طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    هواجس أول ليلة من 1440 هـ    ||    ظاهرة "التنمر" في المدارس... خطورتها وضرورة مواجهتها    ||    صحيفة سعودية: خطط التحالف العربى تنقذ اليمن من الإرهاب الحوثى    ||    برلين: علينا منع الهجمات الكيمياوية في سوريا    ||    اليابان تحث ميانمار على اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة الروهينجا    ||

ملتقى الخطباء

(42)
10219

مكة في أعماق التاريخ

1439/10/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

 

في القرن التاسع عشر قبل ميلاد المسيح، خرَج إبراهيم النبي – عليه السلام – من الشام إلى الحجاز، وأنزَل بعض ذُريَّته فيه، ولأنَّ الوادي الذي انتهى إليه قد كان غير ذي ذَرعٍ، ولأن الجبال قد كانتْ تَكتنفه وتُحيط به، فقد طلب من ربِّه – وهو يعود أدراجَه – أن يجعل موطنَ ذُريَّته هذا بلدًا آمنًا، وأن يجعلَ أفئدة من الناس تهوي إليه، وأن يرزقَ أهله من الثمرات مَن آمَن بالله واليوم الآخر.

 

وواضِحٌ من دعوات إبراهيم هذه أنَّ الوادي الذي أنزَل بعض ذريَّته فيه لَم يكن بلدًا، ولا كان به مَن يَسكنه ويَطمئنُّ إلى العيش فيه، والأمر كذلك بالنسبة لِمَا تتطلَّبه الحياة مما يسدُّ الرَّمَق ويُقيم الأَوَد، ويُعين على الاستيطان والاستقرار.

 

ولا خِلاف بين المؤرِّخين وكُتَّاب السِّيَر في أنَّ وادي إبراهيم هذا هو “مكة وبكة”، وهو أُمُّ القرى، وهو البلد الأمين، وإن كانتْ هذه الأسماء لَم تُطلق عليه إلاَّ بعد ما حَفَل بالحركة، وزَخَر بالحياة.

 

الوقت الذي عُمِرتْ فيه مكة:

1- رأي القائلين بأنَّ أوَّل مَن عَمَرها هو إبراهيم النبي – عليه السلام:

ولأنَّ الوثائق التاريخيَّة لَم تُحدِّثنا في وضوحٍ عن الوقت الذي عُمِرت فيه مكة، فقد اختلَف الكُتَّاب حول هذه القضيَّة، فذهب فريق إلى أنَّ أوَّل مَن عَمَرها هو إبراهيم النبي – عليه السلام – ومَن أنزَلهم فيها من ذريَّته، ودَعَموا وجهة نظرهم هذه بأدلَّة:

أحدها: ما جاء في دعاء إبراهيم من أنَّ مكة لَم تكن بلدًا، ولا كانت بها حياة عندما وَطِئَتْها قَدَماه.

 

وثانيها: أنَّ الكِتاب والسُّنة الصحيحة قد خَلَتا تمامًا من الحديث عن مكة قبل إبراهيم النبي – عليه السلام – ولو كان لها تاريخ قبل ذلك، لتناولتْه، أو أشارتْ إليه على الأقل.

 

وثالثها: أنَّ الله تعالى لَم يكن ليَضَع لعباده بيتًا ويدعوهم إلى تقديسه فيه، إلاَّ إذا مهَّد له المكان، وهيَّأ له الظروف التي تُعين على العيْش، وتساعد في الأخْذ بأسباب الحياة، ولَم يكن شيء من ذلك إلاَّ بعد رحلة إبراهيم – عليه الصلاة والسلام.

 

2- رأي القائلين بأنَّ أوَّل مَن عَمَرها هو آدم – عليه السلام:

وعلى العكس من ذلك يتَّجه الفريق الآخر، فهو يرى أنَّ إبراهيم النبي – عليه السلام – ليس هو أوَّل مَن عَمَر مكة، وهو يرى أنَّ تاريخها لا يَضرب بجذوره في الماضي إلى نوح وأبنائه وحَسب، وإنما هو يمتدُّ إلى آدم – عليه الصلاة والسلام – نفسه.

 

يُستدلُّ على وجهة نظرهم هذه بوجوه:

أحدها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96]، وقوله – سبحانه -: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ [الحج: 26]، وقوله – عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127].

 

ففي الآية الأولى تصريح بأنَّ البيت الذي “ببكة”، هو أوَّل بيتٍ وُضِع للناس، ولأنَّ إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – ليس هو أوَّل الناس، كان معنى هذا أنه مِن لَدُن آدمَ، ولأن العقل يقضي بتهيئته مكانَ البيت، وتهيئة الظروف له قبل وضْعه أو معه على الأقل، كان معنى هذا كذلك: أنَّ مكة وهي المكان المحيط به قديم بقِدَمه، وفي الآيتين الثانية والثالثة تصريحٌ بأن إبراهيم وإسماعيل كليهما لَم يَبتدِئا بناء البيت، وإنما أعْلَيَا أُسسَه ورَفَعا القواعدَ منه.

 

وثانيها: ما رواه كعب بن مالك ووهْب بن مُنَبِّه وغيرهما، من أنَّ البيت الحرام الذي نعظِّمه ونَحُجُّ إليه، لا يرجع تاريخه إلى آدمَ وحسب، وإنما هو صورة للبيت الذي بنتْه الملائكة، والذي رُفِع إلى السماء إثر هبوط آدمَ إلى الأرض، أو إثر الطوفان الذي كان في عهْد نوح – عليه السلام – وأجاب هذا الفريق على أدلةَّ خَصمه بأنَّ دعاءَ إبراهيم ووصْفه لمكة قد كان حكاية لِمَا يرى، وإخبارًا عمَّا يشاهد، وهو لا يستلزم أن تكون مكة كذلك من لَدُن آدمَ – عليه السلام – حتى القرن التاسع عشر قبل ميلاد المسيح، فإنَّ هذه المنطقة قد مرَّت بها عصور كانت خلالها جنات من نخيلٍ وأعناب، تشدو فيها الأطيار، وتتهادى النخيل والأشجار، وإلاَّ فلماذا سُمِّيَت أُم القرى؟ ولماذا سُمِّيت القفار التي نراها اليوم عن كثبٍ منها “وادي القرى”؟ إذًا فالقطع بخُلوِّ مكة من الحياة والأحياء قبل إبراهيم، قولٌ بلا حُجة ودعوى من غير دليلٍ.

 

تعليق:

والذي يُجيل النظر في هذين الرأْيَيْن، ويتتبَّع في أنصاف حُجج كلٍّ منهما، يتبيَّن له أنها كلها ظنيَّة، وأنها مُحتملة للتأويل والتفسير، وما دامَ النقل غير قاطعٍ والعقل غير مانعٍ، فسوف تظلُّ هذه القضيَّة إحدى القضايا الاجتهاديَّة؛ حتى تَحكم الوثائق التاريخيَّة القاطعة بصواب أحدِ هذين الرأْيين وخطأ الآخر.

 

رحلة إبراهيم ومناقشة مُنكِريها:

أدلة المنكرين:

وسواء أكان إبراهيم هو أوَّل مَن عمر مكة أو لَم يكن، فإنَّ رحلته إليها قد كانتْ وما تزال مَعلمًا على طريق تاريخها، وبدايةً لمرحلة إن لَم تكن أهمَّ مراحلها، فهي من أهمِّها، فقد لفَتَت إليها الأنظار، وجذَبت إليها العربَ من الوادي والقِفار، وجعلتْها مدينة زاخرة بالحياة والحركة، بعد أن كانت لا تختلف عمَّا عداها من بوادي الحجاز وصَحارِيه.

 

ومع أنَّ القرآن والتوراة كليهما قد ألْمَعا إلى هذه الرحلة، وتحدَّثا عنها، فقد أنكرَها بعض الكُتَّاب، وزعَموا أنها أسطورة لفَّقها اليهود؛ ليستجلبوا بها مودَّة العرب، وليتمكَّنوا بواسطتها من الأمْن على أنفسهم وأموالهم في ربوعهم وبين أكنافهم، وكُتَّابنا هؤلاء ينتصرون لوجهة نظرهم هذه بدليليْن.

 

أحدهما: هذه الهُوَّة بين دِيانة العرب وبين ما كان عليه إبراهيم وإسماعيل، فقد كان العرب وثنيين يعبدون الأصنام، وكان إبراهيم وإسماعيل حنيفين موحِّدَين.

 

وثانيهما: أنَّ إبراهيم قد كان يُقيم بالشام وهي بلاد ذات ماء وشجرٍ، فأي داعٍ يدعوه إلى خوْض القفار؛ حتى يُلقي بزوجته وولده في وادٍ غير ذي زرعٍ، إنه رُبَّما لا يكون له علمٌ بالحجاز، ولا خطَر بباله الرحيل إليه، فضلاً عن إسكان بعض ذريَّته به، أضفْ إلى هذا وذاك أنَّ المؤرِّخين قد أغفَلوا هذا الحدثَ، وأغضوا الطرْفَ عنه؟!

 

مناقشة هذه الأدلة:

وواضح من هذه الأدلة أنَّها واهية، ولا تَثبُت أمام قوانين العلم وأقْيِسَة المنطق، فإنَّ اليهود لو لفَّقوا هذه القصة – كما يدَّعي هؤلاء الكُتَّاب – لوجَب ألاَّ يكون لها ذِكْرٌ إلاَّ في الأسفار التي بين أيدي يهود شبه الجزيرة وحسب، أمَّا أن تكون مسجَّلة في التوراة التي بين أيدي اليهود في كلِّ مكان، فإنَّ هذا دليلٌ على أنها جزءٌ من تاريخهم العام، وليستْ من صُنع فريق دون فريق، وأمْرٌ آخر وهو أنَّ اليهود لو أرادوا التقرُّب بهذه القصة إلى العرب، لوجَب أن يكتبوها بما يُثلِج صدورَهم، ويُرضي كبرياءَهم وغرورَهم، لكنَّ الأمر قد كان على العكس من ذلك، فقد ذكروا أنَّ “هاجر” – وهي أُمُّ إسماعيل الذي تنتمي إليه العرب المستعربة – قد كانت جاريةً مملوكة لـ”سارة” زوج إبراهيم وأُم إسحاق، وأنَّها قد أُقْصِيَت بأمْرٍ من سيدتها عن الشام؛ لتموت جوعًا وظمأً في صحراء “فارام”، ولا جِدال في أنَّ العرب لَم يكونوا يعظِّمون شيئًا كما كانوا يعظمون الحرية والأحرار، ولا كانوا يستهجنون شيئًا كما كانوا يستهجنون العبوديَّة والعبيد، فكيف يتقرَّب إليهم اليهود بما يُثير حفائظَهم، ويُصَغِّرهم في أنفسهم وأنسابهم؟!

 

ننتقل إلى الأدلة التي ساقوها لدعْم وجهة نظرهم.

 

فالقول: إنَّ الاختلاف بين عقيدة إبراهيم وإسماعيل وعقيدة العرب، لا يستلزم إنكارَ رحلتهما إلى الحجاز، فقد كان إبراهيم موحِّدًا، وكان قومُه من أهل العراق وثنيين، وكذلك الأمر بالنسبة لِمَن انتَقَل إليهم في كلٍّ من الشام ومصر، ومع هذا فلم يُنكر كُتَّابنا هؤلاء ولا غيرهم نسبةَ إبراهيم إلى العراق، ولا هِجرته إلى كلٍّ من الشام ومصر، هذا إذا سلَّمنا أنَّ العرب لَم يعتنقوا مِلَّة التوحيد في أيَّام إبراهيم وإسماعيل، لكنَّ الأمر قد كان على خلاف ذلك؛ فقد أخلَص العرب أو أكثرهم العبادةَ لله الواحد، ولَم يعتنقوا الوثنيَّة إلاَّ بعد أن انقَضى عهد “جُرْهم” وأولاد إسماعيل، ومَلَكت “خُزاعة” زمام مكة، وتولَّت أمْرَ الكعبة، وبالتحديد فإنَّ العرب لَم يعرفوا الأصنام إلاَّ أيام “عمرو بن لُحَي الخزاعي” كما سوف نفصِّل هذا في حينه، والذي يراجع سيرة ابن هشام والطبري وغيرهما، يرى كيف أنْحَى الشعراء العرب باللائمة على ابن لُحَي؛ لإبطاله شريعةَ إبراهيم، وإدخاله الأصنامَ في مكة، وقد كان كلُّ مَن تحنَّث في الجاهلية وخلَع الآلهة المنصوبة حول الكعبة، قالوا: إنه تحنَّف، واعتَنق مِلَّة إبراهيم، حتى محمد النبي – عليه الصلاة والسلام – فإنه كان يعبد الله على هذه الملَّة قبل أن يهبطَ عليه الوحي وتنزل إليه رسالةُ الله – تعالى.

 

وننتقل إلى الدليل الثاني، ونقول: إنَّ إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – قد كان رجلاً كثيرَ الهجرة؛ فقد هاجَر من العراق إلى الشام، وهاجَر من الشام إلى مصر، ومارَس الأسفار، وألِفَ الحَلَّ والتَّرحال، فأي غَرابة – في رجل هذا شأْنه – أن يكون له علمٌ بالحجاز؟ وأي غرابة في أن يكون قد اختارَ مكة – وهي وادٍ تُحيط به الجبال، وتتَّخذه القوافل مَحطًّا للرِّحال – مركزًا ينشر منه أضواءَ دعوته، وأنوار تعاليمه ومبادئه؟ ولو فعَل لأمِنَ على نفسه وعلى كلِّ مَن كلَّفه بهذا الأمر من ذريَّته، ولاتَّخذ من التُجَّار الرائحين والعائدين رُسلاً يُذيعون دينَ الله في الشرق والغرب، وبهذا التفسير يُمكننا أن نعرفَ السبب الذي من أجْله قصَد إبراهيم الحجاز، والذي حَدا به إلى أن يؤْثِره على غيره من البقاع والأصقاع، وتبقى الوثائق التاريخيَّة، ونقول لهؤلاء الكُتَّاب: إنَّ القرآن والتوراة وثيقتان تاريخيَّتان، وإذا كانت التوراة قد أصابها التحريفُ، فإنَّ القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلْفه، قد سجَّل هذه الرحلة وتحدَّث عنها في أكثر من سورة.

 

وإن تعْجَب فعَجَب رَفْض هؤلاء الكُتَّاب رحلةَ إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز، وتجويزهم هجرةَ بعض ولد إسماعيل إليه وإقامتهم في مكة، فإن خُبث التعصُّب ورِيحه النَّتِن لا يَخفى على من يُطالع هذا الكلام، فإنَّ القصْد منه ليس هو إنكار الرحلة، ولا وصْف اليهود بالوضْع والاختلاق، وإنما هو التشكيك في القرآن وإثارة الرَّيب حول آياته، وهَيْهات أن يستطيعوا بهذا المنطق الواهن وتلك الحُجج الداحضة!

 

إبراهيم في مكة:

ونعود إلى مكة ونذكِّر أنَّ إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – قد ترَك فيها زوجَه هاجر وولده إسماعيل، ولَم يكن يُساكنهما فيها أحدٌ، وعاد بعد سنين ليَراها قد تغيَّرت، فقد انبجَس فيها الماء، وآوى إليها فريقٌ من “جُرْهم” أو من العماليق، وكبر إسماعيل وأصْهَر إلى جيرانه الذين قاسَموه العيْش بجوار “زمزم”، وأصبَحت مكة مهيَّأة لتكون مدينة النور ومصدرَ الدِّين والمعرفة، وكُلِّف إبراهيم وإسماعيل كليهما ببناء البيت الحرام أو بإعادته كما كان، بعد أن عدَا عليه الزمن، وطمَسَت معالمه الأيَّام، وبعد أن صارَ البيت حقيقةً قائمة، أُمِر إبراهيم أن يؤذِّن في الناس بالحَج، وأن يُعلمَ القاصدين إلى البيت الشعائر والمناسكَ، وهكذا بلَغ إبراهيم الغاية، وحقَّق الهدف، وترَك مكة لابنه إسماعيل.

 

بين إسماعيل وقُصَي:

1- حول إسماعيل:

ومع أنَّ التاريخ قد كان مُقِلاًّ فيما سجَّله من أخبار هذا العبد الصالح والنبي الصالح، فإنَّ ما بَقِي لنا من أبنائه يُمكن أن يُعطينا صورة واضحة عن سيرته وطرائق سلوكه، وأهم آثاره وأعماله، فقد عاش مائةً وثلاثين سنة، وتزوَّج من امرأتيْن؛ إحداهما: من قَطوراء، والأخرى من جُرهم، وإذا كانت الأولى طُلِّقت بوصيَّة من أبيه، فقد شاركتْه الثانية أعباءَ حياته، وأنْجَبَت منه اثني عشر ولدًا، ويقول المؤرخون وكُتَّاب السِّيَر: إنه كان يزور أباه وإخوته في الفينة بعد الفينة، والحين بعد الحين، ولَم تكن مهمَّته في مكة قاصرة على رعاية البيت، وتعليم المناسك، وتنظيم شؤون الحج وحسب، وإنما كان نبيًّا يدعو إلى الصلاة والزكاة، ويَنشر الطُّهْر والفضيلة في كلٍّ من اليمن والحجاز، وقد ضمَّ ثرَى مكة رُفَاتَه ورُفَاةَ أُمِّه من قبله، فقد دُفِنا في الحِجر، وترَك أمْرَ مكة من بعده لولده “نابت”، وقد اختلفَت الروايات فيما إذا كان “نابت” قد بَقِي في الحُكم حتى هلَك، أو أنه تنازَل عنه لأخواله من “جُرْهم”، واختلَفَت كذلك فيما إذا كان أمْرُ مكة قد صار في هذه القبيلة إثر “نابت” أو إلى العماليق.

 

جُرْهم تلي أمْر مكة:

وجاء في سيرة ابن هشام أنَّ مكة قد كانت مقسَّمة بين جُرْهم وقطوراء، وأن الأُولى قد كانت تُقيم بها في أعلاها، وكانت الثانية تُقيم بها من أسفلها، وكلٌّ منهما قد كان يُعاشر القبائل التي كانتْ تأتي مكة من ناحيته، غير أنَّ هذا الوفاق لَم يَلبث إلاَّ يسيرًا، حتى اشْتَعَلت نارُ الحرب بين الفريقين، فخرَجَت جُرْهم وعليها “مضاض بن عمرو” تُقَعْقع في الحديد، وخرَجَت قطوراء وعليها “السميدع” تتهاوَى على الجِياد، والْتَقَى الجيشان، وكانت الهزيمة من نصيب قطوراء، ولأنَّ القتْل قد استحرَّ بين الفريقين، فقد انتهى الأمر بينهما بالصلح، ويقول ابن هشام: إنَّ نواحي مكة قد سُمِّيت بهذه الأحداث، فقد سُمِّي المكان الذي خرَجت منه جرهم (قعيقعان)، وسُمِّي المكان الذي خرَجت منه قطوراء (أجياد)، ولأن هذه الأخيرة قد فُضِحت في المعركة، فقد أُطْلِق على مكان الواقعة (فاضح)، ولأن مَضاض قد نَحَر وأطْعَم أنصاره وأعداءَه في الشِّعب الذي تَمَّ فيه الصلح، فقد أُطْلِق عليه (مطابخ)، ولأن الروايات التي ساقَها ابن هشام ليستْ قاطعة في هذه الأحداث، ولا في الأماكن التي تَسَمَّت بها، فإننا لا نستطيع أن نقطعَ فيها بنفي ولا بإثبات، وعلى كلِّ حال فإنَّ جُرْهمًا ظلَّت تَلِي أمْرَ مكة، وتُدير أعِنَّة الحُكم فيها، وأبناء إسماعيل لا ينازعونها هذا الأمر؛ لقَرابتهم إليها من ناحية، ولانشغالهم بحراسة الدِّين ورعاية مبادئه من ناحية أخرى، حتى غصَّت مكة بالناس، وحتى اضطرَّ ولد إسماعيل إلى أن يُغادروها؛ طلبًا للعيْش وسعْيًا وراء القوت.

 

ومن الرُّواة مَن يقول: إنَّ جُرْهم هي التي اضطرتْهم إلى الخروج، وهذا كلام له ما يُبَرِّره، فإن جُرْهم قد طَغَت وبَغَت، وأهْمَلت أمْرَ البيت، وظَلَمت القاصدين إليه، واشْتَطَّت في ذلك، حتى كانت تأتي الفواحش بداخله، أو على مَقربة منه، حتى ليزعم الرُّواة أنَّ “إساف ونائلة” قد كان رجلاً وامرأة، وأنَّ الله قد مَسَخهما صَنَمين؛ لإتيانهما الفاحشة في الحَرَم، وهذه الرواية – وإن كانت من عملِ القُصَّاص – فإنها تُشير إلى الفساد الذي استشرَى في مكة ومَدى الجُرأة التي كانتْ من جُرْهم على الحُرمات والمقدَّسات.

 

هجرة جُرْهم واستيلاء خُزاعة على الحرَم:

ولَم يكن أمرُ مكة ليبقى هكذا بين أيدي قبيلة أوْهَاها الهَرَم، واتَّفَقَت على إضعافها عوامل الزمن، فاجتَمَع بنو بكر بن عبدمَناةَ وغُبْشان من خُزاعة، وتذاكَروا ما أصاب مكة وما آل إليه حال جُرْهم، واتَّفَقوا على حسْم هذا الفساد بالسيف، وقامَت الحرب بين الفريقين، ولَم يَكتف بنو بكر وغُبشان بإجلاء جُرْهم عن البيت الحرام، وإنما اضطروها مُكرهة إلى أن تعودَ أدراجَها نحو اليمن وأعينُها تَفيض بالدَّمع حُزنًا على مَجدها التالد، وتاريخها الشامخ.

 

واقرأ في هذا قولَ قائدها عمرو بن الحارث:

وَقَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ سَكْبٌ وَبَادِرُ

وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدَّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا

أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ

فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنِّي كَأَنَّمَا

يُلَجْلِجُهُ بَيْنَ الجَنَاحَيْنِ طَائِرُ

بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَزَالَنَا

صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالجُدُودُ العَوَاثِرُ

وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ

بِعِزٍّ فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا المُكَاثِرُ

مَلَكْنَا فَعَزَّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا

فَلَيْسَ لَحِيٍّ غَيْرِنَا ثَمَّ فَاخِرُ

فَإِنْ تَنْثَنِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا

فَإِنَّ لَهَا حَالاً وَفِيها التَّشَاجُرُ

فَأَخْرَجَنَا مِنَهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ

كَذَلِكَ يَا لَلنَّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ

وَصِرْنَا أَحَادِيثَ وَكُنَّا بِغَبْطَةٍ

بِذَلِكَ عَضَّتْنَا السُّنُونَ الغَوَابِرُ

فَسَحَّتْ دُمُوعُ العَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ

بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ

وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يُؤْذَى حَمَامُهُ

يَظَلُّ بِهِ أَمْنًا وَفِيهِ الْعَصَافِرُ

وَفِيهِ وُحُوشٌ لاَ تُرَامُ أَنِيسَةٌ

إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ

 

وواضِح من هذه الأبيات التي اخترناها من قصيدة عمرو أسَفُ جُرهم ولوعتها؛ لمُغادرتها مكة، ونأْيها عن البيت، وواضِح منها كذلك ما كان لها من المآثر والمفاخر التي أضاءَت ماضيها وخَلَّدت تاريخَها.

 

والرُّواة لا يَذكرون لنا كم أقامَت جُرْهم في مكة، ولا متى بدأ الضَّعف والانحلال يَدبَّان في أوصالها، وزاد هذه القضيَّة غموضًا جَهْلُ علماء الأنساب بما بين عدنان وإسماعيل من الأبناء، واختلافهم في ذلك اختلافًا يَصْعُب معه التوفيق، ويبدو من شعْر عمرو أنَّ الفترة التي قضتْها جُرْهم في مكة لا تُعَدُّ بالسنين، وإنما تُعَدُّ بالأجيال أو القرون، ومَهْمَا يكن من شيءٍ، فقد آلَ أمْرُ مكةَ إلى خُزاعة، وتولَّت ما كانت تتولاَّه جُرْهم منها، ولسْنا ندري على سبيل اليقين لماذا لَم يُشاركها بنو بكر في الحُكم وقد كانوا حُلفاءَها، وكانوا معها يدًا واحدة على أعدائها؟ وهل كان ذلك لزُهدهم في المُلك؟ أو كان لقلَّة عددهم وضَعفهم عن منافسة حلفائهم، وأخْذهم حقَّهم منهم؟

 

وسواء صحَّ هذا أو ذاك، فقد أقامَت خُزاعة في مكة تَحكمها وتلي شؤونها خمسة قرون، ويُقال بل ثلاثمائة سنة، وليس يدري إلاَّ الله كم عدد مَن حكَمها من رجال هذه القبيلة الذين يبتدِئون بعمرو بن الحرث الغُبشاني، وينتهون بحُلَيل بن حبشيَّة بن سلول، وهم لا بدَّ وأن يكونوا قد تدرَّجوا من القوة إلى الضَّعف، شأْنهم في هذا شأن غيرهم من الرجال الذين تداولوا الزعامة والمُلك.

 

عمرو بن لُحَي الخزاعي:

ومع قلة ما وعتْه ذاكرة التاريخ من أبناء هذه القبيلة خلال هذه الفترة الطويلة، فإنها قد حَفِظت لنا حدثًا يكاد يكون أبرزَ أحداثها جميعًا، وهو قضاؤها على ملَّة إبراهيم وإسماعيل، وجلْبها الأصنامَ من الشام، ونصْبها إيَّاها حول البيت الحرام، ويقول المؤرخون وكُتَّاب السِّيَر: إنَّ عمرو بن لُحَي هو الذي أحدَث واقترَف هذه الخطيئة، ومع أنَّ جُرْهم قد مهَّدت لذلك بما اقترفتْه من المآثم والمظالم في مكة، فإنَّ العرب لَم يتقبَّلوا في سهولة دينَ ابن لُحَي، ولا وقَفوا منها موقفَ السلبيَّة واللامبالاة، وإنما عارَضها فريق منهم، وأنْحَى باللائمة على ابن لُحَي من أجْلها، ويبدو هذا واضحًا في هذا الشعر وغيره:

يَا عَمْرُو إِنَّكَ قَدْ أَحْدَثْتَ آَلِهَةً

شَتَّى بِمَكَّةَ حَوْلَ الْبَيْتِ أَنْصَابَا

وَكَانَ لِلْبَيْتِ رَبٌّ وَاحِدٌ أَبَدًا

فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ فِي النَّاسِ أَرْبَابَا

لَتَعْرِفَنَّ بِأَنَّ اللهَ فِي مَهَلٍ

سَيِصْطَفِي دُونَكُمْ لِلْبَيْتِ حُجَّابَا

 

وإنما آثرْنا هذه الأبيات؛ لِما لها من دلالة تاريخيَّة مهمَّة؛ فهي تُثبت أنَّ عمرو بن لُحَي هو أوَّل مَن استبدَل التوحيد بالوثنيَّة، وهي تُثبت أنه أوَّل مَن نصَب الأصنام حول البيت، وهي تُشير إلى أنَّ مقاومة هذه العقيدة الجديدة سوف تبقى، حتى يستبدلَ الله خُزاعة بغيرها.

 

وقد تتساءَل: كيف استطَاع ابن لُحَي أن يُدْخل الوثنيَّة محلَّ الحنيفيَّة، ويستبدل التوحيد بالشِّرك والتعدُّد؟ والجواب أنَّ أزمة مكة قد كانتْ في يده، وأيدي قبيلته، وأنَّ أكثر أبناء إسماعيل قد غادَروها متفرِّقين في شبه الجزيرة، وأمْرٌ آخرُ هو أنَّ العرب كانوا يحملون في عودتهم من مكة إلى بلادهم بعضَ أحجارها للتبرُّك والتقديس، الأمر الذي سهَّل عليهم عبادة الأحجار، واعتبارها آلهةً من دون الله.

 

وهكذا دخلَت الوثنيَّة بلاد العرب، وأخَذت في النَّماء والانتشار، ولَم يَعُد أمرُها مقصورًا على الأصنام المنصوبة حول الكعبة، وإنما صار لكلِّ قبيلة صنمٌ تعبده، وتُقَدِّس له.

 

ولكي تزيد خُزاعة تعلُّق العرب بمكة، وتوثِّق ارتباطهم بالكعبة، فقد استعارَت من القبائل أصنامَها، أو نَحَتت تماثيلَ على غرارها، ونصَبتها حول البيت العتيق، حتى لقد كانت تُعَدُّ حولها بالمئات.

 

شخصيَّة قُصي، وأخْذه مكة من بين أيدي خزاعة:

وراح شأن خُزاعة يَضْعُف، ومال نَجْمها نحو الأُفول، حتى تولَّى أمرَها حُلَيل بن حبشِيَّة الذي أصْهر إلى قُصي بن كلاب وزوَّجه من ابنته “حُبَّى”، ويقول المؤرخون وكُتَّاب السِّيَر: إنَّ قُصيًّا هذا هو زيد، وإنَّما أُطْلِق عليه هذا الاسم؛ لإقامته بعيدًا عن وطنه، فقد مات أبوه كلاب وتزوَّجت أُمُّه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن حرام، ولأن قُصَيًّا هذا كان صبيًّا لَم يُفْطَم، فقد حملتْه أُمُّه معها إلى ديار عُذرة من أرض الشام؛ حيث كانت تُقيم قبيلة زوجها ربيعة، ولأن أُمَّ قُصَي قد أخفَت نسبَه عليه، فقد بَقِي بجواها حتى أنْبَأه أحدُ القُضاعيين به، ويقول الرُّواة: إنَّ أُمَّ قُصي قد أطلعتْه على حقيقة أمره بعد أن سألَها عنها، وأنه قد عاد إلى مكة في الأشهر الحُرم، كما كانت نصيحتُها له، وسواء أوْصى حُلَيل بن حبشِيَّة بالبيت الحرام لقُصي، أو أنه قد اشَترى مِفْتاحه من أبي غُبْشان سليم بن عمرو بزقٍّ من الخمر، فإنه قد اجتمَع برجال من كِنانة وقريش، وأقْضَى إليهم بأنهم أحقُّ بمكة من خُزاعة وبني بكر، لأنَّهم من ولد إسماعيل، ولكي يبلغ الهدف الذي إليه يقصِد، فقد عبَّأ كنانة وقريش، واستنجَد أخاه “رزاح”، ولَم يَشَأ أن يبدأ خُزاعة وبني بكر بالقتال، وإنما خرَج إلى صوفة وهو لقب أُطْلِق على الغوث بن مُرَّة وأبنائه الذين كانوا يتولَّون الدفْع بالعرب من عرفات، والذين كانوا لا يسمحون لأحدٍ من العرب أن يُجيز من العقبة؛ حتى يكونوا هم أوَّل مَن يقوم بهذا العمل، وتولَّى ذلك منها بالقوة، الأمر الذي أدَّى إلى الحرب بينه وبين صوفة ومَن انتصَر لها من الحجيج، وبعد أن جرَّعها كأْسَ الهزيمة اتَّجه إلى خزاعة وبني بكر وقاتَلهما، حتى اضطرَّ إلى النزول على حُكم “يعمر بن عوف”، وقد كان يقضي بإهدار ما سفكَ من دمائهما، وإجلائهما عن الحَرَم.

 

مناقشة الكُتَّاب الغربيين في إنكارهم لقُصي:

وكما أثارَ بعض الكُتَّاب الغربيين الشكوكَ حول رحلة إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز، أثاروا كذلك الشكوك حول قُصَي وزَعَموا أنه شخصيَّة أُسطورية، اخترَعها خيالُ الإخباريين والقُصَّاص؛ لإعلاء شأْن قريش، وتعظيم أمْرهم في مكة وغيرها من كافَّة أنحاء شبه الجزيرة، ودَعَموا رأْيهم هذا بأمارات، منها: ما رُوِي حول شخصيَّته، وما يُرْوَى حول الأبطال ومُنْشِئي المدن من الخُرافات والخيالات سواءٌ، ومنها ما رُوِي حول اغترابه عن مكة، وعودته إليها بعد ما شبَّ واكتمَلَت رجولته، وتَمَكُّنه مع ذلك من الإصْهار إلى سيِّد خُزاعة، واكتساب محبَّته؛ حتى عَهِد إليه بالبيت.

 

وجاء في بعض الأخبار أنه ذكَر قُبيل وفاته أنَّ قُصيًّا أَوْلَى بمكة من خُزاعة، وواضِح أنَّ كلاًّ من هذين الدليلين لا يُساوي ثمن الورق المكتوب عليه، فإنَّ ما صنَعه قُصي بمكة – مما سوف نتناوله فيما بعد – لا يعدو المألوف مما يفعله شيوخُ القبائل وزُعماء البيوتات الكبيرة فيها، وما رُوِي في أمْر اغترابه وعودته إلى بلاده، وديار آبائه وأجداده، مما لا تُنكره العادة، ولا يأْباه الإلف والعُرف.

 

وقد رُوِي مثلُ ذلك في عبدالمطلب بن هاشم، وهو شخصيَّة ليس إلى الشكِّ فيها من سبيل، ولستُ أدري كيف ساغ لهؤلاء الكُتَّاب أن يُنكروا شخصيَّة قُصي وقد أجْمَعَت الروايات العربية على وجودها، وليس العهْد بينها وبين الإسلام من البُعد، بحيث يُمكن التشكيك فيها؟ أضفْ إلى هذا وذاك ما للعرب من العناية بحفْظ أنسابهم، ثم إلى مَن ينتسب إلى عبدمناف إذا لَم يُعْزَى إلى قُصي، وإلى مَن تُضاف دار الندوة التي بَقِيت في مكة حتى أواخر العصر العباسي الأول، إذا لَم تُضَفْ إليه، وأمام هذا كله زعَم بعض الكُتَّاب الغربيين أنَّ قُصيًّا شخصيَّة حقيقيَّة، ولكنَّها غير قُرشيَّة، وإنما هو مُحارب أقْبَل من ديار عذرة بالشام إلى الحجاز، وتولَّى أمْرَ مكة، وما نظنُّ أننا في حاجة إلى مناقشة هذا الرأي؛ فإن الروايات التي يعتمد عليها أصحابُه تذكر نسبة قصي إلى كلاب بن مُرَّة القرشي، فالأخْذ ببعضها وإنكارُ البعض الآخر أو استبعاده، خروجٌ على قوانين العلم.

 

قصي في مكة:

إذًا فقُصي شخصيَّته حقيقيَّة، وهو قُرشي من صميم وَلَدِ إسماعيل، وقد اتَّفَقَت الروايات كلها على كِياسته وحُسن سياسته من جهة، وعلى الدور الكبير الذي قام به في مكة وما حولَها من جهة ثانية، ويبدو لنا هذا واضحًا فيما قام به من الأعمال، وما تركَه بعد وفاته من المناقب والآثار، فهو قد أقام الموائِدَ للقبائل الوافدة إلى مكة، وهو قد وفَّر الماء والراحة لحُجَّاج البيت، ولكي يَضْمن ولاءَ العرب له، وعدم إخلافهم عليه، فقد ترَك لكلِّ قبيلة ما كان تحت يدها من شؤون الحجِّ، وما توراثَتْه من لَدُن جُرْهم وخُزاعة، وأرْضَى بهذه السياسة آلَ صفوان وآل عَدْوان، ومُرَّة بن عوف.

 

وفي مكة جمَع قصي بطون قريش وأنزَلهم حول البيت، وجمَع لنفسه بين الحجابة والسقاية، والرِّفادة واللواء، وابتنى دارًا وأطْلَق عليها اسم دار الندوة، وجعَلها منتدى القوم، ونُقطة الْتِقائهم، فما كانوا يتشاورون إلاَّ فيها، ولا كانوا يُبْرِمون أمرًا إلاَّ بها، حتى ما يكاد يكون شخصيًّا أو أُسريًّا كالعُرس، فقد كانت تَشهده هذه الدار، ولا خلاف بين الرُّواة فيما كان للرجل في قوْمه من المكانة والمنزلة، فقد كانوا لا يعصونه في أمْرٍ ولا في نهي، وكان رأْيه فيهم دينًا واجب الطاعة، وسُنة ليس إلى مُخالفتها من سبيل.

 

وجُملة القول أنَّ مكة قد انتقَلت بقُصي هذا من طوْر إلى طوْرٍ، ومن مرحلة إلى مرحلة، فبعد أن كانت مُتبدية أو شبه مُتبدية، صارَت مدينةً لها وزنها وخَطرها، وبعد أن كان الأمر فيها بين أيدي خُزاعة التي هَرِمت وشاخَت، صار أمْرُها إلى بني فهْرٍ، أو إلى بني النَّضر بن كِنانة، وهم أكثر القبائل العربية تجربةً، وأعظمها سياسةً وكِياسة، وأقدرها على تكثير المال وتثميره.

 

والمال كما نعرف هو عصَبُ الحضارة والحياة والمدنيَّة.

 

وقد ألْمَعنا ونحن نتناول قصيًّا إلى أمرين، أحدهما: أنه جمَع قريشًا وأنزَلها حول الحَرَم، وقسَّم مكة بين بطونها وعشائرها.

 

وثانيهما: أنه احتَفظ لنفسه بالحجابة والسِّقاية، والرِّفادة واللواء، بعد أن أقرَّ للقبائل بما كانت تتوارَثه من لَدُن جُرْهم وخُزاعة من وظائف الحجِّ.

 

معنى كلمة قريش وعلى مَن تُطلق:

وقريش الذي جمَعهم قُصي هم بنو فِهْر بن مالك، أو بنو النَّضر بن كِنانة.

 

وقد اختَلف الرُّواة حول هذه التسمية، وحول الزمن الذي أُطْلِقت فيه، فذهب بعضهم إلى أنَّ قريشًا اسمٌ للنضر أو لفِهْر، أو لرجل اسمه قريش بن بدر بن تخلد، كان حفيدًا للنَّضر، وكان دليلَ بنيه، وصاحب مَبَرَّتهم، وكان إذا أقبَل بعيرُ بني النَّضر إلى مكة، قالوا: جاءَت عِير قريش، وذهَب البعض الآخر إلى أنَّ قريشًا جِماعُ نسبٍ، وليستْ بأبٍ ولا أُمٍّ، ولا حاضن ولا حاضنة، وأنَّ إطلاقها على بني فِهْرٍ، أو على بني النَّضر، إنما كان رمزًا لتجمُّعهم وقوَّتهم، وتقريشهم لأموالهم وتفتيشهم عن حوائج الحجيج وغيرهم؛ لقضائها لهم، أو لمساعدتهم على تحقيقها على الأقلِّ.

 

واشتقاقات هذه الكلمة تُشير إلى هذه المعاني وتَشهد لها، ويبدو لنا أنَّ قريشًا اسمٌ أُطْلق على قُصي وعلى قومه من بني النَّضر، وبني فهر، وأنَّ إطلاقه قد كان بعد تجمُّعهم في الحَرَم، وأخْذهم بأزِمَّة الأمور في مكة؛ لأن هذه الصفات المستفادة من اشتقاقات هذه الكلمة، لَم تَنطبق على هذه القبيلة إلاَّ في عهْد قُصي.

 

وأيًّا ما كان، فإن هذه القبيلة قد كانتْ قسمين:

أحدهما: قريش الظواهر، وكانت متبدية تحيا خارج مكة، وتُمارس الغارة، شأْنها في ذلك شأن غيرها من القبائل التي تُقيم بعيدًا عن المدن أو على قُرب منها، وكانت تتألَّف من أربعة بطون، وهم بنو بغيض بن عامر بن لؤي، وبنو الأَدْرَم بن غالب، وبنو مُحارب بن فهْر، وجماعة من بني الحارث بن فهْر.

 

وثانيهما: قريش البطاح، وهذه كانت تعيش في مكة، وتتولَّى أعِنَّة الحُكم فيها، ولأنها كانت ذات تجارة ومال، فقد بَقِيت حول الحَرَم، ومارَست حياة الدَّعَة والاستقرار فيه، وكَثُرت بطونها حتى بلغَت بعد قُصي عشرة بطون، وهي عدي بن كعب بن لؤي، وزهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب، وتَيْم بن مُرَّة بن كعب، وسهم بن عمر بن هصيص بن كعب، وجمع بن عمرو بن هصيص بن كعب، ومَخزوم بن يقظة بن مُرَّة بن كعب، وهذه البطون الستة كلها ليستْ من ولَد قُصي، أمَّا المنتمون إليه، فهم البطون الأربعة الباقية، وهي بنو عبدالدار بن قُصي، وبنو أسد بن عبدالعُزَّى بن قصي، وبنو نوفل بن عبدمناف بن قُصي، وبنو هاشم والمطلب وعبدشمس بن عبدمناف بن قصي، وهذا البطن الرابع قد انقسَم فيما بعد إلى بطنين كبيرين، أحدهما: بنو هاشم وبنو المطلب، وثانيهما: بنو أُميَّة بن عبدشمس.

 

الوظائف في عهد قصي:

وننتقل إلى الوظائف التي جمَعها قصي لنفسه، وهي أربعة:

أحدها: الحجابة أو السِّدانة، ومعناها: رعاية الكعبة، وتهيئتها للقاصد إليها من أنحاء شبه الجزيرة.

 

وثانيها: السِّقاية، وهي توفير الماء وإعداده لهذه الأعداد الضخمة التي تتقاطَر على مكة: زائرة أو معتمرة.

 

وثالثها: الرِّفادة، وهي إطعام الحجيج أيام مِنًى، وكُسوة مَن يحتاج إلى الكُسوة منهم.

 

وتبقى الوظيفة الرابعة، وهي اللواء، واللواء: راية يعقدها شيخُ القبيلة لنفسه، أو لِمَن يشاء من رجال قبيلته عندما تشتعل نارُ الحرب، أو تضطرم جَمْرة القتال، وغالبًا ما تكون هذه الراية من ثياب شيخ القبيلة، أو مما تُلَفُّ به عمامته، وغالبًا ما تُعَلَّق برأْس رُمح أو بعودٍ مما تُنصب الخيام عليه.

 

وواضح من هذه الوظائف كلِّها أنها لَم تُسْتَحدث في عهد قصي، وإنما كانتْ معروفة من لَدُن جُرْهم وخُزاعة، فليس من المعقول أن يُبنى البيت الحرام، ويُدعى العرب إلى زيارته والحجِّ إليه، ثم لا يكون له مَن يرعى شؤونه، ويُعنى بتهيئته وإعداده، ولا سيَّما وأنَّ مصالح المقيمين حوله مرتبطة إلى حدٍّ بعيد بهذا البيت، والأمر كذلك بالنسبة للسِّقاية والرِّفادة، فإنَّ الحجاز إقليمٌ حارٌّ، ولا يُمكن أن يأتي إليه الزُّوَّار من كلِّ مكان وهم على يقينٍ من أنهم سوف يموتون جوعًا وظمأً بين بَوادِيه وقِفاره.

 

وقد ذكَر الرُّواة أنَّ عمرو بن لُحَي كان يَنحَر للعرب في أيام الحجِّ آلاف الجُزر، ويوزِّع عليهم آلاف الثِّياب، وذَكَروا كذلك أنَّ حُلَيل بن حبشِيَّة قد أعْطى مِفْتاح الكعبة لأبي غُبْشان، وأنَّ قُصيًّا قد اشتراه منه بعودٍ وزِقٍّ من خَمْر، ومعنى هذا أنَّ كلاًّ من السِّدانة والرِّفادة والسِّقاية قد كانت سابقة على قُصي.

 

صحيح أن بِئْرَ زمزم قد طُمِرت بفعْل الزمن، أو بفعل زعيم جُرْهم عندما أحسَّ بالهزيمة، إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع سُكَّان الحَرَم من حفْر الآبار التي توفِّر الماء لهم وللحجيج على السواء.

 

ويبقى اللواء ولسْنا في حاجة إلى البَرهنة على أنه قد كانتْ وظيفته قديمة قِدَم القبائل، فقد كانت الحروب والمناوشات دائمةً فيهم، وكان الراية رمزًا تَمتاز به قبيلة عن قبيلة، أو بطن عن بطن، ولأن شيخ القبيلة قد كان أشْجَعَ رجالها وأوفرَهم جُرأة وخِبرة، فقد كانت تُعْقَد له الراية ولا تعقد لغيره إلاَّ بإذنه ومَشورته، والذي استحدَثه قُصي حقًّا هو دار الندوة، فقد بناها بنفسه، وجعَلها مُلاصِقة للبيت الحرام من ناحية الجهة الشاميَّة من الكعبة، وهي دارٌ فسيحة كانت قريش تجتمع فيها لا للتشاور ومناقشة المشكلات وحسب، وإنما كانتْ لذلك ولأمور أخرى كثيرة، ففيها كان يُعْقَد اللواء للحرب، وفيها كان يُختن الذكور، وتدرع الإناث عند البلوغ، ومنها كانتْ تخرج القوافل التجاريَّة، وفيها كانت تُلْقِي أحمالَها بعد عودتها من أسفارها، وقد كان قصي وأبناؤه ومَن إليهم من قريش يأتون هذه الدار لهذه الأغراض وغيرها.

 

أما غيرهم، فقد كانوا لا يدخلونها إلاَّ إذا كانوا ذَوِي سنٍّ وتَجربة، وبعبارة أخرى لَم يكن أحد يدخلها من غير أبناء قُصي وقومهم، إلاَّ إذا بلَغ الأربعين من عُمره، الأمر الذي يدلُّ على عظَمة هذه الدار، وما كان لها من شأْن ومنزلة، وقد يتبادَر إلى الذِّهن أنَّ هذه الوظائف وما ترَكه قصي إلى القبائل من شؤون الحج، هو الذي كان معروفًا وسائدًا في العرب حتى الإسلام، وهذا غير صحيح، فقد كانتْ هناك وظائفُ أخرى، منها: العمارة، والمشورة والأشناق، والقُبَّة، والأعِنَّة، والسِّفارة، والأيسار، والحكومة، وإنْ كانت هذه وغيرها ليستْ وظائفَ بالمعنى الذي نَفهمه في هذا العصر، وإنما هي وجوه من الشَّرف ومظاهر من الرِّياسة، كانتْ تُضاف إلى العشائر، فتُرضِي غرورَها، وتُشبع كبرياءَها، وتُشعرها بأنها ليستْ ممن تُقْضَي بدونهم الأمورُ.

 

ولا جِدال في أنَّ الوظائف التي احتفَظ بها قصي لنفسه وتوارَثها عنه بنوه من بعده، قد كانت أرفعَها قدرًا وأعلاها مكانةً.

 

نهاية حُكم قصي:

ونعود إلى قصي ونذكر أنه لَبِث في مكة حتى أسنَّ ووهَنَ من العَظم، ويقول الرواة: إنه قد أنجَب أربعة أبناء، وهم: عبدالدار، وعبدمناف، وعبدالعُزى، وعبدقُصي، وإنهم قد شَرُفوا جميعًا في حياته ما خلا عبدالدار الذي كان خامِلَ الذِّكر، واهِنَ الأمر، فلمَّا رأى ذلك قصي، رقَّ له وأعطاه الوظائف التي كان قد احتفَظ بها لنفسه.

 

وما أشكُّ في شيءٍ مثلما أشكُّ في هذا الخبر؛ فليس من المعقول أن يسندَ قُصي هذه الوظائف المهمَّة – وهو السياسي الداهِية – لرجلٍ خاملٍ، لا يستطيع رعايتها ولا النهوضَ بها، اللهم إلاَّ إذا كان قد بدا له أن يُخرجَ مكة من بين أيدي أبنائه وعشيرته، وما نظنُّ أنَّ هذا الخاطر قد عرَض له، ولا فكَّر فيه، والذي تستريح النفسُ إليه هو أنَّ قُصيًّا قد أعطى عبدالدار ما أعطاه لنباهَته وكفاءَته؛ ولأنه ولَدُه البِكر، وقد كان العرب يعتبرون السنَّ مَزيَّة مرجِّحة عندما يتساوَى المتناظرون في الفضائل والمناقِب.

 

ويظهر أنَّ قصيًّا قد كان يستهدف بجمْعه الوظائفَ في يد أكبر أبنائه الحِرصَ على وَحْدة الزعامة في مكة؛ حتى لا تتفرَّق كلمتها، ولا يختلف بعضها مع البعض الآخر، وإن كان ما خافَه وأشفَق منه هو الذي قد تحقَّق، فقد نازَع إخوة عبدالدار ما بيده، وأوْشَكت الحرب الأهليَّة أن تشتعلَ في مكة، حتى قُسِّمِت هذه الوظائف بين المتنازعين كما سوف نفصِّل هذا في حينه.

 

 

المصدر : الألوكة

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات