ملتقى الخطباء

(142)
5194

تعريف الطهارة

1439/06/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +

أ. دبيان محمد الدبيان

 

الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة.

جاء في اللسان: الطهر: نقيض الحيض، والطهر: نقيض النجاسة، والجمع أطهار، وقد طَهَرَ يَطْهُر وطَهُرَ طُهْرًا وطهارة المصدران عن سيبويه.

 

وفي الصحاح طَهَر وطَهُر بالضم: طهارة فيهما.

 

وطَهَّرته أنا تطهيرًا وتَطَهَّرت بالماء، ورجل طاهر.

 

وقال أيضًا: وتَطَهَّرت المرأة: اغتسلت. وطَهَّره بالماء: غسله.

 

واسم الماء: الطَّهُور، وكل ماء نظيف طَهُور. وماء طَهُور؛ أي: يتطهر به، وكل طهور طاهر، وليس كل طاهر طهورًا. قال الأزهري: وكل ما قيل في قوله – عزَّ وجلَّ -: ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [1]، فإن الطهور في اللغة: هو الطاهر المطهر؛ لأنه لا يكون طَهُورًا إلا وهو يتطهر به، كالوضوء: هو الماء الذي يتوضأ به، والنشوق: ما يستنشق به، والفطور: ما يفطر عليه من شراب أو طعام، وسئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته؛ أي: المطهر، أراد أنه طاهر يطهِّر.

وقال الشافعي – رضي الله عنه -: كل ماء خلقه الله نازلاً من السماء، أو نابعًا من عين في الأرض، أو بحر، لا صنعة فيه لآدمي غير الاستقاء، ولم يغير لونه شيء يخالطه، ولم يتغير طعمه منه، فهو طهور، كما قال الله – عزَّ وجلَّ – وما عدا ذلك من ماء ورد، أو ورق شجر، أو ماء يسيل من كرْم، فإنه وإن كان طاهرًا فليس بطهور، وفي الحديث: لا يقبل الله صلاة بغير طُهور.

 

قال ابن الأثير: الطُّهور بالضم: التطهر، وبالفتح: الماء الذي يتطهر به كالوَضُوء والوُضُوء، والسَّحُور والسُّحُور.

 

وقال سيبويه: الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا، قال: فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما التطهر. والماء الطَّهُور بالفتح: هو الذي يرفع الحدث، ويزيل النجس؛ لأن فعولاً من أبنية المبالغة، فكأنه تناهى في الطهارة، والماء الطاهر غير الطَّهُور، وهو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس؛ كالمستعمل في الوضوء والغسل.

 

والمطهرة: الإناء الذي يتوضأ به، ويتطهر به.

 

والطَّهارة: اسم يقوم مقام التطهر بالماء: الاستنجاء والوضوء.

والطُّهارة: فضل ما تطهرت به، والتطهر: التنزه، والكف عن الإثم وما لا يحل، ورجل طاهر الثياب؛ أي: منزه، ومنه قول الله – عزَّ وجلَّ – في ذكر قوم لوط وقولهم في مؤمني قوم لوط: {( إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [2]؛ أي: يتنزهون عن إتيان الذكور.

 

وقيل: يتنزهون عن أدبار الرجال والنساء، قاله قوم لوط تهكمًا، والتطهر: التنزه عما لا يحل، وهم قوم يتطهرون؛ أي: يتنزهون من الأدناس، وفي الحديث: السواك مطهرة للفم، ورجل طهر الخلق، وطاهره، والأنثى طاهرة، وإنه لطاهر الثياب؛ أي: ليس بذي دنس في الأخلاق، ويقال: فلان طاهر الثياب، إذا لم يكن دنس الأخلاق؛ قال امرؤ القيس:

 

ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ….

 

وقوله تعالى: ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)[3] معناه: وقلبك فطهر، وعليه قول عنترة:

فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ *** لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ

 

أي شككت قلبه. وقيل: معنى وثيابك فطهر؛ أي: نفسك.

 

 

 

وقيل: معناه لا تكن غادرًا، فتدنس ثيابك؛ فإن الغادر دنس الثياب. قال ابن سيده: ويقال للغادر: دنس الثياب.

 

وقيل: معناه: وثيابك فقصر؛ فإن تقصير الثياب طهر؛ لأن الثوب إذا انجر على الأرض لم يؤمَن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده من النجاسة.

 

وقيل معنى قوله: وثيابك فطهر، يقول: عملك فأصلح، وروى عكرمة، عن ابن عباس في قوله – عزَّ وجلَّ -: ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: 4].

 

يقول: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على فجور وكفر، وأنشد قول غيلان:

إِنِّي بِحَمْدِ اللهِ لاَ ثَوْبَ غَادِرٍ *** لَبِسْتُ وَلاَ مِنْ خِزْيَةٍ أَتَقَنَّعُ

 

والتوبةُ التي تكون بإقامة الحدود نحو الرجم وغيره: طهورٌ للمذنب، تطهره تطهيرًا، وقد طهره الحد.

 

وقوله تعالى: ( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [4]، يعني به الكتاب، لا يمسه إلا المطهرون عنى به الملائكة، وكله على المثل.

 

وقيل: لا يمسه في اللوح المحفوظ إلا الملائكة.

وقوله – عزَّ وجلَّ -: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [5]؛ أي: أن يهديهم[6].

 

تعريف الطهارة اصطلاحًا:

تعريف الحنفية:

قال في الجوهرة النيرة: الطهارة: عبارة عن رفع حدث وإزالة نجس، حتى يسمى الدباغ والتيمم طهارة، وأعم من هذا أن يقال: عبارة عن إيصال مطهر إلى محل يجب تطهيره، أو يندب إليه، والمطهر: هو الماء عند وجوده، والصعيد عند عدمه[7].

 

وجاء في مجمع الأنهر: الطهارة في الشرع[8]: نظافة المحل عن النجاسة حقيقة كانت أو حكمية، سواء كان لذلك المحل تعلق بالصلاة كالبدن والثوب والمكان، أو لم يكن كالأواني والأطعمة[9].

 

تعريف المالكية:

جاء في مواهب الجليل: تطلق الطهارة في الشرع على معنيين:

أحدهما: الصفة الحكمية القائمة بالأعيان التي توجب لموصوفها استباحة الصلاة به أو فيه أوله، كما يقال: هذا الشيء طاهر، وتلك الصفة الحكمية التي هي الطهارة الشرعية: هي كون الشيء تباح ملابسته في الصلاة والغذاء.

والمعنى الثاني: رفع الحدث وإزالة النجاسة، كما في قولهم: الطهارة واجبة.

 

وفي كلام القرافي: أن المعنى الأول حقيقة، والثاني مجاز؛ فلذلك عرفها ابن عرفة بقوله صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أوله، فالأوليان من خبث، والأخيرة من حدث. انتهى. ويقابلها بهذا المعنى النجاسة؛ ولذلك عرفها ابن عرفة: بأنها صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه. انتهى.

 

واعترض ابن عرفة على من عرف الطهارة بالمعنى الثاني فقال: وقول المازري وغيره: الطهارة إزالة النجس، أو رفع مانع الصلاة بالماء أو في معناه، إنما يتناول التطهير، والطهارة غيره لثبوتها دونه فيما لم يتنجس، وفي المطهر بعد الإزالة[10].

 

تعريف الشافعية والحنابلة:

قالوا: الطهارة: هي ارتفاع الحدث، وما في معناه، وزوال الخبث[11].

 

وقد اشتمل التعريف على ثلاثة أقسام، كل منها يطلق عليه طهارة شرعية.

 

الأول: رفع الحدث.

 

الثاني: إزالة النجاسة

 

الثالث: ما في معناهما.

 

الأول: رفع الحدث:

لا شك أن ارتفاع الحدث يسمى طهارة شرعية، سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فإذا توضأ الإنسان أو اغتسل من الحدث، فقد تطهر، قال -تعالى- بعد أن ذكر طهارة الوضوء من الحدث الأصغر والأكبر، في طهارة الماء والتيمم: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [12].

 

والذي لم يتطهر يقال له: محدث، بنص السنة؛ فقد جاء في الصحيحين من طريق عبدالرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ[13].

 

الثاني من أقسام الطهارة:

إزالة النجاسة، فإذا أزيلت النجاسة عن المحل، فقد حصلت له طهارة شرعية من هذه النجاسة.

 

روى مسلم في صحيحه من طريق محمد بن سيرين، وهمام بن منبه كلاهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب[14].

 

فالطهارة التي ذكرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الإناء ليست من الحدث، ولكنها طهارة من الخبث، وهي النجاسة، ومع ذلك اعتبرها الشارع طهارة شرعية، بل لو قيل: إن الطهارة من النجاسة هي الأصل في إطلاق الطهارة؛ لأن الطاهر عكس النجس، بخلاف طهارة الحدث فإنها ليست عن نجاسة، وقد لا يزال بها وساخة – لم يكن القول بعيدًا من حيث اللغة.

 

بهذه الأدلة تبين لنا أن رفع الحدث طهارة، وزوال النجاسة طهارة أيضًا، وقد جمع الله – سبحانه وتعالى – طهارة الحدث وطهارة النجاسة في آية واحدة في سورة البقرة على القول الصحيح؛ قال -تعالى-: ( وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [15]؛ فقوله سبحانه: ( حَتَّى يَطْهُرْنَ)؛ أي: من النجاسة، التي هي انقطاع دم الحيض، وقوله: ( فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)؛ أي: من الحدث الأكبر بالغسل بعد الطهارة من الحيض.

 

النوع الثالث: هناك طهارة لا يرتفع بها الحدث، ولا تزال بها النجاسة، وهي مع ذلك طهارة شرعية، سماها الفقهاء: “في معنى ارتفاع الحدث، وفي معنى إزالة النجاسة”.

 

فالطهارة التي في معنى ارتفاع الحدث كتجديد الوضوء، فهو طهارة شرعية، ومع ذلك لم يرتفع بها الحدث؛ لأن الحدث قد ارتفع، ومثله الأغسال المستحبة شرعًا، ومثله الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء.

 

والطهارة التي في معنى إزالة النجاسة طهارة المستحاضة، فإنه يحكم لها بالطهارة وإن كان الحدث مستمرًّا، ومثله من به سلس بول، ومن قال: إن هذه استباحة وليست طهارة، فالخلاف معه قريب من اللفظي[16]؛ لأننا إذا أبحنا له فعل الصلاة، فقد حكمنا له بالطهارة، وقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: لا يقبل الله صلاة بغير طهور وقد سبق تخريجه. فلما أذن له شرعًا بالصلاة، علم أن هذه طهارته.

[1] الفرقان: 48.

[2] الأعراف: 82.

[3] المدثر: 4.

[4] الواقعة: 79.

[5] المائدة: 41.

[6] لسان العرب (4/504-505)، القاموس المحيط (ص: 554)، العين (4/18، 19)، مختار الصحاح (2/379)، وانظر أنيس الفقهاء (ص:46).

[7] الجوهرة النيرة (1/3)، وانظر البحر الرائق (1/8)، والعناية شرح الهداية (1/12).

 

[8] يبغي أن يقول: الطهارة في الاصطلاح، وإنما يكون التعريف بالشرع، إذا كانت حقيقته شرعية كالإيمان والصلاة، ونحوهما.

[9] مجمع الأنهر (1/9).

[10] مواهب الجليل (1/43،44)، وانظر شرح حدود ابن عرفة (ص: 12)، الخرشي (1/60، 61)، الفواكه الدواني (1/122).

[11] انظر في كتب الشافعية: المجموع (1/123)، أسنى المطالب (1/4)، شرح البهجة (1/13)، حاشيتا قليوبي وعميرة (1/19)، وانظر في كتب الحنابلة: كشاف القناع (1/23)، المطلع على أبواب المقنع (ص: 5).

[12] المائدة: 6.

[13] البخاري (135)، ومسلم (2-225).

[14] مسلم (91،29-279).

[15] البقرة، آية: 122.

[16] وقد يقال: إنه خلاف معنوي، وله ثمرة، حيث إنهم يوجبون على المتيمم التيمم لكل صلاة، ولو لم يحدث، والمخالف لهم يبيح له الصلاة بتيممه ما لم يحدث، أو يمكنه استعمال الماء.

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات