعيم لك أم وهب     بالطعن فيهم مقدما والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب

 

فأخذت أم وهب عمودا، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداؤك أبي وأمي، قاتل دون الطيبين ذرية محمد، عليه الصلاة والسلام. فأقبل إليها يردها نحو النساء، فأقبلت تجاذبه ثوبه. قالت: دعني أكون معك. فناداها الحسين: انصرفي إلى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال. فانصرفت إليهن.

 

قال: وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين، والنصر في ذلك لأصحاب الحسين ; لقوة بأسهم، وأنهم مستميتون، لا عاصم لهم إلا سيوفهم، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة، وحمل عمرو بن الحجاج أمير الميمنة، وجعل يقول: قاتلوا من مرق من الدين، وفارق الإمام والجماعة. فقال له الحسين: ويحك يا حجاج! أعلي تحرض الناس؟! أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتم عليه؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحكم أجسادكم من أولى بصلي النار. وقد قتل في هذه الحملة مسلم بن عوسجة، فكان أول من قتل من أصحاب الحسين، فمشى إليه الحسين، فترحم عليه، وهو على آخر رمق، وقال له حبيب بن مظهر: أبشر بالجنة. فقال له بصوت ضعيف: بشرك الله بالخير. ثم قال له حبيب: لولا أني أعلم أني على إثرك لاحقك، لكنت أقضي ما توصيني به. فقال له مسلم بن عوسجة: أوصيك بهذا – وأشار إلى الحسين – أن تموت دونه. قالوا: ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بالميسرة، وقصدوا نحو الحسين، فدافعت عنه الفرسان من أصحابه دفاعا عظيما، وكافحوا دونه مكافحة بليغة، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرماة الرجالة، فبعث إليهم نحوا من خمسمائة، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين، فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجالة، ولما عقروا جواد الحر بن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول:

إن تعقروا بي فأنا ابن الحر     أشجع من ذي لبدة هزبر

 

ويقال: إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال من أتى من ناحيتها، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك، فأمر بتحريقها، فقال الحسين: دعوهم يحرقونها، فإنهم لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أحرقت. وجاء شمر بن ذي الجوشن قبحه الله، إلى فسطاط الحسين، فطعنه برمحه – يعني الفسطاط – وقال: ائتوني بالنار لأحرقه على من فيه. فصاحت النسوة وخرجن منه، فقال له الحسين: أنت تريد أن تحرق أهلي؟! أحرقك الله بالنار. وجاء شبث بن ربعي إلى شمر، قبحه الله، فقال له: ما رأيت أقبح من قولك وموقفك هذا، أتريد أن ترعب النساء؟! فاستحيا، وهم بالرجوع.

 

وقال حميد بن مسلم: قلت لشمر: سبحان الله! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين ; تعذب بعذاب الله، وتقتل الولدان والنساء! والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك. قال: فقال لي: من أنت؟ قلت: لا أخبرك من أنا. وخشيت أني إن أخبرته فعرفني، أن يسوءني عند السلطان. وشد زهير بن القين في رجال من أصحاب الحسين على شمر بن ذي الجوشن، فأزالوه عن موقفه، وقتلوا أبا عزة الضبابي وكان من أصحاب شمر، وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قتل بان فيهم الخلل، وإذا قتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبين ذلك فيهم لكثرتهم، ودخل عليهم وقت الظهر، فقال الحسين: مروهم فليكفوا عن القتال حتى نصلي. فقال رجل من أهل الكوفة: إنها لا تقبل منكم. فقال له حبيب بن مظهر: ويحك! أتقبل منكم الصلاة ولا تقبل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقاتل حبيب قتالا شديدا حتى قتل، رحمه الله، وحمل رأسه إلى ابن زياد.

 

ثم صلى الحسين بأصحابه الظهر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعدها قتالا شديدا، ووصل إلى الحسين، رضي الله عنه، ودافع عنه صناديد أصحابه، فقتل زهير بن القين بين يدي الحسين، وقاتل دونه نافع بن هلال الجملي، فقتل اثني عشر من أصحاب عمر بن سعد سوى من جرح، ثم أسر وكسرت عضداه ومع هذا ضرب عنقه بين يدي عمر بن سعد شمر بن ذي الجوشن، ثم حمل شمر على أصحاب الحسين وهو يقول:

خلوا عداة الله خلوا عن شمر     يضربهم بسيفه ولا يفر

 

وصمم عليهم الأعداء من كل جانب وتكاثروا عليهم، وتفانى أصحاب الحسين بين يديه، حتى لم يبق معه أحد إلا سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي.

 

وكان أول قتيل قتل من بني أبي طالب يومئذ علي الأكبر ابن الحسين بن علي، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، طعنه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي فقتله، ويروى أنه جعل يقاتل عن أبيه وهو يقول:

أنا علي بن حسين بن علي     نحن ورب البيت أولى بالنبي

تالله لا يحكم فينا ابن الدعي     كيف ترون اليوم ستري عن أبي

 

فلما طعنه مرة احتوشته الرجال، فقطعوه بأسيافهم، فقال الحسين: قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك محارمه! فعلى الدنيا بعدك العفاء. قال: وخرجت جارية كأنها الشمس حسنا، فقالت: يا أخياه ويا ابن أخياه. فإذا هي زينب بنت علي من فاطمة، فأكبت عليه وهو صريع. قال: فجاء الحسين فأخذ بيدها، فأدخلها الفسطاط، وأمر به الحسين فحول من هناك إلى بين يديه عند فسطاطه، ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، ثم قتل عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، ثم قتل عبد الرحمن وجعفر ابنا عقيل بن أبي طالب، ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

 

قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن زياد – وكان راميا، وهو أبو الشعثاء الكندي من بني بهدلة – جثا على ركبتيه بين يدي الحسين، فرمى بمائة سهم ما سقط منها على الأرض خمسة أسهم، فلما فرغ من الرمي قال: قد تبين لي أني قتلت خمسة نفر، وكان في أول من قتل، وكان رجزه يومئذ:

أنا يزيد وأبي مهاصر     أشجع من ليث بغيل خادر

يا رب إني للحسين ناصر ولابن سعد تارك وهاجر

 

قالوا: ومكث الحسين نهارا طويلا لا يأتي إليه رجل إلا رجع عنه ; لا يحب أن يلي قتله، حتى جاءه رجل من بني بداء يقال له: مالك بن النسير. فضرب الحسين بالسيف على رأسه فجرحه، وكان عليه برنس، فامتلأ دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين. ثم ألقى الحسين ذلك البرنس، ودعا بعمامة فاعتم بها. قال: ثم إن الحسين أعيا، فقعد على باب فسطاطه، وأتي بصبي صغير من أولاده، فأجلسه في حجره، ثم جعل يقبله ويشمه ويودعه ويوصي أهله، فرماه رجل من بني أسد يقال له: ابن موقد النار. بسهم فذبح ذلك الغلام، فتلقى حسين دمه في يده، وألقاه نحو السماء، وقال: رب إن تك قد حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير، وانتقم لنا من الظالمين. ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضا، ثم قتل عبد الله والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بنو علي بن أبي طالب إخوة الحسين لأبيه، رضي الله عنهم أجمعين، وقد اشتد عطش الحسين، فحاول أن يصل إلى ماء الفرات فمانعوه دونه، فخلص إلى شربة منه، فلما أهوى إليها رماه حصين بن نمير بسهم في حنكه فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه، ففار الدم فتلقاه بيديه، ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما، ثم رمى به إلى السماء، وقال: اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تذر على الأرض منهم أحدا. ودعا عليهم دعاء بليغا.

 

ثم جاء شمر ومعه جماعة من الشجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فسطاطه، ولم يبق معه أحد يحول بينهم وبينه، فجاء غلام يشتد من الخيام كأنه البدر في أذنيه درتان تذبذبان، فخرجت زينب بنت علي لترده فامتنع عليها، وجاء يحاجف عن عمه، فضربه رجل منهم بالسيف، فاتقاه بيده، فأطنها سوى جلدة، فقال: يا أبتاه. فقال له الحسين: يا بني، احتسب أجرك عند الله، فإنك تلحق بآبائك الصالحين. ثم حمل على الحسين الرجال من كل جانب وهو يجول فيهم بالسيف يمينا وشمالا، فيتنافرون عنه كتنافر المعزى عن السبع، وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه، فجعلت تقول: ليت السماء تقع على الأرض. وجاء عمر بن سعد، فقالت: يا عمر، أرضيت أن يقتل أبو عبد الله وأنت تنظر؟ فتحادرت الدموع على لحيته، وصرف وجهه عنها، ثم جعل لا يقدم أحد على قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب على الحسين، وضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو، ثم جاء إليه سنان بن أنس بن عمرو النخعي، فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه وحز رأسه، ثم دفع رأسه إلى خولي بن يزيد. وقيل: إن الذي قتله شمر بن ذي الجوشن. وقيل: رجل من مذحج. وقيل: عمر بن سعد بن أبي وقاص. وليس بشيء، وإنما كان عمر أمير السرية التي قتلت الحسين فقط.

 

وأخذ سنان وغيره سلبه، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله، وما في خبائه، حتى ما على النساء من الثياب الظاهرة.

 

وقال أبو مخنف عن جعفر بن محمد قال: وجد بالحسين حين قتل ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة. وهم شمر بن ذي الجوشن بقتل علي بن الحسين الأصغر زين العابدين، وهو صغير مريض، حتى صرفه عن ذلك حميد بن مسلم أحد أصحابه. وجاء عمر بن سعد، فقال: ألا لا يدخلن على هذه النسوة أحد ولا يقتل هذا الغلام أحد ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم. قال: فوالله ما رد أحد شيئا. فقال له علي بن الحسين: جزيت خيرا، فقد دفع الله عني بمقالتك شرا. قالوا: ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد، فنادى بأعلى صوته:

أوقر ركابي فضة وذهبا     أنا قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس أما وأبا وخيرهم إذ ينسبون نسبا

 

فقال عمر بن سعد: أدخلوه علي. فلما دخل رماه بالسوط، وقال: ويحك أنت مجنون! والله لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك. ومن عمر بن سعد على عقبة بن سمعان حين أخبره أنه مولى، فلم ينج منهم غيره، والمرقع بن ثمامة أسر، فمن عليه ابن زياد.

 

وقتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسا، فدفنهم أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم رحمهم الله وأكرمهم.

 

وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا، كلهم من أولاد فاطمة.

 

وعن الحسن البصري أنه قال: قتل مع الحسين ستة عشر رجلا، كلهم من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه.

 

وقال غيره: قتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا، فمن أولاد علي، رضي الله عنه ; جعفر، والحسين، والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر. ومن أولاد الحسين علي الأكبر وعبد الله. ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة ; عبد الله، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب. ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان ; عون ومحمد. ومن أولاد عقيل ; جعفر، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومسلم قتل قبل ذلك كما قدمنا. فهؤلاء أربعة لصلبه، واثنان آخران ; هما عبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل، فكملوا ستة من ولد عقيل، وفيهم يقول الشاعر:

واندبي تسعة لصلب علي     قد أصيبوا وستة لعقيل

وسمي النبي غودر فيهم     قد علوه بصارم مصقول

 

وممن قتل مع الحسين بكربلاء أخوه لأمه من الرضاعة – عبد الله بن بقطر، وقد قيل: إنه إنما قتل قبل ذلك حين بعث معه كتابا إلى أهل الكوفة، فحمل إلى ابن زياد فقتله. وقتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويقال: إن عمر بن سعد ندب عشرة فرسان، فداسوا الحسين بأفراسهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة، وسرح برأسه من يومه إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي، فلما انتهى به إلى القصر وجده مغلقا، فرجع إلى منزله، فوضعه تحت إجانة، وقال لامرأته نوار بنت مالك: جئتك بعز الدهر. فقالت: وما هو؟ فقال: هذا رأس الحسين. فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت أنت برأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والله لا يجمعني وإياك فراش أبدا. ثم نهضت عنه من الفراش، واستدعى بامرأة له أخرى من بني أسد، فنامت عنده. قالت الثانية: فوالله ما زلت أرى النور ساطعا من تلك الإجانة إلى السماء، وطيورا بيضاء ترفرف حولها. فلما أصبح غدا به إلى ابن زياد، فأحضره بين يديه، ويقال: إنه كان معه رءوس بقية أصحابه، وهو المشهور. ومجموعها اثنان وسبعون رأسا، وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه، وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام.

 

قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، ثنا جرير عن محمد، عن أنس قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في طست، فجعل ينكت عليه، وقال في حسنه شيئا، فقال أنس: إنه كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مخضوبا بالوسمة. ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسين بن إبراهيم، هو ابن إشكاب، عن حسين بن محمد، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس، فذكره. وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين، عن أنس، وقال: حسن صحيح.

 

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مفرج بن شجاع بن عبيد الله الموصلي، ثنا غسان بن الربيع، ثنا يوسف بن عبدة، عن ثابت وحميد، عن أنس قال: لما أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه، يقول لقد كان – أحسبه قال – جميلا. فقلت: والله لأسوءنك، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث يقع قضيبك. قال: فانقبض. تفرد به البزار من هذا الوجه، وقال: لا نعلم رواه عن حميد غير يوسف بن عبدة، وهو رجل من أهل البصرة مشهور، وليس به بأس. ورواه أبو يعلى الموصلي، عن إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، فذكره. ورواه قرة بن خالد، عن الحسن، عن أنس، فذكره.

 

وقال أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلت حتى أتيت أهله، فأعلمتهم ذلك، ثم أقبلت حتى أدخل، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلت فيمن دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما. ثم انفضخ الشيخ يبكي، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت، وذهب عقلك لضربت عنقك. قال: فنهض فخرج، فلما خرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم كلاما لو سمعه ابن زياد لقتله. قال: فقلت: ما قال؟ قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبد عبدا، فاتخذهم تلدا، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل، فبعدا لمن رضي بالذل. وقد روي من طريق أبي داود السبيعي، عن زيد بن أرقم بنحوه. ورواه الطبراني من طريق ثابت، عن زيد.

 

وقد قال الترمذي: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، نصبت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم، وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت. فإذا حية قد جاءت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة، ثم خرجت، فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت. ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. ثم قال الترمذي: حسن صحيح.

 

وأمر ابن زياد أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ما فتح الله عليه من قتل الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك، ويفرق الكلمة عليهم، فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، فقال: ويحك يا ابن زياد! تقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين. فأمر به ابن زياد، فقتل وصلب. ثم أمر برأس الحسين، فنصب بالكوفة وطيف به في أزقتها، ثم سيره مع زحر بن قيس ومعه رءوس أصحابه، إلى يزيد بن معاوية بالشام، وكان مع زحر جماعة من الفرسان ; منهم أبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بالرءوس كلها على يزيد بن معاوية.

 

قال هشام: فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه، عن الغاز بن ربيعة الجرشي ; من حمير قال: والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق، إذ أقبل زحر بن قيس، فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويلك! ما وراءك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن علي بن أبي طالب وثمانية عشر من أهل بيته، وستون رجلا من شيعته، فسرنا إليهم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا عليهم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمام من صقر، فوالله ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم. قال: فدمعت عينا يزيد بن معاوية وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين. ولم يصل زحر بن قيس بشيء.

 

ولما وضع الحسين بين يدي يزيد قال: أما والله لو أني صاحبك ما قتلتك. ثم أنشد قول الحصين بن الحمام المري الشاعر:

يفلقن هاما من رجال أعزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

 

قال أبو مخنف: فحدثني أبو جعفر العبسي، عن أبي عمارة العبسي قال: وقام يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم فقال:

لهام بجنب الطف أدنى قرابة     من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

سمية أضحى نسلها عدد الحصى     وبنت رسول الله ليس لها نسل

 

قال: فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم، وقال: اسكت.

 

وقال محمد بن حميد الرازي، وهو شيعي: ثنا محمد بن يحيى الأحمري، ثنا ليث، عن مجاهد قال: لما جيء برأس الحسين، فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الأبيات:

ليت أشياخي ببدر شهدوا     جزع الخزرج من وقع الأسل

فأهلوا واستهلوا فرحا ثم     قالوا لي هنيا لا تسل

حين حكت بقباء بركها     واستحر القتل في عبد الأشل

قد قتلنا الضعف من أشرافهم     وعدلنا ميل بدر فاعتدل

 

قال مجاهد: نافق فيها، والله ثم والله ما بقي في جيشه أحد إلا تركه.

 

وقد اختلف العلماء بعد هذا في الرأس هل سيره ابن زياد من الكوفة إلى يزيد بالشام أم لا؟ على قولين، والأول أشبه وقد ورد في ذلك آثار كثيرة. فالله أعلم.

 

قال أبو مخنف عن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الله الثمالي، عن القاسم بن بخيت قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المري:

يفلقن هاما من رجال أعزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

 

فقال له أبو برزة الأسلمي: أما والله لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه. ثم قال له: أما إن هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعه محمد صلى الله عليه وسلم، وتجيء وشفيعك ابن زياد. ثم قام فولى.

 

وقد رواه ابن أبي الدنيا عن أبي الوليد، عن خالد بن يزيد بن أسد، عن عمار الدهني، عن أبي جعفر قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد، وعنده أبو برزة جعل ينكت بالقضيب على لثته ويقول: يفلقن هاما. فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمه.

 

قال ابن أبي الدنيا وحدثني مسلمة بن شبيب، عن الحميدي، عن سفيان، سمعت سالم بن أبي حفصة قال: قال الحسن: لما جيء برأس الحسين جعل يزيد يطعن بالقضيب. قال: سفيان: وأخبرت أن الحسن كان ينشد على إثر هذا

سمية أمسى نسلها عدد الحصى     وبنت رسول الله ليس لها نسل

 

وأما بقية أهله ونساؤه وحرمه فإن عمر بن سعد وكل بهم من يحرسهم ويكلؤهم، فأركبوهم على الرواحل في الهوادج، فلما مروا بمكان المعركة رأوا الحسين وأصحابه مجدلين، هنالك بكته النساء، وصرخن وندبت زينب أخاها الحسين وأهلها، فقالت وهي تبكي: يا محمداه، يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا. قال: فأبكت والله كل عدو وصديق.

 

قال: ثم ساروا بهم في الهوادج من كربلاء حتى دخلوا الكوفة، فأكرمهم ابن زياد، وأجرى عليهم النفقات والكساوي والصلات.

 

ثم سيرهم فردهم عبيد الله إلى الشام مع شمر بن ذي الجوشن ومحفز بن ثعلبة العائذي من قريش، ومعهم علي بن الحسين زين العابدين، وكان أراد ابن زياد قتله، فصرفه الله عنه، فلما بعثهم سيره مع أهله، ولكنه مغلول إلى عنقه، وبقية الأهل في حال سيئة على ما ذكر بعضهم.

 

فلما دخلوا على يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسين: يا علي، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت. فقال علي: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [الحديد: 22]. فقال يزيد لابنه خالد: اردد عليه. قال: فما درى خالد ما يرد عليه. فقال له يزيد: قل: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [الشورى: 30]. فسكت عنه ساعة، ثم دعا بالنساء والصبيان، فرأى هيئة قبيحة، فقال: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا.

 

وروى أبو مخنف، عن الحارث بن كعب، عن فاطمة بنت علي قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد، رق لنا وأمر لنا بشيء وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه. يعنيني، وكنت جارية وضيئة، فارتعدت فزعة من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب أختي زينب، وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز، فقالت لذلك الرجل: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك ولا له. فغضب يزيد، فقال لها: كذبت، والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت. قالت: كلا والله، ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. فقالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي وجدي، اهتديت أنت وأبوك وجدك. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت: أنت أمير مسلط، تشتم ظالما وتقهر بسلطانك. قالت: فوالله لكأنه استحيا فسكت، ثم قام الشامي فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه. فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا.

 

ثم أمر يزيد النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلا أمينا، معه رجال وخيل، ويكون علي بن الحسين معهم، ثم أنزل النساء عند حرمه في دار الخلافة، فاستقبلهن نساء آل معاوية يبكين وينحن على الحسين، ثم أقمن المناحة ثلاثة أيام، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا ومعه علي بن الحسين وعمرو بن الحسن، فقال يزيد يوما لعمرو، وهو صغير جدا: أتقاتل هذا؟ يعني ابنه خالد بن يزيد، فقال: أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى نتقاتل. فأخذه يزيد فضمه إليه، وقال: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية؟!

 

ولما ودعهم يزيد قال لعلي بن الحسين: قبح الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه، ما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت. ثم جهزه وأعطاه مالا جزيلا، وقال له: كاتبني بكل حاجة تكون لك، وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول. فكان ذلك الرسول الذي أرسله معهن يسير بمعزل عنهن من الطريق، ويبعد عنهن بحيث يدركهن طرفه، وهو في خدمتهن حتى وصلن المدينة فجمعن شيئا من حليهن، فدفعنه إلى ذلك الرجل فأبى أن يقبله، وقال: إنما فعلت ذلك لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وهذا يرد قول الرافضة: إنهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا. حتى كذب من زعم منهم أن الإبل البخاتي إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهن.

 

وكتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين يبشره بمقتل الحسين، فأمر مناديا فنادى بذلك في المدينة. فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهن بالبكاء والنوح، فجعل عمرو بن سعيد يقول: هذا ببكاء نساء عثمان بن عفان.

 

قال أبو جعفر بن جرير الطبري في ” تاريخه “: فحدثني زكريا بن يحيى الضرير، ثنا أحمد بن جناب المصيصي، ثنا خالد بن يزيد بن عبد الله القسري، ثنا عمار الدهني قال: قلت لأبي جعفر: حدثني عن مقتل الحسين كأني حضرته. فقال: أقبل الحسين بكتاب مسلم بن عقيل الذي كان قد كتبه إليه يأمره فيه بالقدوم عليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا المصر. فقال له: ارجع، فإني لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه. فهم الحسين أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل فقالوا: والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قتل أخانا أو نقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم. فسار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عاد إلى كربلاء، فأسند ظهره إلى قصباء وخلا ; لئلا يقاتل إلا من وجه واحد، فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل، وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولاه ابن زياد الري، وعهد إليه عهده، فقال: اكفني هذا الرجل. فقال: أعفني. فأبى أن يعفيه. فقال: أنظرني الليلة. فأخره فنظر في أمره، فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمره به، فتوجه إليه عمر بن سعد، فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدة من ثلاث ; إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور. فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله بن زياد لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدا. فقاتله، فقتل أصحاب الحسين كلهم، وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، وجاءه سهم، فأصاب ابنا له معه في حجره، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا، فقتلونا. ثم أمر بحبرة فشقها، ثم لبسها وخرج بسيفه، فقاتل حتى قتل، قتله رجل من مذحج، وحز رأسه، فانطلق به إلى عبيد الله، وقال في ذلك:

أوقر ركابي فضة وذهبا     فقد قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس أما وأبا     وخيرهم إذ ينسبون نسبا

 

قال: فأوفده إلى يزيد بن معاوية، فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه، ويقول:

يفلقن هاما من رجال أعزة     علينا وهم كانوا أعق وأظلما

 

فقال له أبو برزة ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيت فا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فيه يلثمه. قال: وسرح عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى عبيد الله، ولم يكن بقي من آل بيت الحسين إلا غلام كان مريضا مع النساء، فأمر به ابن زياد ليقتل، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: والله لا يقتل حتى تقتلوني. فرق لها فتركه وكف عنه. قال: وجهزهم وحملهم إلى يزيد، فلما قدموا عليه جمع من كان بحضرته من أهل الشام، ثم أدخلوهم فهنئوه بالفتح، فقال رجل منهم أحمر أزرق، ونظر إلى وصيفة من بناتهم فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي هذه. فقالت زينب: لا والله ولا كرامة لك ولا له، إلا أن يخرج من دين الله. قال: فأعادها الأزرق، فقال له يزيد: كف عن هذا. ثم أدخلهم على عياله، فجهزهم وحملوا إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني عبد المطلب، ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها، تتلقاهم وهي تبكي وتقول:

ماذا تقولون إن قال النبي لكم     ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي     منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم     أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

وقد روى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود، أن بنت عقيل هي التي قالت هذا الشعر. وهكذا حكى الزبير بن بكار أن زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب هي التي قالت ذلك حين دخل آل الحسين المدينة النبوية.

 

وروى أبو بكر بن الأنباري بإسناده، أن زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، وهي زوج عبد الله بن جعفر أم بنيه، رفعت سجف خبائها يوم كربلاء يوم قتل الحسين، وقالت هذه الأبيات. فالله أعلم.

 

وقال هشام بن الكلبي: حدثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن أبي المقدام قال: حدثني عمر بن عكرمة قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة، فإذا مولاة لنا تحدثنا قالت: سمعت البارحة مناديا ينادي وهو يقول:

أيها القاتلون جهلا حسينا     أبشروا بالعذاب والتنكيل

كل أهل السماء يدعو عليكم     من نبي وملأك وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داو     د وموسى وحامل الإنجيل

قال هشام: حدثني عمرو بن حيزوم الكلبي، عن أمه قالت: سمعت هذا الصوت.

 

ومما أنشده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيره لبعض المتقدمين في مقتل الحسين:

جاءوا برأسك يابن بنت محمد     متزملا بدمائه تزميلا

وكأنما بك يابن بنت محمد     قتلوا جهارا عامدين رسولا

قتلوك عطشانا ولم يترقبوا     في قتلك التنزيل والتأويلا

ويكبرون بأن قتلت وإنما     قتلوا بك التكبير والتهليلا

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات