ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > قراءة تدبرية في قصة الخلق من خلال سورتي البقرة والعلق

ملتقى الخطباء

(338)
5571

قراءة تدبرية في قصة الخلق من خلال سورتي البقرة والعلق

1439/11/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

عندما تعجبت الملائكة من دور الإنسان قارنته بأنفسهم، فإن كانت الخلافة هي مجرد التسبيح والتقديس لله فالملائكة بالفعل يقومون بذلك لا يفترون، أما الإنسان في المقابل فقد علمت عنه الملائكة ميله للفساد وسفك الدماء، حينها تكون المقارنة ليست ابدا في صالح الإنسان! إلا أن الله قد رد عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون.

 

﴿ {وَإِذ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليفَةً قالوا أَتَجعَلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها وَيَسفِكُ الدِّماءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنّي أَعلَمُ ما لا تَعلَمونَ} ﴾[البقرة: ٣٠] ثم بين لهم بتجربة عملية على آدم ويتبعه في ذلك ذريته- قدرته على التعلم، هذه القدرة التي لا تشمل فقط القدرة على تعلم ما علمه الله مباشرة، ولكن امتدت إلى القدرة على استنباط واستقراء أسماء أخرى من تلك التي علمها الله له مباشرة ﴿ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُم عَلَى المَلائِكَةِ فَقالَ أَنبِئوني بِأَسماءِ هؤُلاءِ إِن كُنتُم صادِقينَ * قالوا سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمتَنا إِنَّكَ أَنتَ العَليمُ الحَكيمُ * قالَ يا آدَمُ أَنبِئهُم بِأَسمائِهِم فَلَمّا أَنبَأَهُم بِأَسمائِهِم قالَ أَلَم أَقُل لَكُم إِنّي أَعلَمُ غَيبَ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَأَعلَمُ ما تُبدونَ وَما كُنتُم تَكتُمونَ} ﴾[البقرة: ٣١-٣٣]

 

أقول أن قدرته قد امتدت ليكون قادرا على استنباط واستقراء أسماء أخرى من تلك التي علمها الله له مباشرة، وذلك بأن جلى الله للملائكة مستقبل الجنس البشري كله في العلم عبر آدم في هذه التجربة! وكأن تاريخ الإنسانية قد اجتمع كله في لحظة هذه التجربة العجيبة ( {قالَ أَلَم أَقُل لَكُم إِنّي أَعلَمُ غَيبَ السَّماواتِ وَالأَرضِ} )

 

فظهر من آدم القدرة على استكمال العلم عن طريقي الاستنباط والاستقراء ثم التدوين بالقلم لنقل العلم من جيل إلى جيل والبناء العلمي الذي إذا تكامل تكون الأسماء كلها قد عُلِمَت لآدم وبنيه ﴿ {اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ * الَّذي عَلَّمَ بِالقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسانَ ما لَم يَعلَم} ﴾[العلق: ٣-٥]

 

وبالتالي يكون آدم قد استكمل الأسماء كلها بثلاث ملكات مجتمعات، بتعليم الله له الأسماء الأولية التي يبدأ بها رحلته، وهذه الملكة لم يتميز بها عن الملائكة! فقد قالت الملائكة (سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمتَنا)، وي كأن الملائكة قالت “أننا نتعلم تلقينا مباشرا فقط بلا استنباط واستقراء كما ظهر في الملكة الثانية التى مٌنَّ الله بها على آدم (كناية عن آدم وبنيه) ، وبلا قدرة على البناء العلمي كما ظهر في الملكة الثالثة التى حبا الله بها آدم وهي الكتابة والتدوين” ثم أكمل الله تفهيمه للملائكة، بأن قال ( {وَأَعلَمُ ما تُبدونَ وَما كُنتُم تَكتُمونَ} ) ، فماذا أبدت الملائكة وماذا كتمت؟ لقد أبدت رؤيتها للإنسان وهو يفسد ويسفك الدماء، ولربما تكون الملائكة قد كتمت فهمها ضمنيا لمدلول كلمة “خليفة” التي قالها الله في بداية الحوار ( {وَإِذ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليفَةً} )

 

فالخليفة لن يكون دوره فقط التسبيح والتقديس، بل لابد له من وظائف عليا أخرى، وقد أوضح الله للملائكة ركنا من هذه الوظائف العليا من خلال تجربة تعليم آدم الأسماء كلها، لكن استحقاقه للخلافة لا يمكن أن يتم بهذا الركن فقط، بأن يتم العلم فقط، و ربما يكون هذا ما كتمته الملائكة أن الخليفة لابد أن يتبع هدي من استخلفه في استخدام هذا العلم حتى لا يرتكس في حمأة الفساد وسفك الدماء كما توجست الملائكة، بل يكون العلم بهدي الله وباسمه، تعلما وتطبيقا، وهذا ما قيَّد الأمر بالقراءة في سورة العلق ﴿ {اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسانَ مِن عَلَقٍ * اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ} ﴾[العلق: ١-٣]

 

فالقراءة (في الكتب المسطورة والكتاب المنظور “الكون”) لا تكون إلا باسم الله، لا باسم الشيطان ولا الطاغوت ولا استعباد الناس، ولا الفساد وسفك الدماء، ولا تكون إلا في معية الله (اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ) الكريم – بل الأكرم – الذي رزقه كل هذا العلم، رزقه الأسماء كلها. فهذا الاستنباط البديهي، الذي قد تكون كتمته الملائكة هو أن الإنسان ليس شرًا إلا إذا بعد عن هدى الله، واستخدم العلم في إغضابه، أما إذا استرشد بمن استخلفه واتبع هديه فسيكون أفضل من الملائكة (والدليل أمر الله الملائكة بالسجود له)، وهنا تتضح الزيادة التي زادها آدم وبنوه على الملائكة والتي تساءلوا متعجبين عنها في البداية بقولهم ( {أَتَجعَلُ فيها مَن يُفسِدُ فيها وَيَسفِكُ الدِّماءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ).

 

إلا أن حيود الإنسان عن هدي ربه هو ما يؤدي به إلى الفساد والطغيان عندما يظن نفسه مستغنيا عن الله، ويصد عن سبيله ﴿ {كَلّا إِنَّ الإِنسانَ لَيَطغى * أَن رَآهُ استَغنى * إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجعى * أَرَأَيتَ الَّذي يَنهى * عَبدًا إِذا صَلّى * أَرَأَيتَ إِن كانَ عَلَى الهُدى * أَو أَمَرَ بِالتَّقوى * أَرَأَيتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلّى * أَلَم يَعلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرى * كَلّا لَئِن لَم يَنتَهِ لَنَسفَعًا بِالنّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ * فَليَدعُ نادِيَهُ * سَنَدعُ الزَّبانِيَةَ} ﴾[العلق: ٦-١٨] ليكون قد نصر الشيطان على نفسه وعبده وتبعه إلى صراط الجحيم ﴿ {قالَ اذهَب فَمَن تَبِعَكَ مِنهُم فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُم جَزاءً مَوفورًا} ﴾[الإسراء: ٦٣] .

 

والنجاة هي في آخر آية من سورة العلق: ﴿ {كَلّا لا تُطِعهُ وَاسجُد وَاقتَرِب} ﴾[العلق: ١٩]

والله أعلم

المراجع:

1- القرآن الكريم 2- كتاب أبي آدم د. عبد الصبور شاهين 3- فيديو الهدف من الحياة – جفري لانج 4- مناقشة مع استاذي د. صلاح طه

 

المصدر: طريق الإسلام

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات