ملتقى الخطباء

(104)
5234

نجاسة الكافر

1439/07/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

د. خالد عبدالقادر

 

|

الأصل في ذلك قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (التوبة/28)

 

فما المراد بالمشرك؟  وما المراد بالنجاسة هنا؟

 

المراد بالمشرك:

اختلف الفقهاء في المشرك هنا على فريقين:

الأول: وهم الجمهور. قالوا: المراد بالمشرك في الآية هو كل عابد وثن أو صنم.

 

قال الإمام مالك: ولكن يقاس عليه جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.

 

الثاني: وهو مذهب الشافعي أن الآية عامة في جميع الكفار، وهو قول ابن عمر، وجابر بن عبد الله من الصحابة ونصره ابن حزم الظاهري[1].

 

قلت: جاء لفظ المشركين في بعض آيات القرآن، وكان محل إجماع الأمة على أن المراد به كل كافر كقوله تعالى (وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ) (البقرة/221) فقد أجمع العلماء على أن لا يطأ كافر مؤمنة بوجه؛ عملاً بهذه الآية[2].

مع العلم بأن المشهور في عرف الشرع أن المشركين هم عبدة الأوثان فيما إذا أطلقت اللفظة، مع أن كل كافر مشرك حقيقة.

 

ولا يناقض هذا ورود آيات تصف اعتقاد أهل الكتاب بالشرك. قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ..) (التوبة/30) ثم قال سبحانه في عجز الآية (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة/31).

 

فالمشرك هنا مبيّن وليس مجملاً ولا مشاعاً فهو شرك أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ثم فرق تعالى بين المشركين الذين هم عبدة الأصنام، وبين أهل الكتاب بقوله (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة/1) وبقوله (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة/105) وبقوله (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران/67) أي ما كان إبراهيم يهوديا، وما كان نصرانيا، وما كان من المشركين بل حنيفاً مسلماً. ولكن يجمعهم لفظ الكفر.

 

وقول النبي r بعد نزول الآية: “لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان”[3] يؤيد ما قاله الجمهور؛ لأن عبدة الأوثان هم الذين كانوا يحجون البيت دون غيرهم من العرب، ويؤيده قوله تعالى أيضاً في الآية نفسها (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) (سورة التوبة/28) وقد كانت خشية الفقر بسبب انقطاع التجارات التي كان يأتي بها مشركو العرب في موسم الحج.

 

هل يقاس على عبدة الأوثان غيرهم من الكفار في النجاسة؟

الإجماع على أنه يقاس عليهم غيرهم من الكفرة في النجاسة إلا أبا حنيفة فقد قال: إن الآية خاصة بعبدة الأوثان، ولا يقاس عليهم غيرهم.

 

المراد بالنجاسة:

ذهبت الجماهير من العلماء إلى أن المقصود بقوله تعالى (نَجَسٌ) (التوبة/28) إنما هي النجاسة المعنوية، أي نجس في الاعتقاد والدين، أو أنهم أشرار خبثاء، أو هي من باب التشبيه البليغ[4].

 

وعن قتادة: “أن الله سماهم بالنجس؛ لأنهم يجنبون ولا يغتسلون”.[5]

 

وفي روح المعاني: “والمراد ذوو نجس لخبث بواطنهم، وفساد عقائدهم، أو لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم”.[6]

 

وذهب الإمام مالك[7] والرازي[8] والألوسي[9] وأهل الظاهر[10] إلى أن الكافر”كل كافر” نجس العين. وروي هذا القول عن ابن عباس من وجه غير حميد[11].

 

وقالوا: “وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية، ولا يعدل عنه إلا بدليل منفصل”.

 

وقال الجصاص “وإطلاقه تعالى اسم النجس على المشركين يقتضي اجتنابهم وترك مخالطتهم إذ كنا مأمورين باجتناب الأنجاس”[12].

قلت: “وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح” لما يلي:

أولاً: إباحة الله نكاح الكتابيات للمسلمين، ومعلوم أن ملامستهن وعرقهن لا يسلم منه أزواجهن، وكذا أثاث المنزل ولباس الزوج وغيره. ومع ذلك فلم يوجب الشرع من غسل ذلك إلا ما أوجبه من غسل من كانت تحته مسلمة.

 

ثانياً: إباحة طعام أهل الكفر قاطبة – أما الذبائح فإنها مقتصرة على أهل الكتاب – ومعلوم أن الطعام لا يسلم من مسهم ومعالجتهم إياه، فلو كانت أعيانهم نجسة نجاسة حسية للزم منه أن ينجس كل ما يلمسونه ولاستحال طعامهم إلى خبيث مستقبح فيحرم. وقد قال تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (سورة الأعراف/157).

 

وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل طعامهم، واستعمل أوانيهم وقبل هداياهم[13].

 

فعن عمران بن حصين أن النبي r وأصحابه استعملوا مزادة امرأة مشركة[14].

 

فالحديث يدل على طهارة المشرك؛ لأن المرأة قد باشرت المزادة.

 

وقد صح عن عمر أنه توضأ من بيت نصرانية. وقيل في جرة بدل بيت[15].

 

وكذلك فإن حذيفة استسقى فسقاه مجوسي[16].

ثالثا: لو صحت نجاستهم لاستفاض بين الصحابة نقل ذلك، والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة، فإذا علمنا هذا قلت: لم يصح عن النبي r ولا عن صحابته خبر واحد من القول بنجاسة المشركين على المعنى الذي قال به الإمام مالك ومن وافقه.

 

رابعاً: أن النبي r وأصحابه من بعده فتحوا بلاداً كثيرة وغنموا المال، والسلاح، والثياب، والأواني، وغير ذلك، ولم ينقل إلينا ولو بطريق واهٍ أنهم قد غسلوا شيئاً منها لنجاسة أعيانها، بل ثبت أن النبي قَبِل هدية أكيدر دومة”[17][18] وغيره من المشركين، ولم نخبر أنه طهرها قبل استعمالها أو أمر بذلك.

 

خامساً: ومن جهة النظر فإنه قد تم الإجماع على أن المتولد من النجاسة نجس العين. فماذا يقول هذا الفريق فيمن وُلِدَ من أب مسلم وأم كتابية؟  فهل يقال إنه نجس العين؟ !! مع العلم بأنه بعد خروجه من رحم أمه فإنه “سيتغذى على لبن أمه النجسة”!!!

 

سادساً: إذا سلمنا بأن الكافر نجس العين فما السبيل إلى طهارته؟  فسيقولون: اعتناق الإسلام.

 

قلت: لم يقل أحد أن مجرد الدخول في الإسلام يزيل النجاسة الحسية، ولم يرد دليل على ذلك، بل ورد قوله تعالى (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) (سورة الأنفال/11)

 

وعلمنا من سنة النبي r أن الجمادات تلحق به، وكذا المائعات بالقياس دون غيرهم.

 

نخلص من هذا كله إلى أن الكافر طاهر العين والبدن “إن لم تكن عليه نجاسة حسية” نجس في الاعتقاد والدين. وقد ورد في ذلك إجماع[19].

 

قال ابن العربي: “إن النجاسة [هنا] ليست بعين حسية، إنما هي حكم شرعي أمر الله سبحانه بإبعادها [عن المساجد] كما أمر بإبعاد البدن عن الصلاة عند الحدوث”[20] مع الإجماع على أن المؤمن لا ينجس؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام “سبحان الله إن المؤمن لا ينجس”.[21]

 

 

[1] انظر المحرر الوجيز (6/452) وابن كثير (2/346) والمحلى (1/183) وروح المعاني (10/76).

 

[2] انظر المحرر الوجيز (2/248) والمغني (7/78).

 

[3] رواه البخاري في كتاب الحج (2/164) وانظر ابن كثير (2/346).

 

[4] انظر الهداية وشروحها (1/109) وحاشية الدسوقي (1/53) والمجموع (1/264) وتفسير ابن كثير (2/346) والتفسير الواضح (10/42).

 

[5] الطبري (10/74).

 

[6] (10/76) وانظر زاد المسير (3/417).

 

[7] انظر المدونة (1/41) ونيل الأوطار (1/25).

 

[8] التفسير الكبير (16/25).

 

[9] روح المعاني (10/76).

 

[10] المحلى (1/183).

 

[11] الطبري (10/74).

 

[12] أحكام القرآن (3/89).

 

[13] انظر صحيح البخاري: كتاب الهبة (3/141).

 

[14] متفق عليه. سبل السلام(1/46).

 

[15] صحيح البخاري: كتاب الوضوء (1/56) والمجموع (1/262).

 

[16] صحيح البخاري: كتاب الأطعمة (6/207).

 

[17] أي دومة الجندل: بلد في شمال الجزيرة العربية. قرب تبوك. وأكيدر هو ملكها من كندة. فتح الباري (5/231).

 

[18] صحيح البخاري: كتاب الهبة (3/414).

 

[19] انظر موسوعة الإجماع (1/149).

 

[20] أحكام القرآن (1/913).

 

[21] متفق عليه. انظر مسلم بشرح النووي (4/95).

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات