طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||
ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > في نقد تقسيم حياة المسلم إلى عبادات وعادات

ملتقى الخطباء

(425)
5274

في نقد تقسيم حياة المسلم إلى عبادات وعادات

1439/07/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

في نقد تقسيم حياة المسلم إلى عبادات ومعاملات أو عبادات وعادات: إن هذا التقسيم يتضمن – تلميحًا لا تصريحًا – أن العادات ليست من العبادة، وأن المعاملات ليست من العبادة! بالطبع لم يقصد أول من قسَّم هذه التقسيمات أن يُخرِج العادات أو المعاملات من مضمار العبادة، لكن للمصطلحات تأثيرها على العقل الباطن للإنسان لاسيما إن طال أمد استخدامها (معلوم أنه ما تكرر تقرر)، فاشتقاق “العبادات” من “يعبد، عبادة” يوهم مع كثرة استخدام هذين التقسيمين أن العبادة التي هي وظيفتنا في الحياة والتي نص عليها الله صراحة في الآية الكريمة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:٥٦].

 

هي مجموعة “الشعائر التعبدية” من صلاة وصوم وحج وزكاة وذِكرلله باللسان والقلب، ومن ثَم خرج باقي الحياة من “العبادة” تلقائيا، وأصبح الدعاة يرددون: “إن أردت أن تحوِّل العادة إلى عبادة فاتخذ فيها نية صالحة” وهذا اجتهاد منهم لحل المشكلة، لكن هذا الحل لم يزد على كونه حلًا جزئيًا أشبه بترقيع الثوب المهترئ! بل إنه يؤكد أن الأصل في العادات والمعاملات أنها ليست من العبادة!

 

وأن الاستثناء هو تحويلها إلى عبادة عن طريق “اتخاذ نية” أو “تصحيح النية” إلى آخر ما يستخدمه الدعاة من مُرَقِعَات لثوب الحياة الإسلامية! والحق – كما أراه – أن ما يسمونه بالعادات هي عبادة بالفعل. نعم تحتاج لنية بالتأكيد، لكنها لمن تكن خارج العبادة وتحتاج لنية كي تكون داخلها، بل هي في الأصل عبادة، لكن إذا كانت النية فاسدة أو كان الإنسان في غفلة فهذا هو ما يخرجها عن إطار العبادة وأثر هذا التقسيم – وطرق معاجته من أغلب الدعاة – على العقل الباطن للمسلم مع مرور الوقت أن أصبحت الحياة الفعلية للمسلم من دراسة وعمل وزراعة وحصاد وصناعة واستثمار وتجارة وفنون أن الأصل فيها أنها ليست عبادة في ذهن المسلم! بينما يقول الله صراحةً في القرآن الكريم  {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: ٧٧]

 

ما هو “ما آتاك الله”؟! إنه كل شيء! إنه الصحة والمال والوَلَد والعقل والوقت وكل شيء في هذه الحياة!، فإذا ابتغينا فيما آتانا الله الدار الآخرة – مع عدم تعارض هذا مع الاستمتاع بالطيبات التي أحلها الله {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} – والتزمنا الإحسان والإتقان في هذا الابتغاء، أي في كل حياتنا… حينها – وحينها فقط – نكون مسلمين حقا عابدين لله! فالعبادة إذًا هي الحياة بأكملها وليست هي الشعائر التعبدية (الصلاة، الصوم ،….)، وذلك كما قال الله تعالى  {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام 162-163]

 

فكل عمل في الحياة هو عبادة. ولا شك أن ترسخ هذا المفهوم في عقل المسلم سيكون له أبلغ الأثر في تحويل حياته كلها إلى إتقان {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ} وتقليل فرصة الوقوع في المعصية حيث أنه من غير الوارد لشخص مستحضر أنه في عبادة خلال يومه كله أن يرتكب معصية متعمدا أثناء استحضاره أنه داخل عبادة مستمرة. ويمكنك اختبار نفسك او غيرك في مدى تأثير هذا التقسيم على استيعاب عقلك الباطن لجوهر الحياة الإسلامية إذا سألت نفسك أو غيرك هذا السؤال: ماذا ستفعل لو علمت أن القيامة غدًا؟! ستجد أن معظم الإجابات جاءت هكذا: سأقضي اليوم كله في النوافل، والصيام، والصدقات، والتوبة، والاستغفار، وهذا يؤكد أن مفهوم العبادة يقتصر على هذه الأمور فقط!

 

مع أن المسلم إن علم أن القيامة ستقوم غدا ينبغي أن يكون يومه عاديا جدا – صحيح سيكون بطبيعة الحال خال من المعاصي وسيبدأه بتوبة – لكنه ينبغي أن يذهب لعمله كأي يوم عادي، ذلك أن حياته كلها عبادة، وبالتالي فما الفارق بين أن تكون القيامة غدا أو لا تكون؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةً فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها» (الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الأدب المفرد)، وذلك مع علمه أنه لا أحد سيستفيد بغرس هذه الفسيلة! لكنه سيغرسها لأنها عبادة. نحن في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في هذه التقسيمات حتى نكون فعلا من {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، حيث أن العمل الصالح يشمل الشعائر التعبدية وغيرها من كل مظاهر الحياة، والعمل الصالح – في حقيقته – هو العبادة!

والله أعلم

 

المصدر: طريق الإسلام

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات