ملتقى الخطباء

(104)
10025

حوار النابلسي حول العبادات

1439/08/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

مستمعي الأعزاء أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج الإسلام والحياة.

 

ضيف حلقة اليوم: الأستاذ محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي.

 

أهلاً ومرحباً بالأستاذ.

 

أهلاً بكم يا أخي.

 

سؤال ؟

أستاذ سوف نتناول اليوم موضوع العبادة، العبادة بمفهومها الواسع العريض، وقد ورد في بعض الآثار القدسية، عبادي إذا ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه، ولا لجلب منفعة، ولا لدفع مضرة، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرةً وأصيلا.

 

هنا تتوضح أن العبادة لله تعالى، ليست من خلال أن الله بحاجة إلى هذه العبادة، هذه ناحية.

 

الناحية الثانية: إن للعبادة فلسفة يمكن أن تعتمد، وإن صح أن لكل شيء فلسفة، فما فلسفة العبادة في الإسلام ؟ بتعبير آخر لماذا نعبد الله تعالى، الإنسان، هو المخلوق الأول رتبةً… قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزاب: 72].

 

والإنسان -أيضاً- هو المخلوق المكرم، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء: 70 ].

 

شيء آخر، هو أن الكون كله بسماواته وأرضه مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) [الجاثية: 13].

 

إذا كان الكون مسخر للإنسان؛ فلإنسان لمن ؟.

 

الإجابة عن هذا السؤال الإنسان لله، ليعرفه، لعبده، ليسعد بقربه إلى أبد الآبدين، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].

 

والعبادة في بعض تعاريفها الدقيقة، طاعة طوعيه، تخالطها محبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي بالإنسان إلى سعادة أبدية فالمعرفة أساس العبادة، والعبادة أساس السعادة.

 

سؤال:

طيب هل تقتصر العبادة في الإسلام على الصوم، والصلاة والزكاة، وما إلى ذلك ؟ أم أن لها مفهومات تشمل الحياة كلها، وكيان الإنسان كله أيضا ؟

 

الأستاذ:

الحقيقة أستاذ عدنان، أن العبادة نوعان:

عبادة تعاملية، كل أمر أمر الله به، الائتمار به من العبادة وكل نهي نهى الله عنه، الانتهاء عنه من العبادة.

إذاً: تطبيق أوامر الله -عز وجل-، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأحكام الفقهية التي استنبطها المجتهدون، هذا التطبيق بحد ذاته هو العبادة.

 

لكن النوع الثاني من العبادة: هو العبادات الشعائرية، كالصلاة، والصيام، والحج والزكاة، فبعض هذه العبادات قولي، كتلاوة القرآن، والأدعية والأذكار، وبعض هذه العبادات بدني، كالصلاة، وبعض هذه العبادات مالي، كالزكاة، وبعض هذه العبادات بدني مالي، كالحج والعمرة.

 

لكن العبادة الشعائرية في جوهرها، وهذا أهم ما فيها، إنها اتصال بالله بشكل أو بآخر، هذا الاتصال لا ينعقد إلا إذا كان العبد ملتزماً بالعبادة التعاملية؛ أي كان عند الأمر والنهي، لأن الذنب حجاب بين العبد وربه.

 

لذلك ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن رُب تالٍ للقرآني والقرآن يلعنه، إن لم يطبق أوامر الله التي وردت في القرآن.

 

وفي موضوع الدعاء، يقول العبد: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟.

 

وعن الصلاة: فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.

وعن الصوم: رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

 

وعن الإنفاق: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ) [التوبة:53].

 

وركعتان من ورع، خير من ألف ركعة من مخلط، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله لم يعب الله بشيء من عمله وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام؛ إذاً: فالعبادات الشعائرية لا تحقق هدفها، ولا تقطف ثمارها إلا إذا كان العبد ملتزماً بأمر الله ونهيه.

 

سؤال ؟

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: العبادات معللة بمصالح الخلق، كيف نفهم هذه العبادات في ضوء هذا القول ؟

 

الأستاذ:

رضي الله عن الإمام الشافعي كما تفضلتم، الحقيقة أن الصلاة ، والصيام، والحج، والزكاة، عبادات معللة كما قال الشافعي بمصالح الخلق فالصلاة مثلاً ذكر لله -عز وجل-؛ فقال: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14].

 

والصلاة أيضاً قرب لله -عز وجل-، قال تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق: 19].

 

والصلاة وعي وعقل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [النساء: 43].

 

فمن صلى ولم يعي ما قرأ في الصلاة فكأنه في حالة السكران وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، والصلاة فضلاً عن ذلك فيها تطهير للنفس من الأدران، إنها نور تهتدي به النفس في ظلمات الحياة، الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات.

 

والزكاة -أيضاً-: تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحقد تطهر المال من تعلق حق الغير به، تنمي شعور الغني بقيمته في المجتمع، من خلال بذله، تنمي شعور الفقير بأن مجتمعه مهتم به تنمي المال التي دفعت زكاته، كل هذه المعاني استنبطها علماء التفسير، من قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [التوبة: 103].

 

والصوم ؟

الأستاذ:

الصوم: ونحن في شهر الصوم، صوم رمضان دورة سنوية مكثفة، يدع فيه المؤمن طعامه، وشرابه، تقرباً إلى الله -عز وجل- ففي الصيام يعرف الإنسان عبوديته لله -عز وجل-، وفي الصيام يتعرف إلى فضل الله عليه.

 

والصيام أيضاً: مناسبة تتقوى فيها إرادة الإنسان الخيرة، بل هو قفزة نوعية في معرفة الله، والتقرب منه، وفضلاً عن كل ذلك ففيه وقاية وصيانة لأجهزة الجسم المختلفة.

 

أما حج بيت الله الحرام: فهو رحلة إلى الله تعالى، تبعد الإنسان عن كل أوهام المادة وتهيئه للقاء الله -عز وجل- حيث السعادة الأبدية.

 

سؤال:

تفضلتم أن في الصوم يتعرف الإنسان على عبوديته لله تعالى هذه العبودية هل فيها منقصة للإنسان ؟ أم فيها رفعة للإنسان ؟

 

الأستاذ:

الحقيقة أستاذ عدنان: لا يرقى الإنسان إلى أعلى مراتبه إلا إذا كان عبداً لله، لا يتألق، بل لا تتألق إنسانيته إلا إذا كان عبداً لله، والإنسان حينما يعبد الله يستمد من الله -عز وجل- كل قوته، وكل حكمته، وكل كماله الإنساني.

 

فالإنسان إذا عبد الله، حقق وجوده، وأكد ذاته، وحقق الهدف الذي من أجله خلق، أو خلقه الله -عز وجل-.

 

في نهاية هذا اللقاء نشكر الأستاذ محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، وخطيب مسجد عبد الغني النابلسي.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات