ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الأشهر الحرم مدرسة الاستقامة !!

ملتقى الخطباء

(165)
5649

الأشهر الحرم مدرسة الاستقامة !!

1439/12/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

د. وفاء الزعاقي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

في مدرسة الأشهر الحرم التي لا يعظمها إلا أصحاب القلوب التقية كما قال تعالى : (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) يتربى العبد على حفظ نفسه التي زكاها في رمضان بالطاعات والمسارعة إلى الخيرات؛ من الوقوع فيما يدنسها، فيظلمها صاحبها بالتفريط في جنب الله تعالى. وأي ظلم للنفس أعظم من أن يأخذها صاحبها بالجد والصبر والمثابرة شهرا كاملا حتى يضعها على جادة الطريق ثم يرديها بعد ذلك إلى هاوية المعصية، وظلمة الخطيئة، وضياع السبيل.؟! فيكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

 

إن من رحمة الله تعالى بنا ومن تمام فضله علينا أن شرع هذه الأشهر الحرم فعظمها، وأمرنا بتعظيمها، وجعل ذلك من الدين القيم، وحرم علينا ظلم النفس فيها قال تعالى : (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ) [التوبة :36]

 

والأشهر الحرم هي كما فسرها عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة t أن النبي r خطب في حجته فقال : (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ). أخرجه الشيخان وأحمد .

 

فقوله تعالى: (ذلك الدين القيم ) أي هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول. وقوله : (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال ابن عباس: في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراما، وعظم حُرُماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.

 

وقال قتادة : إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء. وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله به عند أهل الفهم والعقل .

 

قد لا يتعذر على الكثير منا فعل الطاعات،وعمل المستحبات؛ ولكن يشق على الكثير ترك المنهيات والابتعاد عن المحرمات! الأمر الذي يجعل العبد في حاجة إلى أمرين حتى يستطيع مجاهدة نفسه على ترك الذنوب والمعاصي التي تعلق بها قلبه وأشرب حبها، واعتاد ممارستها.

 

أحدهما: زمان طويل كافٍ ومحدد يتسنى للعبد فيه مجاهدة نفسه من جهة، ثم الالتزام بهذه المجاهدة من جهة أخرى، كي لا يقع في مزلق التسويف.

 

ثانيا : ضابط قوي يردعه عن ظلم نفسه، ويلزمه مباشرة الطاعات ..

 

وذلك كله متحقق في هذا التوجيه الإلهي:( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ).

 

أما الشرط الأول: وهو حاجة العبد لوقت طويل ليربي نفسه على عادة ترك ظلم النفس فإنه متحقق في الأشهر الحرم التي شرعها المولى عز وجل وجعل الدين القويم في تعظيمها، وامتثال أمر الله تعالى فيها، وهذا أمر جُعل منذ بدء الخليقة .. فمن اتقى الله تعالى في هذه الأشهر؛ فاجتنب ظلم نفسه بالمعاصي والمخالفات الشرعية، وعمر زمانه بما ينفعه بالعمل الصالح فإن الجد سيكون له عادة، والتقلب في ألوان الطاعات يصبح له سلوكا، والبعد عن الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة سينقلب سجية لنفسه، كما أن استثمار الوقت سيصير منهجا واضحا في حياته. ومن ذاق حلاوة الطاعة، وتنعم بها لا يعود _في الغالب_ إلى سالف عهده ..

 

أما الشرط الثاني: وهو قوة الضابط الرادع عن التفريط في حرمة هذه الأشهر يتمثل في نهي الله تعالى عن ظلم النفس في هذه الأشهر فالذنب فيها ليس كالذنب في غيرها، كما أن العمل الصالح فيها ليس كالعمل في غيرها.

 

قال ابن كثير: أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ من الإثم في غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام؛ ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم .

 

ومن عظم رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم في هذه الأشهر أعظم الأعمال التي تعين العبد على الاستقامة، وعلى تعظيم هذه الأوقات.. ففي هذه الأشهر تؤدى فريضة الحج، وفيها أيام عشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم عيد الأضحى، وفيها أيام التشريق، و يوم عاشوراء.. ولا يخفى فضائل هذه الأعمال، وأثرها في استقامة العبد .. فكل عمل منها كفيل بإصلاح الأمة بكاملها، فكيف حين تجتمع كلها في عبد وتوافق قبولا من المعبود سبحانه وتعالى ..؟!!

 

فحري بنا معرفة فضل هذه الأشهر، وإعطائها قدرها من التعظيم والإجلال أشد مما كان عليه العرب في جاهليتهم من تعظيم هذه الأشهر حتى إنهم يقعدون عن القتال والترحال فلو أن أحدهم قابل قاتل أبيه فإنه لا يقتله تعظيما لحرمتها .

 

إن هذه الآية العظيمة كما دلت على عظم حرمة الأشهر الحرم، فإنها من جهة أخرى تربي العبد الموفق على حفظ وقته، وتضع بين يديه القواعد الأساسية التي منها ينطلق لكيفية استثماره، وحفظه من الضياع، ومعرفة فن إدارته. فإن الغالب في أحوال الناس إضاعة أوقاتهم كما قال عليه الصلاة والسلام : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).

 

إن مدة الأشهر الحرم، وعظم مكانتها عند الله تعالى، تجعل العبد التقي يعتاد استثمار كل ساعاتها ودقائقها بالعمل الصالح القائم على فقه الأولويات، وتقديم الواجبات على المستحبات، فلا تنقضي هذه الأشهر إلا وقد انضبط وقته، وصلح زمانه، واستقامت حاله، وترتبت أولوياته ..

 

ورحم الله ابن هبيرة حين قال :

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع

 

اللهم بارك لنا في أوقاتنا، ووفقنا لما يرضيك عنا..

 

 

 

(تم نشر هذا المقال في رسالة الجامعة عدد 934 يوم السبت الموافق 28/11/1428هـ )

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات