ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > الوحدة الإسلامية في الحج ..

ملتقى الخطباء

(58)
5519

الوحدة الإسلامية في الحج ..

1439/10/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

د. عبد الرحمن بن صالح المحمود .

من دروس الحج :
أعظم مدرسة في الحج ؛ دلالته على وحدة الأمة الإسلامية .
وقد تجلَّت هذه الحقيقة في الحج من خلال عدة أمور :

أحدها :
قبلة واحدة يتجهون إليها في صلاتهم من مشارق الأرض ومغاربها ، وهذه القبلة هي التي يجتمعون
عندها ليؤدوا شعائر مناسك الحج :
{ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } .
[ الحج : 27 ]

الثاني :
عقيدة واحدة .

فالجميع يلبون تلبية التوحيد لله لا شريك له ، فهي عبودية لله وحده وليست لفئة ولا لقوم ولا لمصالح مادية مشتركة ، بل ولا للغة أو قبيلة  أو تراب .

الثالث :
في إحرامها .
فالجميع يلبسون في الإحرام لبسًا واحدًا ، وتزول الفوارق بين الناس التي قد تصنعها أحيانا بعض أنواع اللباس ليقال :
هذا أمير ، أو وزير ، أو غني ، أو شيخ كبير … إلخ

الرابع :
وفي الاجتماع في صعيد عرفات – مكانا وزمانا – تتوحد الأمة الإسلامية كلها ، حجاجا وغير حجاج .
وليس الحج إلا مظهرا واحدا من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية ، وهناك مظاهر أخرى كثيرة ؛ من أبرزها :
وحدة كتابها القرآن الكريم ، وسنة الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

ومَن فرَّق بين هذين المصدرين فليس من الأمة الإسلامية في شيء .
وإذا كان الحج من معالم وحدة الأمة الإسلامية ؛ فإنّنا نقول :
في الكلام على الوحدة لا بدّ من إرجاع الأمور إلى أصولها الشرعية ، ومن خلال المنهج الإسلامي تبرز قضيتان كبيرتان :
القضية الأولى :
أن العقيدة هي التي تجمع بين الشعوب والأمم ، وهي التي تقضي على عوامل التفرق مهما كانت عميقة الجذور ، وأمثلة وأدلّة ذلك لا تحتاج إلى بيان :

• فالقبائل العربية المتناحرة في الجزيرة العربية
قبل الإسلام لم يوحد بينها ويزيل ضغائنها وأحقادها
المريرة إلا الإسلام .
• والبلاد التي فتحها المسلمون
– وقد اختلفت لغاتها وعادتها ودياناتها وبلادها –
لم يوحد بينها إلا عقيدة الإسلام .
• وما هُزم اليهود – وكانوا في قلب جزيرة العرب –
ولا النصارى ، ولا الملاحدة الوثنيون ، إلا لما واجههم
المسلمون من خلال راية العقيدة لا راية العروبة
أو الوطنية أو غيرها .
• وفي الحروب الصليبية رُدَّ النصارى حملة الصليب على أعقابهم بالجهاد الإسلامي ، الذي كان من أبرز
قواده الكرد والأتراك .

ولقد توحدت – من خلال عقيدة الإسلام الصافية – الأمة ، في أمة إسلامية واحدة منذ عهد الرسول – صلى الله عليه
وسلم – وإلى عصرنا الحاضر ، على تفاوت في قوة تلك الوحدة وتماسكها ، ولكن الشيء الذي لا شك فيه ؛
هو أنها امتدت قرونا متطاولة .
إنها وحدة قامت على عقيدة صافية انبثقت منها شريعة كاملة طبقها رجال أمناء يريدون بأعمالهم وجه الله والدار الآخرة .
وأي وحدة تبنى على غير هذا ؛ فلن تكون إلا وحدة مصالح سرعان ما يقضى عليها إذا تبدلت المصالح .

القضية الثانية :
أن العقيدة تجمع ولا تفرق .فتأصيل العقيدة وجعلها أساسا في الدعوة إلى الله تعالى وذلك على منهاج السلف الصالح ،
كما أنه واجب دلَّت على وجوبه النصوص ، وهو منهاج الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – فإنه أيضا من أعظم وسائل جمع الكلمة .
والمدعوون – إذا ما وحدت بينهم عقيدة صحيحة صافية – ، فلن تجد أسباب التفرق إليهم من سبيل ؛ لأن تلك الأسباب ستتكسر أمام صخرة العقيدة الصلبة .

ولكم يحزنني حين أسمع – أحيانا – مقولة ، مثل :
” لا تركزوا على العقيدة أولاً ؛ لأنها تسبب الفرقة . بل اقتصروا على الدعوة العامة إلى الإسلام ” .
ومما يزيد في حزن الإنسان ؛ أنه قد يسمع مثل هذا  الكلام من أناس فضلاء ومن دعاة إلى الله .
ونحن نقول :
على أي أساس ستقوم الدعوة ، إذا لم تقم على العقيدة ؟!
ولأي شيء يدعو الداعية إلى الله ؟
إن هناك عددا من الحقائق : أولها :
أن اجتماع المسلمين في عهد رسول الله – صلى الله  عليه وسلم – وبعده ، لم يكن إلا على عقيدة ،
قال تعالى – :  { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا وَلا تَفَرَّقُوا } [ آل عمران : من الآية 103 ]
وقال تعالى : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [ الأنفال : من الآية 63 ]

فما هو حبل الله ؟
وعلى أي شيء ألف بين تلك القلوب ؟
إنه العقيدة القائمة على إخلاص التوحيد ونبذ الشرك .

ثانيها :
إننا إذا أردنا الوحدة الحقيقة الباقية ؛ فلنؤصل دعوتنا على العقيدة – وأعني العقيدة السلفية الصافية المبرأة من بدع المبتدعين وانحرافات المنحرفين – .

ثالثها :
أن القبول بالانحراف في البداية ؛ هو بمثابة دق مسمار في نعش الوحدة المطلوبة .

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات