ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > مكة رمز العقيدة والوحدة

ملتقى الخطباء

(48)
5451

مكة رمز العقيدة والوحدة

1439/10/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

 

محمد إقبال النائطي الندوي

 

إنَّ العقيدة الدينية هي الأساس المتين الذي تقوم عليه الأُمم والشعوبُ، وهي الأصل الأصيل والحبل الوثيق الذي تتفرَّع منه الحضاراتُ، وتربط بين الأفراد والجماعات.

 

إن الأمم تعيش وتخلد بعقائدها، لا بمبانيها وقصورها؛ يقول بعض المؤرِّخين الإغريق: لقد وجَدتُ في التاريخ مدنًا بلا حصون وبلا قصور، وبلا سدود وقناطر، ولكن لم توجد أبدًا مدنٌ بلا معابد؛ لأن الإنسان يحتاج إلى العقيدة بطبيعته الفطرية المستودعة في داخله، ولأنَّ الإنسان يدرك بالعقيدة حقيقةَ نفسه، ويتعرَّف على الكون وما فيه من آيات باهرة على قدرة الرب – عز وجل – من السموات والأرض، والجبال والبحار، والأنهار والأشجار، ويعرف من خلالها أنه لم يُخلق هَمَلاً، ولم يوجد عبثًا، ولم يُترك سُدًى، ويعلم يقينًا أن الله هو الذي جعله خليفته في الأرض؛ ليُعلي كلمته، ويرفع رايته، ويُنفِّذ أمره، ويُطبِّق شِرعته، ويأتمر بأمره، وينهى عن نهيه، ويعمل بكتابه، فالعقيدةُ الإسلامية الصحيحة مَنبعها ومصدرها بلدُ الله الحرام: مكة المكرمة.

 

فالإنسان المسلم يحب مكة من صميم القلب؛ لِما حباها الله من مكان مرفوع، وشأن مرموقٍ، وأثر ملموس مشهود في بناء العقيدة الإسلامية الصحيحة، التي ينال بها صاحبها العزَّة والرِّفعة، والسعادة والكرامة في الدنيا والآخرة، وبدونها يكون شأنه كما جاء في القرآن: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31].

 

فمكة مأوى الإيمان، ومهوى الإسلام، ومَهبط القرآن، ومولد خير الأنام – صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ما دام الليل والنهار – وإنه لأَوَّلُ بيت وُضِع للناس لعبادة الله الواحد القهار؛ ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96 – 97].

 

لقد أودَع الله في هذه البقعة المباركة الطيِّبة من البركات والخيرات والرحمات ما جعلها تَفضُل سائر بقاع الأرض، وتَعلوها كرامة وعزَّةً وشرفًا، وأنه ليس هناك بقعة على وجه الأرض خصَّ به نزول الرحمات تتْرى إلا المسجد الحرام الذي تضمُّه مكة؛ روى ابن عباس – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((ينزل على هذا البيت في كلِّ يوم مائة وعشرون رحمة؛ ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين))؛ أخرجه الطبَراني في الكبير والأوسط، رقم (5739).

 

ولقد ارتبطَت قلوبنا بهذا البلد الحرام أكثر وأكثر من ارتباطنا بأوطاننا وبلادنا؛ لأن علاقتنا وصِلتنا بهذا البلد الأمين علاقة عقيدة وإيمانٍ، وصِلة رُوحٍ وإخلاص، لا تُزعزعه الحدود، ولا تُزلزله الثغور.

 

هذه البقعة المباركة التي انبثَق منها النورُ والهدى، وانتشر منها العَرْفُ والشَّذى، وفيها وُضِع أساس الإيمان والتوحيد، ورُفِعت معالم الوفاء والفداء، وفيها وُجِدت من الوقائع والحوادث العظيمة التي كان لها أثرٌ بالغ على مسيرة الإنسانية، فالكعبة هي قِبلة المسلمين التي يتوجَّهون إليها بقالَبهم وقلوبهم، ويجتمعون عليها بأرواحهم، ويَرْنون إليها بأبصارهم.

 

جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس، فهذا البيت الحرام تقوم به حياة الناس في جميع بقاع الأرض، فبقاء هذا البيت على وجه الأرض وكون الناس يتوجهون إليه في صلواتهم، وفي غَدواتهم ورَوحاتهم، يطوفون به في ليلهم ونهارهم – ضمانٌ لبقاء هذا الكون؛ بالسموات والأرض والجبال، والشمس والقمر والكواكب، وإلا كان إيذانًا بدمار هذا الكون وفساده؛ أخرج الحاكم في مستدركه، وابن حِبَّان في صحيحه، من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال: “استمتِعوا من هذا البيت، فإنه هُدِم مرتين، ويُرفع في الثالثة”، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وروى عبدالرزاق في المصنَّف، من حديث  عليٍّ – رضي الله عنه -: “استكثِروا من هذا الطواف بالبيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فإني به أَصمَع أَصعَل يَعلوها يَهدِمها بمِسحاته”.

 

وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((يُخرِّب الكعبة ذو السُّوَيْقَتين من الحبشة))؛ صحيح البخاري، رقم (1591).

 

وورَد في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، عن علي، عن النبي – صلي الله عليه وسلم – أنه قال: ((قال الله تعالى: “إذا أردت أن أُخرِّب الدنيا، بدأت ببيتي، فخرَّبته، ثم أُخرِّب الدنيا على أثره”))؛ إحياء علوم الدين (1/ 243).

 

قال الحافظ العراقي في تخريجه: ليس له أصل، فلا قيمة لمكة بدون الكعبة، والكعبة أساسها التوحيد التي جعَلت الناس تهوي إليها أفئدتهم، وتَميل إليها نفوسهم، فمكة بدون الكعبة قطعة من الأرض بيداءَ قفراءَ، لا زرعَ فيها ولا ماء، ولا يُقام لها أيُّ وزنٍ في خريطة العالم؛ ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [إبراهيم: 37].

 

فمكة يمتاز أهلها بالصلاة، وما يَتبعها من أركان الإسلام، وصالح الأعمال، وحُسن الأخلاق، والبُعد عن الفحشاء والمنكر، وهذه بقعة تاريخية رفَع أهلُها – وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام – لواءَ التوحيد وراية الإيمان، وأعطوا العالم كله درسَ الفداء والتضحية، وبه طار ذِكرهم في البلاد، وعلا شأنهم في العباد، ومتى تجرَّدوا عن هذه الميزة، كان الذلُّ مصيرهم، والعار حليفهم؛ لهذا كان الهدف من بناء الكعبة هدفًا عقديًّا؛ لتكون منارة التوحيد، ومصباح الهدى، ومهوى القلوب، ومثابة للناس على وجه الأرض؛ يقول الرب – عز وجل -: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [الحج: 26]، ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 35 – 36].

 

لقد حرَّم الله هذا البلد، وشرَّفه وكرَّمه وقدَّسه، وأورد ذِكره في القرآن بعدَّة أسماء تشريفًا للمسمَّى: مكة، وهو أشهر أسمائه؛ قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الفتح: 24]، ومن أسمائه بكة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96].

 

ومن أسمائه أمُّ القرى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: 7].

 

اتَّفق المفسرون على أنَّ أمَّ القرى هي مكة المكرمة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها أكرم وأشرف وأفضل البلاد، وأحبُّها إلى الله تعالى، ولولاها لَما كان في العالم قرية ولا بلدة، ومن أسمائه البلد الأمين؛ قال تعالى ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 1 – 3].

 

والبلد الأمين هو مكة إجماعًا، وإن هذا البلد الحرام أحبُّ إلى الله وأكرم عليه وأفضل لديه من سائر البلاد والبقاع؛ عن عبدالله بن عَدِي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واقفًا على الحَزْورة، فقال: ((إنَّك لخير أرض الله وأحبُّ أرض إلى الله، ولولا أنْ أُخْرِجت منك، ما خرَجت))؛ سنن الترمذي (3925).

 

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يخاطب مكة: ((ما أطيبَك من بلد وأحبَّك إليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني ما سكنَت غيرك))؛ سنن الترمذي (3926).

 

وهذا البلد الأمين أَمِن من دخول الدجَّال فيه؛ كما دلَّ على ذلك ما أخرجه البخاري، عن أنس – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ليس بلد إلا يدخله الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نَقْبٌ إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، تَرجُف المدينة بأهلها ثلاث رَجفات، فيُخرج الله كل كافرٍ ومنافق))؛ البخاري (1881).

 

وروى الشافعيُّ في مسنده، عن ابن جُريج، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا رأى البيت، رفع يديه، وقال: ((اللهمَّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، وتكريمًا ومَهابة، وزِدْ مِن شرَفه وكرَمه ممن حجَّ واعتمر، تشريفًا وتعظيمًا، وتكريمًا وبرًّا))؛ مسند الإمام الشافعي، رقم (609).

 

لقد حرَّم الله هذا البلد المبارك يوم خلَق السموات والأرض؛ كما دلَّ عليه القرآن والسنة؛ ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 91].

 

وأخرج الإمام مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال يومَ فتح مكة: ((إن هذا البلدَ حرَّمه الله يوم خلَق السموات والأرض، فهو حرام بحُرمة الله إلى يوم القيامة))؛ صحيح مسلم (1353).

 

نقل القَسْطلاَّني عن البخاري – رحمهما الله – ما يفيد أن البيت الحرام قد بُني عشر مرات: الأولى: بنتْه الملائكة قبل أن توجد البشرية،  والثانية: بناه آدم – عليه السلام، والثالثة: بناه شيث بن آدم – عليهما السلام، والرابعة: بناه إبراهيم – عليه السلام، والخامسة: بنتْه العمالقة، والسادسة: بنتْه جُرهم،  والسابعة: بناه قُصي بن كلاب،  والثامنة: بناه عبدالله بن الزبير سنة 64 للهجرة،  والعاشرة: بناه الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد رُوِي أن أبا جعفر المنصور أراد أن يعيد بناء الكعبة على ما كان فعَله ابن الزبير، فناشده الإمام ألا يفعل، وقال له: أخشى أن يصير البيت مَلعبة الملوك، فترَكه؛ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، (3/ 143- 144).

 

لقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكِّد أن الكعبة المشرَّفة أوَّل بيتٍ وُضِع لعبادة الله في الأرض، فلمَّا اختَلف المسلمون واليهود: أيُّ المساجد بُني أولها، فقال المسلمون: البيت الحرام،  وقالت اليهود: الأقصى؛ فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96].

 

ويوثِّق هذا ما أخرَجه النسائي وابن ماجه، عن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أيُّ مسجد وُضِع في الأرض أولاً؟ قال: ((المسجد الحرام))، قلت: ثم أي؟ قال: ((المسجد الأقصى))، قلت: كم كان بينهما؟ قال: ((أربعون عامًا وحيثما أدرَكتك الصلاة، فصلِّ))؛ سنن النسائي، (2/ 32)، رقم (690)، سنن ابن ماجه، (1/ 248)، رقم (753).

 

والثابت في القرآن أن إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – هما اللذان بَنيا الكعبة في التأريخ المعروف؛ يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 127]، ويقول تعالى: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ [الحج: 26].

 

ومكة تقع على طريق القوافل المُتَّجهة إلى مواني البحر المتوسط، كما كانت ملتقى القوافل بين الشام واليمن، ومكة مولد حبيب ربِّ العالمين، ومَبعث سيِّد المرسلين، ومَهبط القرآن الكريم الذي جاء به جبرئيل الأمين، على قلب المصطفى السليم.

 

لقد قضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – طفولته وشبابه وكهولته في تلك الأرض المباركة، وكانت مكة تتمتَّع بهذا الكِيان المبارك بسيرته الطيِّبة العَطِرة، التي لا تزال تَفوح شذاها في جميع بقاع العالم شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا.

 

وليدًا وشابًّا ورجلاً، كما شهِدته يتيمًا وأمينًا ورسولاً، فكانت سيرته العَطِرة في طفولته وشبابه كسيرته في رجولته وكهولته، كيف لا وقد صنَعه الله على عينه، وأدَّبه فأحسَن تأديبه؟!

 

وكيف لا، وقد كان خلقُه القرآن؛ فقد رُوِي أن نفرًا من أصحابه قالوا: يا رسول الله، أخبِرنا عن نفسك، قال: ((نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى أخي عيسى، ورأتْ أمي حين حمَلت بي أنه خرَج منها نورٌ أضاء قصور الشام، واستُرْضِعتُ في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا، نرعى بَهمًا لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بِيض بِطَسْتٍ من ذهبٍ مملوءة ثلجًا، ثم أخذاني فشقَّا بطني، واستخرجا قلبي، فشقَّاه، واستخرَجا منه عَلقة سوداء، فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زِنه بعشرة من أُمته، فوزَنني بهم فوزَنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أُمته، فوزَنني بهم فوزَنتهم، ثم قال: زِنه بألف من أُمَّته، فوزَنني بهم فوزَنتهم، فقال: دعْه، فوالله لو وزَنته بأُمته، لوزَنها))، وزاد الطبري: ((ثم ضمُّوني إلى صدورهم، وقبَّلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب، لن تُراعَ، إنَّك لو تدري ما يُراد بك من الخير، لقرَّت عينُك)).

 

كل هذا وقع بأرض مكةَ المباركة، وشهِدت مكة نبيَّنا محمد بن عبدالله – صلى الله عليه وسلم – بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، كما شهِدت القرآن وهو يتنزَّل على قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وشهِدت مكة حادث الإسراء والمعراج، فكان حادثًا عظيمًا، ربَط بين الحجاز والشام، كما ربَط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهناك في بيت المقدس في المسجد الأقصى، صلَّى النبي – صلى الله عليه وسلم – بجميع الأنبياء؛ إعلانًا بأن القيادة والريادة والإمامة والسيادة، انتقلَت من تلك البقعة إلى هذه البقعة؛ أي: من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام؛ ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].

 

وشهِدت مكة هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه المؤمنين المخلصين إلى المدينة؛ إيذانًا بأن الدعوة الإسلامية تحتاج لانطلاقها وانتشارها وازدهارها – إلى فداءٍ وتضحية؛ ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214].

 

وهذه هي البقعة المباركة التي شهِدت أول وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ، تتضاءَل أمامها وتتصاغر جميع الدعاوى والنَّعرات والهتافات التي تنادي بحقوق الإنسان اسمًا، ولا تَحمل في طيِّها معنًى من معانيها، وهذه الوثيقة التاريخية لحقوق الإنسان، تتمثَّل في خطبة النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع: وقد قال فيها: ((إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تَلقونه، ألا لا تَظلِموا، ألا لا تَظلِموا، ألا لا تظلِموا، إنه لا يَحلُّ مال امرئ إلا بطيب نفسٍ، ألا وإن كلَّ دمٍ ومال ومأثرة في الجاهلية تحت قدمي هذا إلى يوم القيامة، وإن كلَّ ربًا كان في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تُظلَمون، واتَّقوا الله – عز وجل – في النساء؛ فإنهن عندكم عوانٌ، وإنَّ لهنَّ عليكم حقًّا ولكم عليهن حقًّا))؛ السيرة؛ لابن هشام، (2 / 306).

 

وهذه مكة رمز لوَحدة المسلمين؛ عربهم وعجَمهم، أبيضهم وأسودهم، ألا كلُّكم من آدمَ، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض – إلا بالتقوى؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].

 

وترى المسلمين في تلك الأرض المباركة – يوم الحج الأكبر – يجتمعون في صعيد واحدٍ في لباسٍ واحد، وَفْق نظام واحدٍ، يفيضون من مكان واحدٍ، سائرين في اتجاه واحدٍ، مُردِّدين من دعاءٍ واحد في الكرامة والسعادة، والحرية والمساواة، لبَّيك اللهمَّ لبَّيك، لبَّيك لا شَريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك.

 

وترى المسلم حينما يقصِد مكة ويزور شعائرها؛ من الصفا والمروة، ومنى وعرفات والمزدلفة – يَزداد قلبه إيمانًا ويقينًا وعلمًا بعظمة الله وجلاله، وقوَّته وقدرته.

 

ومكة كلها أو معظمها يُستجاب فيها الدعاء؛ يقول الإمام الحسن البصري – رحمه الله -: ما على وجه الأرض بلدة يُستجاب فيها الدعاء في خمسة عشر موضًعا إلا مكة.

 

جوف الكعبة الدعاء فيه مستجاب، والدعاء عند الحجر مستجاب، والدعاء خلف المقام مستجاب، والدعاء في الملتزم مستجاب، والدعاء عند بئر زمزم مستجاب، والدعاء على المروة مستجاب، والدعاء بمنًى مستجاب، والدعاء بين الصفا والمروة مستجاب، والدعاء في المشعر الحرام مستجاب؛ فضائل مكة، ص (65)، وروى البيهقي عن أبي أُمامة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((تُفتح أبواب السماء ويُستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة))؛ معرفة السنن والآثار؛ للبيهقي، رقم (1796).

 

وفي مكة عند المسجد الحرام تجد بئر زمزم التي هي خير بئر على وجه الأرض؛ كما قال المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: ((خير بئر على وجه الأرض بئر زمزم، وخير ماءٍ على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطُّعم، وشفاء من السقم))؛ معجم الطبراني الكبير (1- 98).

 

وفي مصنف عبدالرزاق عن ابن جُريج، قال: سمِعت أنه يقال: (خير ماءٍ في الأرض ماء زمزم)؛ مصنف عبدالرزاق، رقم (9119).

 

وروى الإمام مسلم في حديث إسلام أبي ذر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((إنها مباركة، إنها طعام طُعْمٍ))؛ صحيح مسلم، رقم (2473).

 

ورُوِي أن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال لرجل: “إذا شرِبت من زمزم، فاستقبِل الكعبة، واذكر اسمَ الله – عز وجل – فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلَّعون من زمزم))؛ ابن ماجه (3061).

 

وعن مجاهد قال: “ماء زمزم لما شُرِب له، إن شَرِبته تُريد شفاءً شفاك الله، وإن شرِبته لِظمأ أرْواك الله، وإن شرِبته لجوعٍ أشبَعك الله، وهي هَزْمة جبريل بعَقبه وسُقيا الله إسماعيل – عليه السلام”؛ أخرجه الدارقطني (2 – 289).

 

ويقول الإمام ابن القيِّم – رحمه الله -:

“وقد جرَّبت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشْفَيت به من عدة أمراض، فبَرَأت بإذن الله، وشاهَدت مَن يتغذَّى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف شهر أو أكثر، ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم”؛ زاد المعاد (340/ 6).

 

وهناك بجدار الكعبة من الآيات البيِّنات الحجر الأسود الذي هو خير حجر رُوِئي على وجه الأرض.

 

وأخبَر النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه نزَل من الجنة؛ روى الترمذي والنسائي وغيرهما من أئمة الحديث، عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((نزَل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشدُّ بياضًا من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدمَ))؛ الترمذي (877).

 

وعنه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((الحجر الأسود من الجنة))؛ سنن النسائي (2938).

 

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: سمِعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((إن الركن والمقام ياقوتَتان من ياقوت الجنة، طمَس الله نورهما ولو لم يَطمِس نورَهما، لأضاءَتا ما بين المشرق والمغرب))؛ سنن الترمذي، ت؛ شاكر، رقم (878).

 

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين، يَشهد لمن استَلمه يوم القيامة بحقٍّ))؛ صحيح ابن خزيمة (2736).

 

وخلاصة القول:

إنَّ مكة أرض مباركة طيبة، يحنُّ إليها كل من في قلبه مثقال ذرَّة من الإيمان؛ لأنه يجد ضالَّّته في هذا المكان المبارك الطاهر، فتَطْمَئِن نفسُه، ويهدأ قلبه بزيارة ما فيها من الآيات البيِّنات؛ البيت الحرام، الصفا والمروة، والحجر الأسود والحجر اليماني، ومقام إبراهيم، وعرفات، والمزدلفة ومِنى.

 

كل هذا يزيد المؤمن إيمانًا وتسليمًا، ورضًا وانقيادًا وامتثالاً لمراضي الله تعالى، واجتنابًا لمعاصيه، ويُدرك بكل شعور ووعْي أنَّ المسلمين كلهم إخوة، ربُّهم واحد، كتابهم واحد، قِبلتهم واحدة، وبلدهم الحرام واحد.

 

وصلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وبارَك وسلَّم

 

 

المصدر : الألوكة

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات