ملتقى الخطباء

(115)
5283

معنى العبودية

1439/08/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، يا رب العالمين.

 

في معنى العبودية، قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّا) [مريم: 96].

 

وما معنى أني عبد لله -عز وجل- ؟

اعترافك بالعبودية لله والانكسار له أحد أسباب تفريج الهم.

وما هي مقتضيات تلك العبوديـــة ؟

 

لقد عرفنا من خلال درس التوحيد أن المسلم لا يخضع لأحد، ولا يعلِّق آماله على أحد إلا الله عز وجل، لذلك فالإنسان لا يصلح أن يكون له رباً غير الله تبارك وتعالى، ولا يصلح هو أن يكون عبداً لغير مالك أمره ولقد علَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ أن اعترافك بالعبودية، والضعف والانكسار لله عز وجل، هو أحد أسباب تفريج الهم، وتنفيس الكرب، قال -عليه الصلاة والسلام-: “مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا” (رواه أحمد).

 

نستطيع أن نفهم معنى العبودية من خلال النقاط التالية:

فمن وجدها في نفسه فقد أدَّى ما عليه من مقتضى عبوديته، ومن لم يجدها فليجتهد فيها فإن الوقت قصير.

 

إن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وإن سيده إن أهمله وتخلى عنه هلك، ولم يؤوه أحد، ولم يعطف عليه، بل يَضيع أعظم ضيعة فلسان حال العبد يقول: اللهم إني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به، وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده، فمن كان هذا لسان حاله كان من عبيد الطاعة المضافين إلى الرحمن في قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ).

 

(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً*. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاما *.)

 

ومن مظاهر العبودية لله أن مالك ونفسك ملك لله وفي العبودية: التزام الذل والخضوع والإنابة إلى الله -عز وجل- وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه، واللجوء إليه، والاستعانة به والتوكل عليه.

 

وفيه -أيضاً-: إن مالي، ونفسي، ملك لك يا الله، فإن العبد وما يملك لسيده، وأنك أنت الذي مننت عليَّ بكل ما أنا فيه من نعمة، فذلك كله من إنعامك على عبدك.

 

ومن مظاهر العبودية: أن لا يتصرف العبد بما أعطاه الله من مال ونفس إلا بأمر الله عز وجل، كما لا يتصرف العبد إلا بإذن سيده.

 

ومن مظاهر العبودية ما قاله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث السابق: “ناصيتي بيدك”.

أي أنت المتصرف فيَّ، تصرفني كيف تشاء، وكيف يكون له في نفسه تصرف مَن نفسه بيد ربه وسيده، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، وموته، وحياته، وسعادته، وشقاوته، وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه، ليس للعبد منه شيء، بل هو في قبضة الله -عز وجل-.

 

ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء، لم يَخفْهُم بعد ذلك، ولم يرجهم، ولم يُنْزِلْهُمْ منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين، فمن شهد نفسه بهذا المشهد، صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، وهنا يستقيم توحيده وعبوديته وتوكله.

 

اللهم اجعلنا نعرفك حق المعرفة ؛ لنتخلق بأخلاق عبوديتنا لك، لا نتجاوزها بغية الانتساب إليك يا أكرم الأكرمين.

 

والحمد لله رب العالمين.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات