ملتقى الخطباء > الراصد الإعلامي > قيم التطهر.. ظاهره وباطنه

ملتقى الخطباء

(270)
5199

قيم التطهر.. ظاهره وباطنه

1439/06/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

أ. محمد حلمي عبد الوهاب

 

حرص الإسلام أشد الحرص على أن يكون المسلم طاهرا في الظاهر والباطن معا، فأكد أولا على وجوب التطهر، وحبّب ثانيا في ضرورة اكتمال لوازمه. خذ مثلا مسألة الروائح الزكية التي حث الإسلام على التطيب بها، تجد عشرات الأحاديث التي تدور حول هذا الأمر، من بينها ما رواه أبو هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “من عُرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيّب الريح خفيف المحمل”، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أطيب طيبكم المسك”.

 

وفي الواقع لم يكتفِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وإنما عمل على تأكيد أن التعطر والتزيّن والتجمّل أعمال لا تدخل في باب “الكبر”، فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال: “إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق، وغمط الناس”، بل إن هذه الأمور تعد عبادة يثاب عليها المسلم إذا ما واظب عليها، وآية ذلك ما ورد من نهي النبي أصحابَه الاقتراب من المسجد لمن أكل منهم الثوم والبصل وما شابه: “من أكل الثوم، والبصل، والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم”.

 

أما الدليل على وجوب طهارة القلب من النقل، فقوله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”. فهذا التأكيد يدل على أن الأمر في طهارة القلب أهمّ بمراتب عن طهارة البدن، وأن المناسب من الطهارة بكونها نصف الإيمان هو الأهم. ولذلك قال ابن تيمية في معرض حديثه عن اختلاف طريقة الفقهاء والمتصوفة: “كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة، وذلك أن الله أمر بطهارة القلب، وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه. قال تعالى: “مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”، وقال أيضا: “فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ”. ومع ذلك فإننا نجد كثيرا من المتفقهة، والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع؛ اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أُمرَ به؛ إيجابا أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك”! وأما من العقل فيكفي أن يتأمل المسلم في لطفه تعالى ثم في طلبه منه طهارة مكانه الذي هو مجاور له، ثمّ لباسه الذي هو ملاصق لبدنه، ثمّ بدنه الذي هو قشر لحقيقته، ليعلم من ذلك كله بالعلم القطعي أن المشرع لا يهمل طهارة قلبه وسرّه من الأقذار والأرجاس المعنوية التي لا يقاس خبثها ورَجاستها على الأرجاس الظاهريّة بوجه.

 

فإذا ما تم له التطهر من أقذار البدن شرع في الوضوء، وهو كسابقه يتضمن عددا من الآداب الظاهرة والآداب الباطنة. أما الأولى فمن بينها: إسباغ الوضوء، والتيامن، والدعاء عند البدء وعند الانتهاء منه، وعدم الإسراف في استخدام الماء.. إلخ. كما أن الوضوء يجب لعدد من العبادات، على رأسها: الصلاة، والطواف، ولمس المصحف وقراءة القرآن في بعض الروايات.

 

وأما الآداب والقيم الباطنية فمن بينها: ما يتعلق بالدعاء عند الوضوء، بأن يتأدب الإنسان في جميع أحواله وأفعاله بما علّمه الشارع من ذكر الله تعالى بما يناسب هذا الحال وهذا الفعل. ومنها ما يتعلق بحكمة استخدام الماء الذي هو عنوان رحمة الله تعالى: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيّ”، فكما أحيا به كل شيء من نعيم الدنيا، كذلك بفضله ورحمته جعل حياة القلوب بالطاعات، وكما أن رحمته تطهِّر ذنوب العباد، فكذلك الماء يطهر كل أنواع النجاسات الظاهرة: “وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا”.

فالماء وحده يؤدي كل شيء حقه دون أن يتغير عن معناه، وهو ما عبر عنه الحديث الشريف: “مثل المؤمن الخالص كمثل الماء”، أي في صفوه ونقائه ورقته وبركته وطهوريته ولطيف امتزاجه بكل شيء، كما أن المؤمن كالماء في صفاء عبادته وإخلاصها لوجه الله تعالى، فقلبه عامر بالتقوى طاهر بالإخلاص كما تتطهر الجوارح بالماء.

 

ومن هنا تحدث علماء التزكية في الإسلام من المتصوفة عن ما سموه “عمل القلب في الوضوء”، ومن ذلك قول المحاسبي تحت هذا العنوان: “.. وأنت في أخذك الماء معظّم لله عز وجل بقلبك في طهارتك له. وإن استطعت تجديد نية التوبة من الذنوب (مع كل وضوء) لتجمع بين طهر التوبة وطهر الوضوء فعلت، لأن الله سبحانه وتعالى جمعهما فقال: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين)، وتؤمل في كل عضو تغسله وتمسحه تكفيرَ ما أصبت من الذنوب بجوارحك”.

 

فالطهارة تعد المدخل لشرح الصدر الذي هو – بحسب الحديث النبوي الشريف – “نور يُقذَفُ في القلب فينشرح منه الصدر، وعلامته: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود”. فعن ابن مسعود رضي الله عنه: تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسلام”، فقال: “إن النور إذا دخل الصدر انفسح”. فقيل: يا رسول الله هل لذلك من علم؟ قال: “نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله”. وكما أن طهارة الجوارح ترفع الموانع من دخول المسجد والصلاة، فكذلك طهارة السرّ عن مقتضيات هذا العالم المادي المحسوس ترفع الموانع عن الإنابة إلى دار الخلود، أي إلى دار السلام وجوار المولى عز وجل.

 

أضف إلى ذلك أيضا ما في الطهارة من طرد للكسل، وذهاب للنعاس، وتزكية للجوارح والفؤاد عبر إعدادهما للقيام بين يدي الله عز وجل. ناهيك باشتمالها على غسل الوجه واليدين والرأس والرجلين التي يقوم بها بين يدي الجبار، فبوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب، وبرأسه يستقبله في وقوفه وركوعه وسجوده، وبرجله يقوم ويقعد.. إلخ. وبهذا تصبح الطهارة إعدادا واستعدادا، تمهيدا ومقدمة، للصلاة التي وُضعت أفعالها إظهارا للعبودية وسبيلا لتطهير الموحدين، وسترا لمساوئ أعمالهم التي يأتونها أطراف الليل وآناء النهار مصداقا لقوله عز وجل: “وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين”.

 

ومن ثم فإن التطهر يلحق بكل من الأبدان والأرواح معا، فتطهر الأبدان يكون بإسباغ الوضوء، حيث روي عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “هل تدرون ما قال ربكم؟”، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: “إن ربكم يقول: مَن تطهر في بيته ثم مشى إلى صلاته تعظيما لحقها، ورغبة فيها، وإيثارا لها على غيرها، فله عهد عندي: ألا أعذبه أبدا. ومن يترك صلاة استخفافا بحقها ورغبة عنها وآثر عليها غيرها: فلا عهد له عندي وهو في المشيئة إن شئت عذبت وإن شئت عفوت”.

 

والحال أن الإنسان إذا ما التفت لعدم إهمال الشارع لترتيب غسل الأعضاء في الوضوء والغسل وغيرهما، علم من ذلك عزّة الحكمة الإلهية، وأنّ لها في كل شيء مجرى وحِكَما في أهمّية أمر المراقبة في جزئيّات حركاته وسكناته، وإذا اهتم بذلك وعمل بما علمه من وجوه الحكمة في الأفعال يورثه الله علم ما لا يعلم من الحكمة، مصداقا لقوله تعالى: “وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا”. فتطهر الأرواح يكون بالتوبة النصوح، باليقين الذي يورث التقوى، ولا يتم ذلك إلا بالرجوع من مكروه الله إلى رضاه، وبالانتقال من البعد عنه إلى القرب منه، ومن الظلمة إلى النور، ومن الجهل والضلال إلى العلم والمعرفة، ومن الشقاوة إلى الهناء، وأخيرا من ذل المعصية إلى عز طاعة الله.

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات